التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران يهز أسواق النفط ويضع الملاحة الخليجية أمام اختبار جديد 


الدوحة ـ “القدس العربي”: دخل التصعيد العسكري في المنطقة مرحلة جديدة مع تجدد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وامتداد الهجمات الإيرانية إلى مواقع مرتبطة بالقوات والمصالح الأمريكية في عدد من دول المنطقة، ما يعيد المخاوف من تحول المواجهة إلى أزمة إقليمية مفتوحة تتجاوز أبعادها العسكرية لتطال أسواق الطاقة والملاحة، والتجارة، والاستثمار، والسياحة.

وشنت إيران، هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف في دول خليجية، بعد موجة جديدة من الضربات الأمريكية على مواقع إيرانية، فيما أعلنت دول بينها البحرين والكويت اعتراض هجمات جوية. ويأتي التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي، ما يزيد حالة عدم اليقين بشأن مستقبل التهدئة وإمكانية عودة المواجهات إلى مستويات أوسع.

ويبرز قطاع الطاقة في مقدمة القطاعات الأكثر تعرضا لتداعيات التصعيد، خصوصًا مع استمرار المخاطر المحيطة بمضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم. وأدت التطورات الأخيرة إلى ارتفاع أسعار النفط مجددا، بعدما قفز خام برنت بأكثر من 4 دولارات للبرميل في تعاملات الثلاثاء الماضي، ليغلق عند نحو 94.65 دولار، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى أكثر من 90 دولارًا.

وواصلت الأسعار ارتفاعها وتقلباتها إذ لامس خام برنت خلال التداولات نحو 97 دولارًا للبرميل قبل أن يتراجع، في حين ظلت الأسواق تترقب مدى قدرة التصعيد على تعطيل إمدادات الطاقة وحركة الناقلات في الخليج.

هرمز في قلب الأزمة

وتكتسب المخاطر أهمية خاصة بسبب استمرار حالة الاضطراب في مضيق هرمز، الذي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال. ويعني استمرار التوتر في المضيق أن الأسواق لا تتعامل فقط مع احتمال فقدان إمدادات من دولة بعينها، وإنما مع خطر تعطل جزء من منظومة الإمداد العالمية.

وتعرضت ناقلتان تحملان شحنات من النفط السعودي لهجمات أثناء مرورهما في المضيق، في تطور يعزز المخاوف بشأن سلامة الملاحة التجارية ويدفع شركات النقل والتأمين إلى إعادة تقييم مخاطر الإبحار في المنطقة.

وبحسب الإحصائيات فقد مر نحو 17 مليون برميل من النفط عبر المضيق في أحد أيام الأسبوع الجاري، رغم استمرار الأزمة، ما يعكس أهمية الممر بالنسبة للأسواق العالمية، لكنه في الوقت ذاته يوضح حجم المخاطر التي تواجهها حركة التجارة إذا استمر التصعيد أو اتسعت دائرة الهجمات.

ولا تقتصر التداعيات على النفط الخام، إذ بدأت أسواق المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل، تشهد ضغوطا إضافية مع اضطرابات في الإمدادات وارتفاع تكاليف التكرير والشحن، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على أسعار الوقود والنقل في عدد كبير من الاقتصادات.

الغاز والطاقة 

ويمثل التصعيد أيضا مصدر قلق لصناعة الغاز الطبيعي المسال، خصوصا أن دول الخليج تعد من أبرز مصدري الغاز عالميًا. وأي اضطراب طويل الأمد في الملاحة لا يهدد صادرات النفط فقط، وإنما يمكن أن يرفع كلفة نقل الغاز ويؤثر على جداول الشحن والتأمين وإعادة توجيه الناقلات.

كما أن استمرار التوتر يدفع شركات الطاقة إلى إعطاء أولوية أكبر لحماية المنشآت وخطوط الإمداد وتنويع طرق التصدير. وفي هذا السياق، بدأت دول خليجية بالفعل في تسريع استثمارات مرتبطة بالموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البديلة التي تسمح بتجاوز مضيق هرمز، في محاولة لتقليل الاعتماد على الممر البحري الاستراتيجي.

