كان المشهد في يناير 2011 يبدو وكأنّ تونس تفتح بابا لا يشبه أبواب العالم العربي السابقة، رئيس يفرّ، وحزب حاكم ينهار، وملايين يكتشفون للمرة الأولى أنّ السلطة ليست قدرا أبديّا. لكن المفارقة التي صنعتها السنوات التالية أكثر قسوة من لحظة السقوط نفسها. سقط بن علي، وسقط معه النظام القديم في صورته المباشرة، لكن قواعد السلطة لم تختفِ. وبعد خمسة عشر عاما، تعود تونس إلى الأسئلة التي خرجت الثورة من أجل الإجابة عنها: من يملك القرار؟ من يراقب الحاكم؟ وما الذي يمنع الجمهورية من أن تعود مرة أخرى إلى حكم الرجل الواحد؟ والأشد مرارة أن الأزمة التونسية لم تعد أزمة رئيس فقط، بل أزمة نموذج سياسي كامل فشل في إقناع المواطن بأنّ تغيير طريقة الحكم يمكن أن يغيّر حياته.
كانت تونس بعد الثورة استثناء عربيّا حقيقيّا، لا لأنّها بنت ديمقراطية مثالية، وإنما لأنّها نجحت في إبقاء الدولة قائمة، بينما كانت دول أخرى تنزلق إلى الحرب أو التفكك.
وُضع دستور 2014، وأجريت انتخابات تعددية، وتعايشت قوى سياسية متناقضة، ووجد الإسلاميون والعلمانيون واليساريون والنقابيون، أنفسهم داخل فضاء سياسي واحد. لكن ما بدا في الخارج نجاحا ديمقراطيّا لم يكن بالضرورة كذلك في عين المواطن الذي كان ينتظر وظيفة، ومستشفى يعمل، وإدارة لا تُهينه، وأسعارا يمكن احتمالها، ومناطق داخلية لا تشعر بأنها تُركت خارج الخريطة. هنا بدأت الديمقراطية تخسر معركتها الأخطر وهي معركة الأداء، تحوّلت الأحزاب تدريجيّا إلى آلات انتخابية، وتكاثرت الحكومات والائتلافات والانشقاقات، فيما كان الاقتصاد يزداد هشاشة، وأصبحت المناكفات داخل البرلمان والرئاسة والحكومة أكثر حضورا في حياة الناس، من أي مشروع لإعادة بناء الاقتصاد أو الإدارة.
الثورة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع المؤسسات، تستطيع أن تمنح المجتمع فرصة تاريخية، لكنها لا تستطيع أن تمنع النخب من إهدارها
لم يكن الخطأ أنّ التونسيين اختاروا الديمقراطية؛ الخطأ أن النخب التي ورثت الثورة تعاملت معها أحيانا كما لو أنّ الانتخابات وحدها تكفي لصناعة دولة ناجحة. وحين يصبح المواطن عاجزا عن رؤية أثر صندوق الاقتراع في حياته اليومية، تتحوّل الديمقراطية من وعد إلى عبء، ومن حلم إلى سؤال ساخط: ماذا أعطتني كل هذه السياسة؟
من هنا يمكن فهم صعود قيس سعيّد من دون الحاجة إلى اختزاله في صورة المستبد الذي ظهر فجأة، لقد جاء إلى الرئاسة سنة 2019 على موجة غضب حقيقية ضد الطبقة السياسية، وكان صعوده نفسه استفتاء على فشل تلك الطبقة في إقناع الناس بأنها قادرة على إدارة الدولة. ثم جاء 25 يوليو 2021، حين جمّد البرلمان وأعفى رئيس الحكومة واستأثر تدريجيّا بمراكز القرار، قبل أن يُعاد بناء النظام الدستوري حول رئاسة أكثر قوة في دستور 2022. وقد وصف خصومه المسار، بأنه تفكيك للنظام الديمقراطي، بينما قدّمه أنصاره باعتباره تصحيحا لمسار انحرف عن أهداف الثورة، لكن المشكلة الأعمق من هذا السجال أن السلطة الجديدة لم تكتفِ بإسقاط منظومة الأحزاب التي فقدت ثقة الناس، بل أعادت صياغة مركز القرار نفسه. وهكذا انتقلت تونس من مشكلة تعدّد مراكز القوة والصراع بينها إلى مشكلة أخرى وهي تركّز القوة في مركز واحد. وقد وثّقت تقارير حديثة تراجع التوازنات المؤسسية وتضييق المجال السياسي، فيما ظلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية قائمة. وهنا تصبح تونس أكثر من قصة انتقال ديمقراطي متعثر؛ تصبح مرآة لطريقة عمل النظام العربي نفسه. فمصر عرفت بعد ثورة 2011 سقوط رأس النظام، ثم عودة المؤسسة العسكرية إلى مركز المشهد السياسي، وليبيا أسقطت القذافي، لكنّها لم تجد سلطة قادرة على احتكار القوة أو بناء مؤسسات بديلة، فتحوّل سقوط الحاكم إلى صراع مفتوح على الدولة. وسوريا قدّمت الوجه الأكثر مأساوية، حين انتقل الاحتجاج من مطلب سياسي إلى حرب أكلت المجتمع والدولة معا، أما الجزائر، فقد أسقط الحراك عبد العزيز بوتفليقة، لكن ذلك لم يؤد إلى تغيير جذري في منظومة مراكز القوة التي حكمت البلاد لعقود. اختلاف هذه الحالات لا يلغي القاعدة المشتركة ومفادها، أنّه في العالم العربي قد يسقط الحاكم أسرع مما تسقط قواعد الحكم التي صنعت سلطته، ولذلك فإنّ السؤال الحقيقي ليس فقط لماذا تفشل الثورات، وإنما لماذا تستطيع الأنظمة إعادة إنتاج نفسها حتى بعد أن تهتز صورتها أو تتغير وجوهها؟
والأخطر في الحالة التونسية أنّ السنوات الأخيرة كشفت أن الصراع على شكل النظام، لم يعد منفصلا عن الحياة اليومية. ففي صيف 2026، خرج تونسيون إلى الشوارع وسط احتجاجات على انقطاع الماء والكهرباء، وارتفاع كلفة المعيشة ونقص بعض المواد والأدوية، بينما اتسعت الانتقادات للرئيس بسبب تدهور الخدمات والاقتصاد. وفي 20 أغسطس خرج مئات المحتجين في تونس مطالبين برحيل سعيّد واستعادة الديمقراطية، في وقت حاولت السلطة تقديم أزماتها ضمن خطاب محاربة الفساد والتآمر والتخريب. هذه التفاصيل اليومية أهم سياسيّا من عشرات الخطب؛ لأنّ السلطة لا تُختبر فقط في قدرتها على السيطرة على البرلمان أو المعارضة، وإنما في قدرتها على إيصال الماء والكهرباء والدواء إلى المواطن. حين تنقطع الكهرباء في بلد خرج من ثورة من أجل الكرامة، تصبح المسألة سياسية، حتى لو بدأت كأزمة تقنية. وحين يبحث المواطن عن الماء في بلد كان يُقدَّم باعتباره قصة النجاح الديمقراطي العربي، يصبح السؤال عن طبيعة النظام جزءا من السؤال عن معنى الدولة نفسها. لكن تونس تكشف أيضا خطأ آخر لا يقل خطورة عن خطأ الأنظمة، ألا وهو الاعتقاد بأن إسقاط السلطة يكفي لبناء البديل، فالثورة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع المؤسسات. تستطيع أن تمنح المجتمع فرصة تاريخية، لكنها لا تستطيع أن تمنع النخب من إهدارها. وهذا ما حدث بدرجات مختلفة في أكثر من بلد عربي، حيث تخرج الجماهير إلى الشوارع وهي تملك غضبا هائلا، لكنها لا تملك بالضرورة مشروعا مؤسسيّا قادرا على إدارة اليوم التالي. وعندما تفشل القوى الجديدة في ملء الفراغ، تستعيد الدولة العميقة أو المؤسسة الأقوى أو الشبكات القديمة قدرتها على الحركة. ليست المسألة مؤامرة دائمة ولا عودة آلية للماضي؛ إنها ببساطة قوة التراكم. فالنظام القديم يعرف الدولة أكثر مما تعرفها القوى التي جاءت لإسقاطه، ويعرف الإدارة ومراكز النفوذ ومفاتيح الاقتصاد والأمن، بينما تحتاج القوى الجديدة إلى سنوات حتى تتعلّم كيف تتحوّل من معارضة إلى سلطة. وفي هذه المسافة الزمنية تحديدا تُولد الانتكاسة.
لذلك ربما يكون الدرس الأكثر قسوة من تونس، أنّ المشكلة العربية ليست في أن الشعوب لا تريد التغيير، ولا في أن الأنظمة لا تخشى التغيير، بل في أن الجميع يدخل لحظة التغيير من دون اتفاق حقيقي على قواعد ما بعد التغيير. الشعب يريد إسقاط الظلم، والنخب تريد السلطة، والمؤسسات تريد الحفاظ على استمراريتها، والقوى الاقتصادية تريد حماية مصالحها، والأجهزة تريد منع الفوضى، ثم يجد الجميع أنفسهم أمام دولة واحدة لا تستطيع أن تتسع لكل هذه الصراعات بلا قواعد واضحة.
كاتب تونسي