تونس 1986 تقرّر ريم بعد خمسة عشر عاما قضّتها في باريس، أن تعود هي وابنتها إلى قريتها، غداة أن بلغها نبأ وفاة أمّها. غير أنّ أهاليها لم ينسوا قطّ، أنّها هربـت، وهي دون الثـّامنة عشرة من عمرها، مع معاون فرنسيّ. ولم يغفروا لها زواجها من مسيحيّ. وفي سياق هذه العودة المباغتة، حيث يلوي ماض على حاضر؛ ترتسم صورة للمنفى، وهجرة المرأة المسلمة، بل لتونس كلّها أمس واليوم وربّما غدا. و»المتورنة» لفظ كان يطلق إبان الاستعمار، على التونسيّين الذين تجنّسوا بالجنسيّة الفرنسيّة. وقد احتفظت بالعبارة التونسيّة «المتورنة»، بدل «المرتدّة»؛ خاصّة أنّ هؤلاء تجنّسوا دون أن يرتدّوا عن دينهم.
La retournéeالنصّ من رواية «المتورنة» لفوزية الزواري.
يلوح الوادي في المنعرج الأخير، غارقا في الضوء، مختلجا في رقص الرّيح. وأبعد تظهر صومعة سيدي الميزوني وقبّته، في سماء لازورديّة. شبحان أليفان طالما تأرجحت ذاكرتي بينهما، مثل البهلوان على حبله. أطبق عينيّ من دون إرادة، فيما أصابعي وقد أضحت غريبة عن جسدي، تنزلق على جفوني. أنا على عتبة طفولتي مثلما نكون في آخر الحياة.. أتهيّأ للعبور من الناحية الأخرى. السماء منديل شفيف ملقى على الجبال والهضاب حواليها. لا غيم في الأفق. عشرة كيلومترات لا تزال تفصلني عن قريتي. هنا في المكان المسمّى (صفائح العار) يتواعد الجنّ لتقرير جولاتهم الليليّة و(الاتفاق) على الأرواح التي ينبغي سحرها. يؤكّد الرعاة أنّ هالة أشباح ناريّة مركوزة فوق هضبة «للا شاردة» كانت في بعض الليالي، تبهرهم، وكانت تأوّهات هي نوبات الظلام، ترعبهم. كنت، في ما مضى، عندما أعود من المدينة المجاورة حيث كنت نزيلة (في المبيت الجامعي)، أستطيع أن أعرف، من هذه المسافة نفسها، وقت صلاة المغرب. كان يكفيني أن أرصد الوقت المحدّد، حيث كانت أضواء الصّومعة تشقّ الشّفق، لتشعّ في السّهل. كان يخطر لي، عبر لمعانها، أنّي أرى غمزات عين الله المتقطّعة ووجهه المغري يلوّحان لنا بأن نقطع صومنا. عندئذ كنت أبتلع التّمرات القليلة الملفوفة بعناية في منديل في أسفل محفظتي، وأبقي على جوعي حتّى الوصول.
لم أعد، منذ أن غادرت وطني إلى فرنسا، أصوم، ونسيت غالبا أنّ هناك شهرا يسمّى رمضان. كانت أضواء الصومعة قد انطفأت، ولم يعد يصلني قطّ عصف ريح الغرب. حتّى هذا العهد القريب، حيث كان لي عود مباغت إلى الطفولة، مثل الحليب وهو يصّاعد إلى شفتي رضيع. منذ ذلك الوقت ولياليّ تتقدّم أيّامي إذ أنحشر فيها بسرعة. أمشي بين الآخرين، ولحظي من طرف خفيّ، مركّز في ما لا يرونه. في باريس، يحدث غالبا أن أبتسم لأشخاص لا أعرفهم. أباغت أصدقائي بتوقّفي (عن الكلام) من دون سبب، أثناء نقاش ما. أعود إلى بيتي، وأخطّط رسوما وصورا. يخطر لي أمام حامل اللوح، أنّني أجلس وجها لوجه أمام وجودي، كما في السّينما، وأقشع الضّباب عن مراياي، متسائلة عن الأسباب التي جعلتني ذات يوم، أغادر تونس. ومع أنّي لست رسّامة، لكن عوضا عن معالجة المنفى، لم أجرؤ قطّ على أن أطرق باب طبيب نفسانيّ؛ بل صمّمت على أن أتحدّث إلى نفسي، من دون شهود.
منذ ذلك الحين، ونحن نسير، لأربع ساعات تقريبا. تقع قريتي وسط المزارع، غير بعيدة عن الجزائر. ويحدث أن يتنادى الفلاّحون من الحدود، باللهجة والأغاني نفسها، مأخوذين بالآمال ذاتها. الأرض هنا جدّ خصبة، والقمح بحجم ممتاز، حتّى أنّ أبّة كانت تسمّى قديما «مطمور روما». وفي قريتي أيضا، تدور أغرب قصص الحبّ. وصحيح أنّنا نحبّ بطريقتنا. النّساء خاصّة وهنّ اللآتي اشتهرن بجمالهنّ وطيشهنّ وشراستهنّ، رغم سلامة الطّويّة. ويزعمون أنّ أرواحهنّ خيطت على سرّاتهنّ مباشرة، وأنّ أحواضهنّ ذات الشّهوات التي لا تروى، مستودع الشّيطان. يؤكّد الرّجال أنّ «ألف ساحرة في المنزل، خير من أبّية [نسبة إلى أبّة] في الأرباض». وفي ما مضى، كانت النّساء عندما يأخذهنّ الوجد، ويهمن من الرّغبة، يلذن مع عشّاقهنّ، بأضرحة الأولياء. هذا على الأقلّ ما يروى، رغم أن لا أحد يعرف أن يفسّر لماذا.
أتذكّر أيضا من هذه المسافة عشرة كيلومترات عن القرية، أنّ سائقي سيّارات الأجرة الكبيرة، كان من عادتهم أن يضغطوا على المعجّل، مستسلمين للغبطة التي تأخذهم على هذه الطّريق، مع أنّها معروفة بخطرها. ويجعلهم بلوغهم وجهتهم (وقد تنفّسوا الصّعداء)، يتلون حتما عبارة الانفراج «الحمد لله». العبارة نفسها التي سمعتها هذا الصّباح، يهمس بها صوت أنثويّ، بعد الهبوط في مطار تونس قرطاج، مباشرة. كانت تتوجّه إلينا أنا وابنتي المسافرتين الوحيدتين على ظهر الطّائرة. خمّنت في أنّ المسلمين احتفظوا، سواء في السماوات، أو في الأرض، بردّ الفعل الأوّلي في حمد العليّ (القدير). هم يظلّون على وعي باللامتوقّع والخطر، وقد أولوا الإنسان نصف الثّقة التي يضعونها في الله.
لم يكفّ سائق السيّارة التي ركبناها في تونس، عن رسم ابتسامة ملغزة. وما استطعت أن أتبيّن نظرته المخفيّة تحت نظّارته الرّايبان المزيّفة. هو يفتح طوال السّاعات الأربع، نافذته، فيما ريح هذا اليوم الباردة تسوط وجوهنا. أغطّي بشالي رأس ابنتي الجالسة على ركبتيّ. يبصق السّائق من قفا الزّجاج، ثمّ يتنفــّس ملء رئتيه. قلت في نفسي: «ربّما هي رائحة الخطيئة». نحن ستّ مسافرات، ثلاث منّا محجّبات. حريم متنقّل، أمامه، يشغل هذا الذكر المنفرد مركزه بكفاءة. لا هو بالمتغطرس كثيرا ولا هو بالمخيف. هو قاس شيئا ما، على ما يلوح من هيئته. يد موضوعة على حرف النافذة، فيما الأخرى تمسك بالمقود في لامبالاة الحرفي، وهذا المظهر السّاخط مظهر النفعيّين الذين يهوون شعار [الحياة] المحلّي: «ينبغي أن نكون مثل جلد العجائز، لا يفعل فيه القرص». ستّ نساء ورجل واحد. قديما، ربّما لم يكن سوى امرأة واحدة لستّ رجال. أقدّر عكسيّا التغيّر الذي قلب بلادي رأسا على عقب طوال هذه الأعوام الخمسة عشر التي قضّيتها في عالم آخر. يسترخي السّائق قبل ساعة من وصولنا ويقول: «ألا تتذكّرينني؟ أنا سويسيلا حفيد مسعودة، تعرفين، تلك التي كانت تشتغل عند أمّك.» وأجيب أنّه لشرف لي أن أتعرّف إليه ثانية. وينتهز هو الفرصة ليتوجّه إلى ليلا، وقد استيقظت للتوّ، ببعض عبارات الإطراء. ثمّ سامحا لنفسه بقطع صمتي، كلّما تقدّمنا نحو القرية، فيدعو نفسه «أخانا الأكبر»، ويقسم أن يجعل رحلتنا «لذيذة كالعسل». ويدعوني، رغم تحفّظي، أن أجلس وابنتي في مقدّمة (السيّارة). ويتوقــّف في كلّ البلدات التي نقطعها، ليهدينا حبوب عبّاد الشمس والحلوى والكوكاكولا. ويزمّر كلّما مررنا قرب فلاّح أو راعية، ويفرمل في خطورة، ليري ليلا جملا يطوف كما في الأزمنة القديمة، ويشرع يحكي لها حكاية أم سيسي، التي «تكنس وتكنس وتكنس»، وهو مرتاب بعض الشيء في قدرتها على الفهم، معبّرا عن الحركة بيديه، منفــّضا الهواء بحزم. المسافرات الأربع الأخريات لا يجرؤن على قول شيء. قبل «عجون» يركن سويسيلا السيّارة في الجانب السّفلي من الطّريق الرّئيسي، وينزل، ويأخذ ابنتي بين ذراعيه، وينطلق وسط الحقول. لا أجد وقتا للمعارضة. ويعود هو بعد عشر دقائق، بباقة من البنفسج ودجاجة وأربع بيضات من بيض المزرعة. ولا أحد يخطر بباله أن يشتكي من التأخّر.
نقترب، أجاهد في أن لا أشغل بالي بما ينتظرني. الطريق تمرّ عبر حقول من الشّعير والقمح توشّيها [رقاع] صفر وحمر، حيث يستدير نرجس أسليّ وخشخاش أعمى. لا بدّ من أنّها كانت قد أمطرت هذه الأيّام الأخيرة، حتّى ترتدي الأرض هذا الفستان الجميل جدّا. قطعان من البقر تسرح في الأراضي البور. صبايا بشعورهنّ غير المرجّلة، وتنانيرهنّ الملتمعة، يرددن بضع عشرات من الأغنام على أعقابها، كلّما سلكت وجهة خاطئة تضعها على طريق السيّارة. ويحاولن غير متيقّنات تفريقها، ويتوقّفن وسط الطريق، وعصيهنّ وراء ظهورهنّ، وينتصبن هنا للحظة غير واعيات بالخطر.
تشير ساعتي إلى الرابعة عشرة وخمسين دقيقة، ولكن كلّ شيء يلوح خارج الزّمن. ارتبك إيماني بالتقدّم والدقّة، منذ أن وجدتني على طرق قريتي، وضاعت أماراتي الغربيّة في نوع من الفوضى الهادئة، ذات الحدود الزّمنيّة الملتبسة؛ إلاّ إذا ألقت بها بعيدا، من الآن فصاعدا، إرادة عليا، في سجلّ التّوافه. الشمس تنتصر. أسراب من الطيور تسبح في ضوئها، وتنسج ضفائر في أشعّتها. البشر والحيوانات يبدون كما لو أنّهم جمّدوا في الفضاء. الكلّ يغفو في نوع من سكينة مغيظة، من بقاء لا يصيبه التّلف. ما الذي جاء بي إلى هنا؟ سألت نفسي مرارا، فيما أنا أعرف الجواب. أيّ من يدي القدر تدفع بـي ثانية في قلب هذه البلاد التي ذهب في ظنّي أنّني تركتها إلى الأبد؟
كاتب تونسي