ارتفاع كلفة النقل والتأمين

ومن المتوقع أن تكون شركات الشحن والنقل البحري من أكثر القطاعات تأثرا بالتطورات، إذ يؤدي ارتفاع المخاطر الأمنية إلى زيادة أقساط التأمين، ورفع تكاليف التشغيل، وإطالة بعض المسارات البحرية في حال اضطرت السفن إلى تجنب مناطق الخطر.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة باحتمال إغلاق المضيق بصورة كاملة، وإنما بقدرة شركات النقل على تشغيل سفنها بصورة منتظمة وآمنة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع حتى في حال استمرار مرور جزء من الشحنات.

كما أن اضطراب حركة السفن يمكن أن يمتد إلى سلاسل الإمداد، خصوصا بالنسبة للدول التي تعتمد على الواردات القادمة عبر الخليج، بما في ذلك المواد الغذائية، والسلع الصناعية، وقطع الغيار، والمعدات.

الطيران والسياحة 

ويمتد التأثير إلى قطاعي الطيران والسياحة، إذ تؤدي التوترات العسكرية إلى ارتفاع المخاطر المرتبطة بالمجال الجوي، وإعادة توجيه بعض الرحلات، وارتفاع تكاليف التأمين والوقود، فضلًا عن تراجع شهية المسافرين تجاه الوجهات التي يرون أنها تقع بالقرب من مناطق التوتر.

وتؤثر الأزمات الجيوسياسية عادةً على قرار السائح قبل أن تؤثر على أعداد الرحلات نفسها، فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر الإقليمية يمكن أن يدفع المسافرين والشركات إلى تأجيل الحجوزات أو إعادة توجيهها، خصوصا في فترات العطلات والمواسم السياحية.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه دول الخليج تراهن بقوة على السياحة والطيران والترانزيت كمحركات لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن النفط، ما يجعل استمرار التوتر عامل ضغط إضافيا على خطط النمو والاستثمار.

الأسواق المالية 

ولم تتوقف تداعيات التصعيد عند القطاعات المرتبطة مباشرة بالحرب، إذ انعكست المخاوف على الأسواق المالية العالمية. فقد تراجعت أسواق الأسهم مع ارتفاع حالة القلق، بينما صعدت عوائد السندات الأمريكية وتزايد الطلب على الدولار، في الوقت الذي تعرضت فيه أسواق عدة لضغوط نتيجة المخاوف من عودة التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة.

ويعني ارتفاع النفط أن الاقتصادات المستوردة للطاقة قد تواجه ضغوطا إضافية على معدلات التضخم، في حين يمكن أن تستفيد الدول المصدرة من ارتفاع الإيرادات النفطية إذا ظلت صادراتها مستقرة. لكن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة لدول الخليج إذا أدى استمرار التصعيد إلى تعطيل التجارة والاستثمار والسياحة ورفع تكاليف النقل والتأمين.

اختبار للمرونة الاقتصادية

ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد سيضع اقتصادات المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على امتصاص الصدمات، خصوصا أن آثار الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بأسعار النفط، وإنما تمتد إلى حركة التجارة والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والطيران، والسياحة.

وتشير التطورات خلال الأشهر الماضية إلى أن دول الخليج بدأت بالفعل في إعادة النظر في بعض البنى التحتية ومسارات التجارة، من خلال تطوير موانئ وخطوط أنابيب وممرات بديلة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. إلا أن هذه البدائل تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل قبل أن تتمكن من توفير بديل كامل للممر البحري.

وبينما تراهن الأسواق على إمكانية احتواء التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، فإن استمرار الضربات المتبادلة يرفع تكلفة المخاطر يوما بعد آخر. وكلما طال أمد المواجهة، انتقلت آثارها من كونها صدمة مؤقتة في أسعار النفط إلى ضغوط أكثر اتساعا على التضخم والنقل والتجارة والاستثمار والنمو الاقتصادي.

وبذلك، لم تعد المعركة تدور فقط حول الأهداف العسكرية، وإنما باتت تداعياتها تمتد إلى شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمتها الطاقة والملاحة، ما يجعل احتواء التصعيد وإعادة الاستقرار إلى منطقة الخليج عاملًا أساسيًا ليس فقط لأمن المنطقة، وإنما لاستقرار الاقتصاد العالمي أيضا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *