بيروت ـ النبطية ـ «القدس العربي» ووكالات: صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي، في ليلة حامية وصعبة على الأهالي في منطقة النبطية والبلدات المحيطة قصفاً وتفجيراً وغارات استشهد إثرها شخص وأصيب آخر، أمس الأربعاء. فقد شن جيش الاحتلال غارة على محافظة النبطية، ضمن سلسلة غارات وقصف مدفعي وعمليات تفجير استهدفت جنوبي لبنان أسفرت أيضاً عن أضرار مادية واسعة.
ووفق وكالة الأنباء اللبنانية، «سقط شهيد وأصيب آخر بجروح جراء غارة نفّذتها مسيّرة معادية صباحاً استهدفت حي الرويس في مدينة النبطية» في خبر نقلته وكالة الأناضول. وفي النبطية الفوقا، شنت مسيّرة إسرائيلية غارة على حي الدير، فيما استهدفت مسيّرة أخرى، فجر الأربعاء، بصاروخ موجّه منزل المسؤول في كشافة «الرسالة» حيدر حوماني، دون تسجيل إصابات. كما أفادت الوكالة بأن المقاتلات الإسرائيلية شنت بعد منتصف الليل سلسلة غارات استهدفت منازل في بلدة النبطية الفوقا، ما أدى إلى تدميرها.
وفي بلدة عربصاليم، استهدفت غارة إسرائيلية فجر الأربعاء غرفة الوقف التابعة لمقبرة البلدة، ما أدى إلى تدميرها وإلحاق أضرار كبيرة بأضرحة المقبرة وتحطم عدد من شواهد القبور، فضلاً عن تحطم زجاج عشرات المنازل المحيطة بمكان الغارة.
وأشارت الوكالة إلى أن القصف الإسرائيلي طال كذلك مناطق عدة في محافظة النبطية، إذ قصفت المدفعية الإسرائيلية طوال الليل مرتفع علي الطاهر ومحيط تلة الدبشة عند الأطراف الشمالية للنبطية الفوقا، إضافة إلى دوحة كفررمان وأطراف ميفدون وزوطر الشرقية.
قذائف فوسفورية
وأضافت أن القصف المدفعي تخلله استخدام قذائف فوسفورية، فيما تعرضت أطراف بلدة زوطر الشرقية صباحاً لعملية تمشيط بالرشاشات الثقيلة. كما نفذت القوات الإسرائيلية تفجيرات في مشاع بلدة المنصوري في اتجاه بلدة مجدل زون في قضاء صور، وفي بلدة حولا، بينما ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة على أطراف بلدة ياطر، دون تسجيل إصابات. وأفادت الوكالة بتنفيذ الجيش الإسرائيلي «تفجيراً كبيراً في بلدة كفرتبنيت، أحدث دوياً هائلاً تردد صداه في أرجاء منطقة النبطية».
بعثة إيطالية تنقل رواية الحرب إلى بروكسل
في غضون ذلك، حلّقت مسيّرة إسرائيلية فوق منطقة جزين في مسار دائري وعلى ارتفاع متوسط، بالتزامن مع تحليق مسيّرة محمّلة بمواد متفجرة في أجواء بلدة المنصوري في قضاء صور. كما حلق الطيران الحربي الإسرائيلي على علو منخفض فوق منطقتي راشيا والبقاع الغربي شرقي لبنان. من جانبه، ادعى الجيش الإسرائيلي أنه استهدف «بنى تحتية» تابعة لـ«حزب الله» في منطقة النبطية، رداً على إطلاق مسيّرتين مفخختين في اتجاه قواته في جنوب لبنان.
ادعاءات إسرائيل
وأضاف في بيان أن «حزب الله» أطلق خلال ساعات الليل مسيّرتين مفخختين في اتجاه قواته في منطقة مرتفعات علي الطاهر، مشيراً إلى أن جنوده أطلقوا النار على إحداهما وتمكنوا من اعتراضها، دون وقوع إصابات في صفوفهم. وادعى الجيش الإسرائيلي أن الاستهداف جاء «رداً على هذا العمل»، وقال إنه طال «بنى تحتية تابعة لحزب الله في منطقة النبطية» ليتبين لاحقاً أن الأهداف التي حددها جيش الاحتلال كانت وهمية.
ويتواصل التصعيد الإسرائيلي في لبنان منذ 2 مارس/آذار، وفق السلطات اللبنانية، التي تقول إن الهجمات أسفرت عن مقتل أكثر من 4 آلاف شخص وإصابة ما يزيد على 12 ألفاً آخرين، فضلاً عن نزوح أكثر من مليون شخص.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب التي اندلعت بين عامي 2023 و2024، بينما وسعت نطاق احتلالها داخل الأراضي اللبنانية خلال التصعيد الراهن.
المطارنة لوقف الاعتداءات
وكرر المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ومُشارَكة الرؤساء العامين والرئيسات العامات للرهبانيات المارونية شجبهم للعمليات العسكرية الإسرائيلية التي تتعرّض لها قرى وبلدات ومدن في الجنوب، مطالبين القوى الدولية القادرة بوضعِ حدٍّ نهائي لذلك، والأطراف المعنيين جميعًا بالالتزام بموجبات الاتفاق الإطار. وقال بيان صادر عن المجلس عقب اجتماعه الشهري في المقر البطريركي الصيفي في الديمان: «إن أعضاء المجلس يُراقِبون بداية الانسحاب التدريجي لقوات الأُمم المتحدة العاملة في الجنوب، الذي ينتهي في كانون الأوّل المقبل. ويدعون إلى توافقٍ على قواتٍ دولية أو مُتعدِّدة الجنسيات بديلة منها، تتحلّى بصيغةِ عملٍ حازمة تسمح بإنجاح استرداد لبنان أراضيه حتى الحدود الدولية عبر قواه العسكرية الشرعية».
ورحَّب المجلس بإلغاء عقوبة الإعدام، على أن يقترن ذلك بتشدُّدٍ في فرض هيبة القوانين التي تُرسِّخ الأمن والاستقرار في البلاد وتحول دون اضطرار المعنيين إلى اللجوء إلى تسوياتٍ كالتي حصلت في قانون العفو العام. وأكد على مبدأ الحرية الأساسي في قيام لبنان وترقّيه، أملاً بإعادة النظر في ما يُهدِّده في قانون الإعلام الجديد، احترامًا للرأي وصيانةً لحقوق قائليه.
وحيَّا المولجين بمسؤوليات الأمن الداخلي وضبط حركة السير على الطرق العامة، مع تضاعف حوادث المرور وتزايد أعداد القتلى والجرحى. ويرَون أن الإجراءات المُتَّخذة في هذا الصدد يجب أن تقترن بحضورٍ أمني ميداني ومراقبة صارمة لتؤتي ثمارها.
«عيون في لبنان»
وفي السياق، تأتي بعثة «عيون في لبنان» في محاولة لتحويل المشاهدات الميدانية والشهادات التي تجمعها في المناطق المتضررة من الحرب في لبنان إلى مادة سياسية تصل إلى المؤسسات الأوروبية. فالبعثة التي بدأت زيارتها في الأول من أيلول/سبتمبر الجاري وتستمر حتى الرابع منه، تقودها عضو البرلمان الأوروبي عن تحالف الخضر واليسار الإيطالي بينيديتّا سكوديري، بمشاركة لويزا مورغانتيني، المتحدثة باسم جمعية «AssopacePalestina»، فيما يتابع نائب رئيس كتلة التحالف في مجلس النواب الإيطالي ماركو غريمالدي أعمالها من إيطاليا بعدما حالت ظروف صحية دون مشاركته في الرحلة.
وتحمل تسمية البعثة «Occhi in Libano» – أي «عيون في لبنان» – دلالة أساسية على طبيعة المهمة. فالوفد يقول إنه يريد أن يكون «العيون والصوت» لما لا يظهر دائماً في التغطية الإعلامية الدولية، وأن ينقل بصورة مباشرة ما يراه ويسمعه من المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والمجتمع المدني. وهي صيغة سبق أن اعتمدتها المجموعة نفسها في مهمة «Occhi in Palestina»، التي شملت الضفة الغربية ووصلت في مناسبتين إلى مشارف قطاع غزة عند رفح.
المطارنة الموارنة: يجب وقف الانتهاكات وقوة دولية حازمة بعد «اليونيفيل»
وتتحرَّك البعثة بين بيروت ومناطق لبنانية متضررة من العمليات العسكرية، في محاولة لمعاينة آثار الحرب التي تتخطى مستوى الدمار المادي إلى حياة السكان اليومية؛ يستمعون إلى المدنيين الذين يعيشون تحت وطأة القصف والنزوح وفقدان المنازل.
الزيارة أقرب إلى مهمة تقصّي حقائق سياسية – إنسانية منها إلى جولة ميدانية تقليدية. فالبعثة تجمع الانطباعات، وتعود إلى أوروبا بشهادات ميدانية، تحوِّلها إلى إحاطة سياسية أمام البرلمان الأوروبي والمؤسسات المعنية بالسياسة الخارجية للاتحاد. وهذا البعد هو الذي يعطي للزيارة أهميتها السياسية، إذ إن المعاينة الميدانية تساعد في محاولة التأثير في كيفية مقاربة أوروبا للحرب في لبنان.
توسيع دائرة الشهادات
ويشمل برنامج البعثة لقاءات مع منظمات المجتمع المدني اللبنانية، وهيئات الإغاثة والمنظمات الإنسانية، إلى جانب جهات طبية وحقوقية وناشطين في مجال السلام. ويُتيح هذا المسار لأعضاء البعثة الاستماع إلى أكثر من رواية عن تداعيات الحرب: رواية السكان المتضررين، ورواية العاملين مع النازحين، ورواية الأطباء والمسعفين، إضافة إلى رواية الجهات التي تعمل على توثيق الانتهاكات التي تطال المدنيين. وتكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة بالنسبة إلى البعثة، لأنها تسمح بربط الأرقام والصور التي تصل إلى أوروبا بالشهادات الشخصية لمن يعيشون الحرب يومياً.
ولا تقتصر المهمة على الوضع اللبناني الداخلي. فالملف الفلسطيني يحتل موقعاً واضحاً في جدول اللقاءات، في ضوء وجود أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتفاقم أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وفي هذا الإطار، التقت سكوديري ومورغانتيني في سفارة دولة فلسطين في بيروت ممثل الرئيس الفلسطيني وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ياسر عباس، والسفير الفلسطيني في لبنان، إضافة إلى شخصيات فلسطينية أخرى.
وتركز النقاش على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والتطورات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فضلاً عن المسار الانتخابي الفلسطيني وإمكان الاستفادة من الخبرة الأوروبية في مراقبة الانتخابات.
وأعطى اللقاء أيضاً بعداً سياسياً للزيارة، بعدما شدَّد الجانب الفلسطيني على ضرورة تعزيز الدور الأوروبي في مواجهة الاستيطان واعتداءات المستوطنين والسياسات الإسرائيلية، فيما أكدت سكوديري ومورغانتيني دعمهما للحقوق الوطنية الفلسطينية، وضرورة حماية المدنيين واحترام القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم
الرسالة الأبرز: المدنيون أولاً
لكن الرسالة الأكثر وضوحاً التي تحملها البعثة تتصل بحماية المدنيين. فسكوديري انتقدت ما تعتبره غياباً لتحرك دولي كافٍ، وركزت على ضرورة تأمين حماية للمدنيين وفتح مسارات تسمح بتقديم المساعدة لهم. وتضع تصريحاتها الحرب في لبنان ضمن رؤية أوسع للصراع في المنطقة، مع تحميل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد. المشاركون في البعثة سيعودون إلى أوروبا محمَّلين بشهادات ميدانية، ويريدون تحويلها إلى إحاطة سياسية أمام المؤسسات الأوروبية، بما يمكن أن يُشكِّل مدخلاً للمطالبة بسياسة أوروبية أكثر تشدداً تجاه استمرار العمليات العسكرية.
وتُشير مواقف البعثة إلى أن المطالبة بوقف إطلاق النار لا تنفصل عن مطالبة أوسع باحترام القانون الدولي الإنساني وحماية البنية المدنية. وفي هذا السياق، تنظر مورغانتيني إلى التحرك في لبنان باعتباره امتداداً للمسار الذي بدأته المجموعة في فلسطين، ومحاولة لربط ما يجري في غزة والضفة الغربية بما يحدث في لبنان، انطلاقاً من رفض استهداف المدنيين والبنى التحتية.
وتكمن أهمية «عيون في لبنان» في أن أعضاء الوفد لا ينتمون فقط إلى منظمات تضامن أو حقوق إنسان، بل بين أعضائها عضو في البرلمان الأوروبي يشكل قناةً مباشرة للشهادات إلى المؤسسة التشريعية الأوروبية. والرهان هو أن يكون لانتقال القصة من الميدان اللبناني إلى بروكسل تأثير في النقاش السياسي الأوروبي والموقف من الحرب، لا مجرد توثيق لما يجري، ولا سيما في ظل استمرار الانقسام الأوروبي حول كيفية التعامل مع إسرائيل والحرب في المنطقة، وتفاوت استعداد الدول الأوروبية للانتقال من المواقف السياسية إلى إجراءات دبلوماسية واقتصادية أكثر ضغطاً.