لماذا يفوز الروائي أحياناً بما يعجز عنه السياسي؟


لم تكن الأمريكية هارييت بيتشر ستو تشغل منصباً رسمياً في عام 1852، ولا تقود حزباً، ولا تمتلك منبراً سياسياً يوصل صوتها إلى الناس. كل ما كانت تملكه رواية واحدة عنوانها «كوخ العم توم». ومع ذلك لم يمضِ وقت طويل حتى تجاوز هذا العمل حدود الأدب إلى قلب الجدل الأمريكي حول العبودية، وأسهم في تحريك وجدان جمهور واسع لم تكن الخطابة السياسية وحدها قادرة على الوصول إليه بالعمق نفسه.
ويُروى أن الرئيس أبراهام لنكولن، حين استقبلها في البيت الأبيض عام 1862، خاطبها بعبارة صارت لاحقاً جزءاً من الذاكرة الأمريكية: «هذه السيدة الصغيرة هي التي أشعلت هذه الحرب الكبرى». وسواء صحّت هذه الرواية التاريخية بحرفيتها أم كانت من صنع الذاكرة الشعبية اللاحقة، فإن بقاءها حيّة حتى اليوم يكشف حقيقة أعمق من مسألة توثيقها: أن الرواية قادرة أحياناً على إحداث ما تعجز عنه المؤسسة السياسية بكل أدواتها. وهذا السؤال، على بساطته الظاهرة، يفتح باباً لإعادة النظر في العلاقة بين السلطتين اللتين تتنازعان على تشكيل وعي الناس: سلطة القرار وسلطة السرد، وأيهما أكثر قدرة على البقاء حين تنطفئ الأضواء عن أصحاب القرار أنفسهم.
لا ينبع هذا التفاوت من كون الروائي أكثر حكمة من السياسي، أو الأدب أقوى من السلطة. فلكل منهما ميدانه وأدواته الخاصة. غير أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الزمن الذي يشتغل فيه كل منهما. يتحرك السياسي داخل حدود الممكن؛ يقرأ موازين القوى الراهنة، ويحسب حساب الانتخابات المقبلة أو جولة التفاوض التالية. أما الروائي فيشتغل داخل حدود المخيلة، حيث لا سقف زمنياً لما يكتبه. الأول يدير الواقع كما هو، والثاني يعيد تعريفه من جديد. وما يُعاد تعريفه في وعي الناس يتحول، مع مرور السنين، إلى واقع مغاير لما كان عليه من قبل. من هنا لا تبدو المقارنة بين الإثنين تنافساً بين شخصين، بقدر ما هي التقاء بين زمنين متعارضين: زمن قصير يقيسه السياسي بالدورة الانتخابية، وزمن طويل يكتب فيه الروائي لجيل لم يولد بعد. ولذلك فإن معظم ما يُنجز في السياسة يُقاس بالنتائج المباشرة والقابلة للقياس، بينما يُقاس ما يُنجز في الأدب بأثره غير المباشر، الذي قد لا يظهر إلا بعد عقود من صدور العمل نفسه.

من الحدث إلى الذاكرة

على الرغم من السطوة السياسة الظاهرة، فإنها نادراً ما تنتج ذاكرة تدوم. تُبرم المعاهدات، وتُشن الحروب، وتُرسم الحدود من جديد، لكن هذه الأفعال تبقى أسيرة اللحظة التي وُلدت فيها، وسرعان ما تتحول إلى مادة أرشيفية يقرأها المتخصصون وحدهم. أما الرواية فتفلت من قبضة الزمن؛ فهي لا تحفظ الحدث كما وقع بالضبط، بل تحفظ أثره في النفس البشرية، وهذا ما يمنحها قدرة على البقاء تتجاوز عمر الوقائع نفسها. بقيت «الحرب والسلام» لتولستوي أقرب إلى فهم القارئ العادي لغزو نابليون روسيا عام 1812 من عشرات الوثائق العسكرية التي تناولت الحملة نفسها، وبقيت «البؤساء» لفيكتور هوغو حاضرة في الوجدان الفرنسي كمرجع أخلاقي لقضايا الفقر والعدالة، بعدما غابت أسماء كثير من الوزراء الذين تعاقبوا على الحكم في العقد نفسه الذي صدرت فيه الرواية عام 1862. وعلى النحو نفسه، منح تشينوا أتشيبي، في روايته «الأشياء تتداعى» الصادرة عام 1958، القارة الأفريقية صوتاً يروي تجربة الاستعمار من الداخل، بعدما ظلت هذه التجربة زمناً طويلاً محكومة بمرويات الرحالة والمستعمرين أنفسهم.
تكمن قوة الرواية في أنها لا تطلب من القارئ أن يقتنع، بل أن يتعاطف، والفرق بين الأمرين واسع. الاقتناع موقف عقلي، قابل للمراجعة والتعديل كلما تغيرت المعطيات، أما التعاطف فخبرة وجدانية يصعب اقتلاعها بعد رسوخها. قد ينسى الإنسان مضمون خطاب سياسي بعد أيام قليلة من سماعه، لكنه قد يحمل شخصية روائية في ذاكرته طوال حياته، لأنها أصبحت، على نحو ما، جزءاً من تجربته الداخلية لا مجرد معلومة تلقاها من الخارج.
ولعل هذا ما يفسر أن الأمم لا تُعرف في الوعي الإنساني بسِيَر ملوكها ورؤسائها وحدهم، بل أيضاً برموزها الأدبية. حين تُذكر روسيا، يحضر دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف قبل أن يحضر كثير من قياصرتها. وحين تُذكر أمريكا اللاتينية، يحضر غابرييل غارثيا ماركيز وروايته «مئة عام من العزلة». وحين تُذكر مصر في القرن العشرين، يحضر نجيب محفوظ، أول عربي يفوز بجائزة نوبل للآداب عام 1988. وحين تُذكر سوريا، يحضر نزار قباني ومحمد الماغوط. وفي فلسطين، يحضر محمود درويش قبل أن تحضر أسماء كثير من ساستها ومسؤوليها. فالأدب لا يُصدّر صورة الدولة كما تريد أجهزتها الرسمية، بل يكشف ما تحت هذه الصورة، وما يبقى في ذاكرة الشعوب، في نهاية المطاف، هو الأرواح التي كُتبت عنها  وليس الإدارات التي حكمتها. وهذه الرموز الأدبية لا تُفرض من فوق، ولا تصدر عن قرار مؤسسي، بل تفرض نفسها على مدى أجيال متعاقبة من القراء الذين يجدون في هذه الأعمال مرآة لتجربتهم الجماعية أكثر مما يجدونها في الخطاب الرسمي.
امتلكت فلسطين من المأساة ما يكفي لكتابة آلاف الروايات، لكنها لم تملك دائماً المشروع الثقافي القادر على تحويل هذه الثروة الإنسانية إلى ذاكرة عالمية راسخة. ومع ذلك نجح غسان كنفاني، في سنوات قليلة قبل اغتياله، في أن يمنح الفلسطيني اسماً ووجهاً وصوتاً متفرداً. ففي «رجال في الشمس» (1963)، لم يعد اللاجئ رقماً في تقرير أممي أو خطاب سياسي، بل صار إنساناً يعبر الصحراء بحثاً عن لقمة عيش وكرامة، وفي «عائد إلى حيفا» (1969) تحول فقدان البيت من خبر سياسي إلى جرح إنساني يتلمّسه القارئ من الداخل. وهذا بالضبط ما لا تستطيع السياسة أن تفعله وحدها؛ فهي تتفاوض على الأرض، بينما تتفاوض الرواية على معنى هذه الأرض في وعي من يقرأها، سواء أكان فلسطينياً أم غريباً عن القضية كلها. ولم يكن ثمن هذا الحضور رمزياً فحسب؛ فقد اغتيل كنفاني بسيارة مفخخة في بيروت في تموز/يوليو 1972، في حادثة تكشف أن مَن أعاد للفلسطيني اسمه ووجهه دفع لذلك ثمناً لا يقل عن ثمن أي مناضل سياسي.
ولا يقتصر هذا النمط على فلسطين وحدها. فقد أدرك الاتحاد السوفييتي، في ذروة سطوته، خطورة الكلمة الروائية أكثر مما أدرك خطورة كثير من خصومه السياسيين. حين نشر ألكسندر سولجنيتسين كتابه «أرخبيل الغولاغ» مطلع السبعينيات، لم يكن قد قدّم إحصاءات جديدة بقدر ما قدّم وجوهاً ومصائر لمعتقلين حوّلوا من أرقام في سجلات مغلقة إلى تجربة إنسانية يعيشها القارئ من الداخل، فطُرد من بلاده عام 1974. وقبله، اضطر بوريس باسترناك، صاحب «دكتور جيفاغو»، إلى رفض جائزة نوبل للآداب عام 1958 تحت ضغط السلطات السوفييتية، خوفاً من أن تتحول الرواية إلى إدانة رمزية للنظام أمام العالم. وفي المقابل، أظهر فاتسلاف هافيل، الكاتب المسرحي التشيكي، الوجه الآخر لهذه العلاقة حين تحولت سلطته الأخلاقية ككاتب معارض إلى سلطة سياسية فعلية، فانتُخب رئيساً لتشيكوسلوفاكيا عام 1989 عقب الثورة المخملية. فالسلطة لا تخشى الخيال بوصفه خيالاً، بل بوصفه منافساً للسردية الرسمية التي تحاول كل دولة احتكارها، ولهذا كان الكتّاب، عبر التاريخ، من أوائل من تعرضوا للنفي والسجن والمنع.
لا يعني هذا أن الأدب بديل عن السياسة، أو أن الروائي قادر على أن يحل محل رجل الدولة. فالروايات لا توقف الحروب، ولا توقّع الاتفاقيات، ولا تدير الاقتصاد، ولا تفاوض على استحقاقات سياسية ملموسة. لكنها تؤدي وظيفة لا تقل أهمية عن ذلك؛ إنها تهيئ الضمير الإنساني لاستقبال الحقيقة قبل أن تصله عبر القرار السياسي. والسياسي الذي يتحرك في فراغ ثقافي أشبه بمن يبني بيتاً على رمال متحركة، لأن كل قرار سياسي يحتاج، في النهاية، إلى سردية تمنحه معنى، وإلى ذاكرة جماعية تحميه من النسيان بعد سنوات من صدوره. كما أن الأدب نفسه ليس بريئاً دائماً من التوظيف السياسي أو الدعائي، وقد استُخدمت الرواية أحياناً لتبرير القمع بقدر ما استُخدمت لفضحه، وهو ما يستدعي من القارئ وعياً نقدياً لا انبهاراً ساذجاً بكل ما يُكتب باسم الأدب.

لماذا يخشى السياسي الروائي؟

لعل السؤال الحقيقي، إذن، ليس لماذا يفوز الروائي أحياناً بما يعجز عنه السياسي، بل لماذا يصر بعض الساسة، في غير موضع، على التقليل من شأن الروائي وتضييق مساحته. فالتاريخ يقول إن الإمبراطوريات تُبنى بالقوة، لكنها تُذكر بالقصص التي كُتبت عنها بعد سقوطها. قد تتبدل الحدود، وقد تُرسم الخرائط من جديد، أما الأعمال الأدبية الكبرى فتظل تعيد محاكمة التاريخ جيلاً بعد جيل، وتمنح الضحايا صوتاً لا تستطيع أي وثيقة رسمية أن تمنحه بالقدر نفسه.
ولهذا لا يحتاج العالم إلى مزيد من الساسة بقدر حاجته إلى كتّاب يمتلكون الشجاعة الكافية لقول الحقيقة، والموهبة الكافية لتحويلها إلى أدب يبقى. فالحقيقة حين تُلقى في خطاب قد تثير التصفيق للحظة، أما حين تتحول إلى رواية عظيمة فإنها تصبح جزءاً من ذاكرة البشرية، ولا تعود في حاجة إلى من يدافع عنها. وهذا تحديداً ما تفعله الكتابة الصادقة حين تكتب لنفسها أولاً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *