نجيب محفوظ … هذه ليست طاولتي!


دخل نجيب محفوظ مقهى ريش في الساعة نفسها التي يدخل فيها عادة، أو في الساعة التي يظن أنه يدخل فيها عادة. لم يكن متأكدا تماما. الساعة المعلقة فوق الباب تشير إلى العاشرة إلا سبع دقائق، لكن عقاربها توقفت منذ سنوات، وصاحب المقهى لم يجد سببا لإصلاحها. كانت تؤدي وظيفتها على نحو جيد: تمنح الداخلين انطباعا بأن الزمن موجود. رفع نجيب عينيه إليها، ثم دخل. رأى أنطوان تشيخوف. في البداية لم يعرفه. كان الرجل يرتدي مريلة بيضاء ويمسك ممسحة، ويمسح بقعة قهوة عن طاولة قرب النافذة. لم يكن في المشهد ما يستدعي التفكير في الأدب الروسي. كان مجرد عامل في مقهى. ثم عرفه.
قال:
ـ أنطوان؟
رفع الرجل رأسه. نظر إليه. وفي تلك اللحظة صرخ أحد الزبائن:
ـ أستاذ أنطون! الطاولة الثالثة!
أجاب تشيخوف:
ـ حاضر.
ثم عاد إلى عمله.
ظل نجيب واقفا. كان يمكنه أن يسأله عما يحدث، لكنه شعر بأن السؤال لن يؤدي إلى شيء. فهناك أسئلة، إذا طرحت في المكان الخطأ، تتحول إلى جزء من المشكلة. نظر إلى طاولته. وجد رجلا يجلس إليها. كان للرجل شارب أسود دقيق، يشبه خطا رسمه طفل على عجل. أمامه خمسة كتب، وربما ستة. وحوله صحافيون ومصورون وأشخاص يحملون دفاتر.
أحدهم كان يسأله:
ـ كيف استطعت أن تفعل ذلك؟
قال الرجل:
ـ فعلت ماذا؟
ـ أن تغير مفهوم الرواية.
فكر الرجل قليلا، ثم ابتسم.
ـ لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
كتب الصحافي الجملة بسرعة.
نظر نجيب إلى يده. لم يكن يحمل قلما. بحث في جيبه، فلم يجد شيئا. لم يعرف لماذا شعر بأن ذلك مهم. اقترب من الطاولة.
قال:
ـ هذه طاولتي.
التفت الرجل إليه. ابتسم. لم يقل شيئا. التفت الصحافيون إلى نجيب، ثم عادوا إلى الرجل.
قال أحدهم:
ـ نكمل؟
قال الرجل:
ـ بالتأكيد.
جلس نجيب على كرسي قريب.
في الخارج مرّ رجل يحمل كيسا من الخبز. ثم امرأة تدفع عربة طفل. ثم سيارة سوداء توقفت للحظة وغادرت. كان الشارع يتصرف بصورة طبيعية، وهذا أزعج نجيب أكثر من أي شيء آخر. في الداخل، استمر الرجل في الكلام. قال إن كتابه الجديد يتناول الزمن. ثم قال إن الزمن ليس خطا. ثم قال إن المكان ليس مكانا.
سأله صحافي:
ـ وماذا يكون المكان إذن؟
ابتسم الرجل.
قال:
ـ سؤال جميل.
كتب الصحافي السؤال أيضا. فكر نجيب أن هذا غريب. صار الصحافيون يسجلون حتى الأسئلة التي يطرحونها بأنفسهم.
ظهرت أليف شافاك. كانت تحمل ممسحة. رآها تتقدم عبر القاعة، تتوقف عند كل طاولة، تمسح شيئا لا يمكن رؤيته، ثم تتابع سيرها. حين وصلت إليه قالت:
ـ لم تتغير كثيرا.
قال:
ـ ماذا؟
ـ أنت.
نظر إليها. ثم نظر إلى الممسحة.
قال:
ـ ماذا حدث؟
قالت:
ـ لا أعرف.
سكتت. ثم أضافت:
ـ لكن منذ أسبوعين صرنا نعمل هنا.
ـ نحن؟
ـ الكُتَّاب.
نظر إلى تشيخوف. كان يحمل صينية. نظر إلى نفسه. ثم إلى الرجل صاحب الشارب.
قال:
ـ ومن هؤلاء؟
قالت:
ـ لا أعرف.
ثم ابتسمت.
ـ ربما يعرفون هم.
كان ذلك جوابا غير مريح، لكنه بدا معقولا. أعطته الممسحة. أخذها. تقدم نحو إحدى الطاولات. ثم توقف. نظر إلى الواجهة الزجاجية.
قال:
ـ سأمسحها.
قالت:
ـ لماذا؟
قال:
ـ لأنها متسخة.
نظرت إلى الزجاج.
ـ لا تبدو متسخة.
قال:
ـ لهذا السبب تحديدا.
بدأ يمسح. كان الزجاج نظيفا تقريبا. ولذلك لم يكن العمل سهلا. عندما يكون الشيء متسخا، تعرف أين تنظفه. أما إذا بدا نظيفا، فإنك تبدأ بالشك في أنك تنظف شيئا لا يحتاج إلى التنظيف. استمر. من الأعلى إلى الأسفل. ثم من اليمين إلى اليسار. ظهر الشارع. ثم اختفى. ثم ظهر من جديد، تبعا للضوء. رأى نجيب انعكاسه. رأى الرجل صاحب الشارب. رأى تشيخوف. رأى أليف. ثم رأى شخصا رابعا. توقف. كان الرجل الرابع يشبهه. لكنه لم يكن نجيب. اقترب من الزجاج. اختفى الرجل. تراجع. ظهر مجددا. لم يقل لأحد شيئا.
في الداخل كان المؤتمر مستمرا.
قال الرجل ذو الشارب:
ـ أعتقد أن الرواية يجب أن تسبق الواقع.
صفق شخص ما. لم يعرف نجيب لماذا. عاد إلى تنظيف الزجاج. بعد دقائق صار الشارع أوضح. لكن شيئا آخر حدث أيضا. بدأ الرجل صاحب الشارب يفقد وضوحه. لم يحدث ذلك فجأة. في البداية اختفى انعكاس شاربه. ثم تلاشت ملامح وجهه في الزجاج. ثم أصبحت الكتب أمامه مجرد كتل بيضاء. لاحظ أحد المصورين ذلك.
قال:
ـ الإضاءة غريبة.
رفع المصور الكاميرا. التقط صورة. نظر إليها. ثم هز رأسه.
ـ لا شيء.
عاد إلى التصوير.
واصل نجيب المسح. لم يعد يفكر في الرجل. صار يفكر في الزجاج. الزجاج يفصل بين شيئين، لكنه يسمح لهما بأن يريا بعضهما. وربما لهذا السبب يكرهه الناس. لأنه لا يمنع شيئا تماما. ولا يسمح بشيء تماما. حين انتهى، وضع قطعة القماش على حافة الدلو. نظر إلى يده. كانت مبللة. ثم نظر إلى الرجل. لم يعد هناك. الطاولة خالية. بقيت الكتب. اقترب نجيب. لم يجد سوى أربعة كتب. حمل واحدا منها. فتح الصفحة الأولى. لم يجد اسما. أغلق الكتاب.
جاء تشيخوف ووضع فنجان قهوة على الطاولة.
قال:
ـ هذه طاولتك.
نظر نجيب إليه.
ـ وأين الرجل؟
فكر تشيخوف قليلا. ثم قال:
ـ أي رجل؟
نظر نجيب إلى أليف. كانت تقف عند النافذة. لم تبد عليها الدهشة.
سألها:
ـ أين ذهب؟
قالت:
ـ ربما خرج.
ـ متى؟
هزت كتفيها.
ـ عندما لم يعد أحد ينظر إليه.
جلس نجيب. شرب من فنجان القهوة. كانت القهوة باردة. لم يطلب تبديلها. في الخارج بدأ المطر. قطرات صغيرة ضربت الزجاج الذي نظفه قبل قليل. بعد دقائق اختفت آثار يده.
قال تشيخوف:
ـ يبدو أنك ستحتاج إلى تنظيفه مرة أخرى.
نظر نجيب إلى الواجهة. كان الشارع خلف المطر أقل وضوحا. ابتسم.
قال:
ـ نعم.
ثم شرب بقية القهوة.
لم يعرف أحد، بعد ذلك، متى غادر تشيخوف. ولا أين ذهبت أليف . أما نجيب فظل في مقهى ريش حتى أُغلقت الأبواب.
في الصباح التالي، حين فتح صاحب المقهى الباب، وجد الدلو قرب النافذة. وكان الزجاج نظيفا. لكن الطاولة التي اعتاد نجيب الجلوس إليها لم تكن هناك. مكانها طاولة أخرى. وعلى الطاولة ستة كتب. فوقها ورقة صغيرة كتب عليها:
«هذه ليست طاولتي.»
قرأ صاحب المقهى الجملة مرتين. ثم وضع الورقة في جيبه. ولم يسأل أحدا عنها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *