جرائم المستوطنين بحق الفلسطينيين مدعومة من الجيش والحكومة وتستفيد من الثرثرة العالمية


الناصرة ـ «القدس العربي»: ما تشهده الضفة الغربية المحتلة لا ينم عن حسابات إسرائيلية داخلية فحسب بل هي في الأساس استمرار لنظرية حسم الصراع من خلال عمليات تطهير عرقي، تضييق خناق وتهجير للفلسطينيين المتمسكين بورقة رابحة الآن تتجسد بالصبر والبقاء والتكافل. وتستفيد سلطات الاحتلال من انشغال العالم بقضايا ساخنة أخرى في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وفي قطاع غزة ومن حالة الصمت التي تعني الرضا لدى جموع الإسرائيليين ومن الثرثرة والتنديدات اللفظية غير المقرونة بالعقوبات والأفعال. ويقوم المستوطنون بمساعدة جنود بدور المقاول المنفّذ، فيما القرار هو لحكومة الاحتلال برئاسة نتنياهو الذي يرى بنصيحة مستشارين أن التصعيد الذي من شأنه أن يولّد انفجارا سيصب الماء على طاحونته الانتخابية وتغيير ميزان القوى الذي يميل اليوم لصالح خصومه ما يهدد بسقوطه من سدة الحكم ومن التاريخ. وحسب ما كتبت صحيفة «معاريف» العبرية صراحة هناك مَن يُجري حسابات مفادها بأن اندلاع مواجهات في الضفة الغربية ربما يغيّر الخريطة السياسية داخل إسرائيل. ضمن تقرير موسع ترجمه للعبرية وحررّه المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» تشير الصحيفة نفسها، من دون أدنى تردّد، إلى أن ما يحدث ميدانيًا في الضفة هو حالة من الفوضى وكذلك إلى أن الأجهزة الأمنية تقف وراء أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون، بدءًا من قيادة المنطقة العسكرية الوسطى في الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية، مرورًا بجهاز الأمن العام «الشاباك» وصولًا إلى شرطة لواء الضفة الغربية، والتي أصبحت غير ذات صلة منذ فترة طويلة.

ولتوضيح ما تقصد توثّق «معاريف» حادثتين من بين حوادث يصعب حصرها: الأولى، قيام جندي إسرائيلي كان في إجازة باقتحام قرية المغير (في محافظة رام الله والبيرة) برفقة عناصر من جماعات الإرهاب اليهودي وبعد ذلك شوهد عناصر من اليمين أقاموا حاجزًا على الطريق ومنعوا حركة المركبات الفلسطينية وحصل هؤلاء على مساعدة من جيش الاحتلال. وتظهر في مقاطع فيديو توثّق الحادثة سيارة جيب تابعة للجيش الإسرائيلي وهي تؤمّن هذا الاعتداء. الثانية: الحادثة التي وقعت في قرية قصرة (بالقرب من نابلس)، حيث وصل إرهابيون يهود ملثمون إلى القرية على متن شاحنات وقاموا بأعمال تخريب وأطلقوا النار وفشل أفراد الشرطة التابعة للواء الضفة الغربية المحتلة في اعتقال مشتبهٍ فيهم، و«يبدو كأن هذه المهمة لم تعد تؤرقهم». ويشير «مدار» إلى أن تصعيد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية شهد إحدى نقاط تحوُّله في ظل ولاية الحكومة الإسرائيلية الحالية في شباط/فبراير 2023، عقب قيام مجموعات من المستوطنين، في إثر عملية للمقاومة الفلسطينية، باقتحام بلدة حوّارة (بالقرب من نابلس) وإضرام النار في عشرات المنازل والمركبات. وحينها، وصفت وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية هذا الاقتحام بأنه حدث عنيف وخطِر واستثنائي وغير مسبوق وأثار إدانات دولية واسعة؛ كذلك لفتت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن ما يُعرف باسم «عمليات جباية الثمن» اتّسمت خلال العام 2023 بنمط واضح تمثّل في شن هجمات عنيفة ضد الفلسطينيين وأملاكهم، وخصوصًا بعد كل عملية فلسطينية يُقتل فيها مستوطنون. على سبيل المثال، في حزيران/يونيو 2023، وبعد مقتل أربعة مستوطنين جرّاء عملية إطلاق نار في محطة وقود في مستوطنة عيلي، هاجم مئات المستوطنين البلدات الفلسطينية المجاورة، منها أم صفا وترمسعيا، وأضرموا النار في منازل وسيارات وحقول. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل فلسطيني وإصابة عشرات آخرين؛ حتى إن قيادات في الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية وصفتها بأنها «مذبحة جماعية» و«إرهاب قومي» يجب وقفه. واعترف مسؤولون أمنيون إسرائيليون بأن تعامُل الشرطة والجهاز القضائي مع الجرائم القومية اليهودية خلال عامي 2022 و2023 كان محدودًا للغاية؛ الأمر الذي ولّد شعورًا بالحصانة لدى العناصر المتطرفة إذ لم يُعتقل، أو يقدَّم للمحاكمة سوى عدد ضئيل جدًا من مُرتكبي هذه الاعتداءات. وأشارت تقارير أُخرى إلى أن هذه الظاهرة بدأت قبل ذلك بأعوام؛ فعلى سبيل المثال، فُتحت خلال العام 2021 مئات الملفات المتعلقة باعتداءاتٍ قام بها مستوطنون، لكن عددًا قليلًا فقط منها انتهى بتقديم لوائح اتهام؛ وفي العام 2023، بقيَ الوضع مشابهًا، على الرغم من الارتفاع الحاد في عدد الأحداث. ويشير التقرير أنه قبل شنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، بثلاثة أيام، أصدرت «يش دين (يوجد قانون)»، منظمة تطوُّعية إسرائيلية لحقوق الإنسان، يوم 25/2/2026، تقريرًا بعنوان: «مستوطنون بالزيّ العسكري: عنف المدنيين الاسرائيليين بزيّ الجيش ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية»، استهلته بالقول إن إسرائيل سلّحت آلاف المستوطنين وزودتهم بالزيّ العسكري ومنحتهم القوة الفتاكة، بغياب آليات إشراف ورقابة على تفعيلها، وأن إطلاق النار، الاعتداءات، التعدّي على الأملاك والأراضي، السطو والسرقة، إتلاف الأملاك، ليست سوى بعض الأمثلة للحوادث التي ارتكب فيها مدنيون إسرائيليون جرائم ضد الفلسطينيين في العامَين الماضيَين وهم مزودون بالسلاح، وبالزيّ العسكري. هذه الاعتداءات ارتكبها مستوطنون جنود بصفة عسكرية، في تجاوُزٍ للصلاحيات والسلطة، ومستوطنون جنود كانوا في إجازة، وليس في إطار أي عمل، أو نشاط رسمي، وفي حالات أُخرى تصرّف مستوطنون يرتدون الزيّ العسكري بشكل مستقل، وبحسب أهوائهم. ويصل التقرير الحقوقي إلى بيت القصيد: «توفّر السلطات الإسرائيلية الدعم لعنف المستوطنين بالزيّ العسكري ضد الفلسطينيين، ليس فقط بواسطة توزيع هذا الزيّ والسلاح عليهم، بل بكونها لا تطبّق القانون على المجرمين والجناة: عندما تُقدَّم شكاوى ضد المعتدين، تحاول سلطات إنفاذ القانون التهرب من مسؤوليتها بالتحقيق في الحادث، وتدّعي النيابة العسكرية أن العنف لا يُرتكب في إطار نشاط عسكري، وبالتالي لا تقع الحادثة تحت مسؤوليتها، بينما تغلق الشرطة ملفات التحقيق، أو تزعم أن تلك الأفعال ارتكبها أشخاص يرتدون الزيّ العسكري؛ وعليه، لا تملك صلاحية التحقيق فيها. ورغم أن كثيرين من المستوطنين، الذين تم تجنيدهم في بداية الحرب في قوات التدخل السريع وكتائب الحماية الإقليمية، لا يخدمون اليوم خدمة احتياط ناشطة، فإن الجيش سمح لهم بالاحتفاظ بالسلاح والزيّ العسكري. وهذا الشكل من الاعتداءات يساعد إسرائيل على تحقيق طموحها بوضع يدها على مزيدٍ من أراضي الضفة الغربية وضم الأراضي الخالية من سكانها». ويثبت هذا التقرير الحقوقي أن إسرائيل تتيح، عمدًا، طمس المعالم التي تميّز بين المستوطنين وقوات الجيش بشكل منهجي، كسياسة متّبعة وتشجع أعمال العنف التي ترتكبها ميليشيات مدنية تعمل من أجل مصالح الاستيطان ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويؤكد في الوقت عينه أن هذه الممارسات الإسرائيلية تتعارض مع التزامات الدولة، بموجب القانون الدولي، كقوة محتلة في أراضي الضفة الغربية، وتنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني هناك بشكل صارخ.
وعلى خلفية كل ذلك يتساءل «مدار»: «يمكن القول إن مقاربة آخر الأوضاع في مناطق الضفة الغربية تستلزم طرح سؤال فيما إذا برزت بموازاة ذلك تخوّفات إسرائيلية من انفجار الأوضاع الفلسطينية، وهو سؤال يضمر في الوقت عينه سؤالًا صميميًا مبطنًا فحواه: هل الأوضاع منفجرة ولا أحد يبدي اهتمامًا بها؟». عن ذلك يقول: «يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بما يضمره تعتمد، بموجب متابعة آخر التحليلات والسجالات الإسرائيلية، على تحديد أي طرف في إسرائيل يُوجّه إليه، حيث نعثر، من بين وقائع أخرى، على مؤشرات إلى وجود انقسام واضح بين رؤية المؤسسة الأمنية العسكرية ورؤية المؤسسة السياسية». وكان أبرز هذه المؤشرات قيام المحلل العسكري لصحيفة «يسرائيل هيوم»، يوآف ليمور، بكشف النقاب عن قيام الجيش الإسرائيلي وخلال جلسة لدى وزير الأمن يسرائيل كاتس، بطرح «تحذير استراتيجي» فحواه أن الضفة الغربية تواجه خطر اندلاع مواجهة واسعة، على خلفية الارتفاع الحادّ في حوادث الإرهاب اليهودي، وعجز السلطات الإسرائيلية عن التعامل معه. وقبل ليمور أشير في تحليلات أخرى إلى أن التقديرات السائدة لدى المؤسسة الأمنيّة الإسرائيلية (الجيش وجهاز الأمن العام- الشاباك) تفيد بأن الضفة الغربية على وشك انفجار شامل، نتيجة تضافر عوامل اقتصادية (احتجاز أموال المقاصة ومنع العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل للعمل) مع التصعيد الميداني، والتوسع الاستيطاني، ناهيك عن أن المؤسسة الأمنية ترى في ارتفاع هجمات المستوطنين العنيفة عامل اشتعال مباشر يستهلك موارد الجيش ويشتّت جهوده عن جبهات قتال أخرى. بصرف النظر عن مدى احتمالية انفجار في الضفة الغربية المحتلة يبدو واضحا اليوم أنه كلما شارفت حكومة الاحتلال هذه على إنهاء ولايتها واقترب موعد الانتخابات العامة في 27 تشرين الأول/أكتوبر القادم ستتصاعد الانتهاكات والاعتداءات من قبل المستوطنين والجيش على حد سواء مدعومين من قبل المؤسسة الحاكمة والأطماع متعددة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *