ما يمكن أن يجنب سوريا الانفجار الدوري الذي تكلم عليه تناول سابق لكاتب هذه السطور هو آليات إصلاح ذاتية للنظام السياسي، تتيح له التجدد ومعالجة أعطابه المحتملة، وتحول دون تراكم المشكلات غير المحلولة والتوترات المرتبطة بها. نعمل هنا على توضيح المقصود بآليات الإصلاح الذاتي التي أشير إليها بصورة عابرة في تلك المقالة السابقة.
بداية، ليس هناك اجتماع بشري غير مولد للمشكلات والمنازعات، وهذا لأن مصالح الناس وتفضيلاتهم لا تتوافق من تلقاء نفسها، وهو ما يوجب التسوية بينها على نحو يستبعد الصراعات العنيفة. هذه هي المسألة السياسية الأساسية في كل مجتمع. فلأن الناس مختلفون عن بعضهم ومع بعضهم، فإن السياسة مطلوبة، ثم لأنهم متشابهون وقابلون للتفاهم فإن السياسة ممكنة. السياسة هي المساحة الوسط بين الحب في نطاق العائلة وبين الحرب ضد أعداء، ومنهجها يوافق موقعها: الحلول الوسط والتسويات والتنازلات المتبادلة. لا تستبعد السياسة العنف حتماً، لكن لا شيء يبرر ما يحتمل ممارسته من عنف غير جعل الحلول السياسية ممكنة أكثر.
والسياسة صعبة دوماً في مجتمعات تتكون من ملايين وعشرات ملايين الناس. العنف أسهل: يجري التخلص أولاً بأول ممن يثيرون المتاعب، يُعزَلون ويهددون ويضيق عليهم في عيشهم، وإن لم يُجدِ هذا يعتقلون ويعذبون ويقتلون، وإن لم يَكفِ هذا بدوره يجري التوسع فيه، ثم المزيد من التوسع حتى يكفي. لكن بينما قد تتحقق الكفاية إلى حين، إلا أنه ليس هناك مقدار من العنف مهما بلغ يكفي على مدى أطول. تاريخ سوريا في الحقبة الأسدية ليس المثال الوحيد على أن العنف المرسل يدمر العنيفين في النهاية، وإن طال الأمد، بل وإن بلغ «الأبد». ونعرف بالتجربة أن الأبد فعل إدامة عنيف جداً، ضرب من سجن سياسي مؤبد لجميع السكان، استوجب سجناً فعلياً مديداً لكثيرين منهم وقتل كثيرين آخرين. وهو بذلك ليس خروجاً على السياسة وحدها، بل أكثر من ذلك خروجاً على المقياس الإنساني. الأبد ليس شيئاً إنسانياً، وما كسر سوريا هذه الكسرة التي قد لا تقوم منها هو تجاوز المقياس الإنساني في العنف وفي الأبد.
والخلاصة الأولى أنه لا العنف المرسل ولا الأبد يصلحان شؤون المجتمعات. هما عكس ذلك تماماً مصدر فسادها ودمارها.
وينبغي الإقرار بأننا لم نكد نعرف من صور الحكم في المجال العربي غير «الملك الطبيعي» أو ما يقاربه، أي الحكم بمقتضى الشهوة، أو حكم الشوكة والغلبة، بعبارات ابن خلدون، أي حكم الأقوى، وهو حكم يسير طبيعياً إلى حتفه لضعف المكون العقلي فيه، ولقيامه على افتراض أن كل شيء ممكن إن كانت لديك القوة. الواقع أن هذا شعار عدمي (كمالته: ليس لأي شيء معنى)، وأن أول المعقول السياسي، أول السياسة الدستورية، هو أنه ليس كل شيء ممكناً، أن على القوة أن تحدد نفسها كي لا تدمر نفسها. الكلام على السياسة وآليات الإصلاح الذاتية للنظم السياسي هو كلام على هذا المكون العقلي- الدستوري الذي يحول دون أن يسير الاجتماع البشري سيراً عدمياً أعمى.
ويمكن أن نعرف آليات الإصلاح الذاتية، بالسلب بداية، بأنها تقييد العنف ومنع الحكم الأبدي. قد لا يكون حكم غير أبدي صالحاً بالضرورة، لكن الحكم الأبدي فاسد حتماً. وبحسب القول المأثور الشهير للورد أكتون (بريطاني، من القرن 19) فإن السلطة تفسد والسلطة المطلقة تفسد إفساداً مطلقاً. السلطة المطلقة هي السلطة غير المقيدة عنفاً ودواماً.
وفي بضعة القرون الأخيرة تطور فهم للسياسة كجهد عقلي من أجل تسوية المنازعات والوصول إلى حلول وسط، والحد من العنف. وبموازاة ذلك تطورت آليات إصلاح تجنب المجتمعات الانفجارات العنيفة، وعليها يقوم الحكم العقلي الحديث. ومن هذه الآليات تقسيم السلطة إلى سلطات فرعية، تنفيذية وتشريعية وقضائية، والفصل بينها استناداً إلى مبدأ أن ما يحد من سلطة ليس إلا سلطة أخرى، وأن تركز السلطات في الأيدي نفسها هو الحكم المطلق، المطلق الإفساد. والسلطة التي يخشى من افتئاتها على غيرها هي السلطة التنفيذية، ولذلك يتعين أن تقع تحت رقابة السلطة التشريعية المنتخبة، وأن تستقل عنها السلطة القضائية المعنية بالبت العادل في منازعات المصالح ومعاقبة الجريمة. ومن آليات الإصلاح كذلك ضمان تغير الحاكمين عبر انتخابات عامة حرة تجري دورياً. المبدأ هنا هو الحد الزمني من السلطة، أي منع الأبد. لكن التغير الدوري يضمن كذلك اتساع دوائر النخبة السياسية وتجدد دمائها على نحو يجدد شباب الحكم، كما يحد من تراكم مشاعر الإحباط الذي يترتب على ما صار يطلق عليه في القرن العشرين احتكار السلطة.
ليس بين الناس من هم ممتنعون على الفساد، وما يحول دون فساد كل واحد منا هو وجوده في مجتمع تعددي منفتح ينتقد الشطط والتجاوز، ويضمن سلامة من ينتقدون
ومن الآليات التعدد السياسي الذي يوفر أكثر من خيار واحد لقطاع المجتمع المختلفة، وينقل تعدد المصالح الاجتماعية وتعارضها إلى نطاق السياسة والمعالجات السياسية.
ومن الآليات كذلك استقلال الإعلام وعدم تبعيته للسلطة التنفيذية كي يكون قادراً على أن يوفر للمجتمع فكرة أصح عن مشكلاته وأزماته ومنازعاته، ويكون مساحة للنقد وفضح الفساد والتعديات على المصالح العامة. إتاحة المعلومات للمجتمع والفحص الحر للأفكار والعقائد السائدة هو من الآليات التي تتيح للمجتمعات العاقلة الحديثة أن تحد من أسوأ الانحرافات. لذلك حرية التعبير والفكر والرأي والاعتقاد أساسية في مجتمعات تستطيع إصلاح أمرها.
وليس من آليات الإصلاح الذاتية تاريخ أو أخلاق شخص أو اشخاص القائمين على السلطة العليا. فليس بين الناس من هم ممتنعون على الفساد، وما يحول دون فساد كل واحد منا هو وجوده في مجتمع تعددي منفتح ينتقد الشطط والتجاوز، ويضمن سلامة من ينتقدون.
كما ليس من آليات الإصلاح كذلك العقيدة الدينية أو غير الدينية للحاكمين. قد تضمن العقائد صلاح الأفراد في النطاقات الفردية، لكن لا يعرف مثال واحد في التاريخ البشري كله لأن ضمنت صلاح المجتمعات والدول. وجد حكام صالحون في تاريخنا وتواريخ غيرنا، لكن صلاح الأفراد المحتمل لا يكفل صلاح الدول بعدهم. المسألة اليوم ليست وجود أو عدم وجود أناس صالحين، بل وجود أو عدم وجود آليات إصلاح تضمن هؤلاء الصالحين المحتملين، وتوسع نطاقات الصلاح في المجتمع. إن أوضاعاً أقل صلاحاً، لكنها تتيح التعدد والحرية واستقلال السلطات، هي أصلح على مدى أطول من أحوال بدئية صالحة، لكن مرهونة بصلاح فرد أو بضعة أفراد. بعد الثورات أو حرب التحرر الوطني، حدث أن سيطر على السلطة في بلدان متعددة أناس لهم تاريخ وتجربة وعزم، لكنهم بعد عشرين عاماً كانوا أناساً فاسدين، أو قتلة متوحشين، أو في أقل الحالات سوءاً، تعفنت أنظمة حكمهم واختنقت مجتمعاتهم بالأبد.
فالفكرة وراء آليات الإصلاح الذاتية هي أن الصالح هو فقط ما يقبل الإصلاح المستمر. افتراض الكمال من مدخل ديني أو غيره هو مدخل للفساد المميت أكثر من غيره لأنه، بدوره، خروج على المقياس الإنساني.
وهذه القضايا كلها راهنة في سوريا اليوم. تاريخ البلد المتفجر دورياً يزكي تغييراً أساسيا في النمط لتجنب الانفجار القادم. بخاصة ونحن خارجون لتونا من انفجار مديد مهول. مبرر الثورة لدينا ولدى غيرنا هو نقل أوضاع البلد المعني إلى حيث تقبل الإصلاح فلا تلزم ثورة من أجل كل تغيير جديد.
الآليات المذكورة فوق تطورت في أوروبا قبل غيرها، لكنها اليوم مشاع عالمي. ليس الانتفاع بها استيراداً لنماذج جاهزة مثلما يبدو أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يعتقد. فعدا أنه يبطن كلامه عقيدة في الخصوصية كان قد تذرع بها الحكم الأسدي ضد أفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان منذ تسعينيات القرن العشرين، فإنه بعد ثورة هائلة ضد حكم عنيف وأبدي وفاسد، ليس هناك نموذج للخلاص من «الملك الطبيعي» المحدث غير ما يحيل إلى آليات الإصلاح تلك.
على أنه ينبغي القول إنها بالفعل ليست نماذج جاهزة، وأن استدخالها في المؤسسات والأنفس والقوانين عملية طويلة. المسألة هي أن يكون لدينا نموذج نعمل وفقاً له، والمسألة ليس أن تدخل السلطة آليات الإصلاح أو تفرضها بوقتها، بل ألا تعوق محاولات الناس الإصلاحية، وأن تحمي فرص نقاش عام مثمر. وليس هناك نموذج للصلاح غير ما حاولت هذه السطور توضيحه. نقيض هذا النموذج هو حكم التغلب، وهذا حكم يبرر نفسه بالأصالة والخصوصية، لكن منتهاه هو الدمار كما نعرف نحن أكثر من الجميع.
وإذا شئنا تلخيص كل ما تقدم بعبارات حسابية، ربما نقول إن الفوز بنسبة 51% من أصوات الناخبين أعلى بكثير من الفوز بنسبة 99%، وإن 10 سنوات في الحكم يعقبها فريق حكم جديد أطول، وأبقى في الذاكرات، من 30 أو 54 سنة، نعلم أننا خبرنا خلالها موجتي صراع عنيفتين، كلفت الأولى عشرات ألوف الضحايا والثانية مئات الألوف. وهذا للقول، ختاماً، إنه إذا كان السيد أحمد الشرع وفريقه لا يزالون في الحكم بعد عشرة أعوام من اليوم، فلا بد أننا لم نعرف حكماً دستورياً وانتخابات حرة، ولا يبعد أنه قد سقط بضع عشرات الألوف من السوريين من أجل ذلك البقاء الطويل في الحكم.
كاتب سوري