تسفي برئيل
تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران لا ينذر ببداية حرب جديدة؛ فالقصف “المحدود والدقيق”، حسب البيان الأمريكي، لمنصات إطلاق الصواريخ في جزيرة خرج وإطلاق المسيرات على قواعد أمريكية في الأردن والإمارات، جزء من “حوار الرسائل الذي يهدف إلى تحديد حدود ضبط النفس التي يلتزم بها الطرفان”. في غضون ذلك، يستمر تدفق النفط في مضيق هرمز في الممر الآمن الذي أقامته الولايات المتحدة. وحسب تقديرات مسؤولين عن الشحن، يمر فيه 12 – 15 مليون برميل كل يوم، مقارنة مع حوالي 20 مليون برميل قبل الحرب.
مع ذلك، تبقى القضية الرئيسية – السيطرة الرسمية على مضيق هرمز ومكانة إيران فيه – عالقة بانتظار حل سياسي. وقد يتحقق ذلك من خلال اتفاق تسعى سلطنة عمان وإيران بجهد للتوصل إليه، ولم يتم الاتفاق على تفاصيله حتى الآن. وحتى في ظل غياب اتفاق رسمي، سيستمر تدفق النفط، لكن الخطر الذي يهدد ناقلات النفط، وما يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار التامين، سيبقى مقلقاً للاقتصاد العالمي.
تتمثل الحملة الرئيسية التي يترأسها الرئيس ترامب حالياً في “عملية المقاطعة الاقتصادية” التي أعلن عنها، والتي بدأت بمواجهة مباشرة مع فرع “بنك مصر”، بملكية مصر، في الإمارات. والجمعة، قال وزير الخزينة الأمريكية سكوت بيسنت: “لقد حذرنا عناصر القوة في إيران من أنهم لن يصلوا إلى الدولار الأمريكي والنظام المالي العالمي. وقد قرر بنك مصر في الإمارات اكتشاف ذلك بالطريقة الصعبة، واليوم نتخذ الخطوة الأولى ضده بسبب دعمه المستمر للنظام الإيراني”.
بدأت الإمارات بالفعل التدقيق في حسابات فرع بنك مصر الذي يعمل فيها، في حين أعلنت إدارة البنك في مصر أنها ادعاءات لا أساس لها من الصحة، وأن مصر ومؤسساتها المالية تبذل كل جهدها لتنفيذ سياسة العقوبات. في كل الحالات، أمامهم الآن ثلاثون يوماً لإثبات البراءة وتقديم أدلة قد تبطل هذا القرار.
وحسب الشكوك التي أثارتها وزارة الخزينة الأمريكية، فقد أجرت فروع البنك في الإمارات في الأعوام 2024 – 2026 معاملات بمبلغ 1.8 مليار دولار تقريباً لصالح 103 شركات ربما تكون جزءاً من الشبكة الموازية المصرفية الإيرانية. وإذا لم ينجح البنك في إقناع الخزينة الأمريكية، فيتوقع فصل فروعه في الإمارات عن نظام مقاصة الدولار والنظام المصرفي العالمي. في الوقت نفسه، تم فرض عقوبات أيضاً على شركة مالية في هونغ كونغ للاشتباه بالعمل كشركة واجهة لشركة إيرانية وغسل الأموال لصالح الحرس الثوري. أيضاً فرضت عقوبات على مدير فرع بنك “ميلي” في الإمارات، البنك الأكبر في إيران، للاشتباه بإجراء معاملات بمليارات الدولارات لصالح الحرس الثوري.
إن العقوبات المفروضة على فروع بنك مصر، ليست عقوبة مالية عابرة، بل هي بمثابة واجهة تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى توضيح شكل حملتها الاقتصادية الجديدة ضد إيران. ويهدف اختيار بنك عربي كبير بالتحديد واستهدافه إلى إرسال رسالة شديدة للمؤسسات المالية والوسطاء ودول المنطقة. فكل من يعمل كقناة للمعاملات في طهران يخاطر بفقدان الوصول إلى نظام الدولار.
لكن حدود سلطة إدارة ترامب بدأت تتضح. فإذا كانت المعاملات والتحويلات وآليات الالتفاف قد تمت لسنوات من خلال الفروع والشركات الوهمية والمحطات المالية الوسيطة، فإن الصعوبة الرئيسية لا تكمن فقط في إعلان عقوبات جديدة، بل في مراقبتها وإثبات الانتهاكات في الوقت الحقيقي، ومنع نقل الأموال في مسارات بديلة.
ويحلق فوق الجميع الثمن السياسي. مثل هذه الخطوة قد تثني البنوك والمؤسسات التجارية، وربما تؤجج التوتر مع الحلفاء والشركاء الإقليميين، الذين يتعارض صراعهم مع إيران في الغالب مع مصالحهم الاقتصادية والسيادية والاستراتيجية الأوسع. ففي مصر مثلاً، بدأ ينظر إلى الخطوة الأمريكية، ليس فقط كإجراء عقابي مالي، بل كرسالة تهديد أرسلت قبل بضعة أيام من زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يتوقع أن يصل إلى القاهرة بعد الغد لتوسيع التعاون الاقتصادي والعسكري مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.
الناس في مصر يتساءلون عن بدء ترامب بهم في حملة العقوبات الاقتصادية ضد إيران، لكنهم يحذرون من اتخاذ خطوات مشابهة ضد الصين، التي تستورد معظم النفط الإيراني وتعتبر شريان الحياة الرئيسي للنظام. والتساؤل جدير أيضاً عن سبب تأخير الإدارة الأمريكية وعدم اكتراثها بوقف عمل البنك المصري في الإمارات في وقت سابق، خاصة لماذا تمكنت آلاف الشركات ورجال الأعمال الإيرانيين من إجراء معاملات بمليارات الدولارات في البلاد لسنوات. صحيح أنه تم فرض عقوبات فردية على كثير من الشركات والأفراد في الإمارات، لكن إيران تمتعت بشكل عام بحرية تصرف كبيرة وغير محدودة تقريباً، إلى ما قبل اسبوعين، عندما أعلنت أبو ظبي تجميد كل المعاملات الاقتصادية مع إيران.
على النقيض من الإمارات، تواصل باكستان، الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، ممارسة التجارة المقايضة مع إيران، التي رسخت في 2022 بحسب اتفاق بين الدولتين. في بداية آب، ناقشت وفود الدولتين توسيع التجارة بينهما، بعد التوقيع على اتفاق لفتح ستة معابر برية بين الدولتين، ما سيمكن باكستان من تصدير بضائعها عبر إيران إلى منطقة القوقاز. حتى الآن، لم يصدر أي بيان إدانة أو تحذير من البيت الأبيض، وربما يصدر قريباً، لأن مجلس الكونغرس سيعلن عن فرض المزيد من العقوبات كل أسبوع.
إضافة إلى دورها كوسيط بين طهران وواشنطن، تعتبر باكستان عضوة في التحالف الاستراتيجي الثلاثي الذي وقعت عليه معها السعودية وتركيا. أمس، عقد اللقاء الأول لأعضاء التحالف في إسطنبول، بحضور وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان للدول الثلاث. لم تعرف بعد تفاصيل بنود الاتفاق، وكيف سيكون شكل هذا التعاون.
في غضون ذلك، تم الاتفاق على تسمية التحالف “تحالف مكة للدفاع”، وإنشاء أمانة عامة مقرها الرياض، وأن يكون أول أمين عام هو ممثل باكستاني. وأكد وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، في مؤتمر صحافي، أن هذا التحالف غير موجه ضد أي دولة. وقال: “هذا تحالف استراتيجي وسياسي وعسكري”. بكلمات أخرى، هو هيئة تهدف إلى صياغة وتوجيه السياسة الإقليمية، وسيسعى إلى إلزام الولايات المتحدة بتبني مبادئه. علينا الانتظار كي نرى كيف سيتعامل هذا التحالف مع موضوع العقوبات الاقتصادية التي قد يضر تطبيقها بمصالح كل الشركاء.
المسافة بين شدة التهديد والقدرة على تنفيذه
لا يمكن لأي شخص يعمل على تقييم قدرة الولايات المتحدة على فرض سياسة العقوبات الجديدة أن يتجاهل سابقة “بنك هالك التركي”. أظهر البنك لسنوات قدرة مدهشة على الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران من خلال آليات مالية وتجارة الذهب في شبكات وساطة معقدة.
مع ذلك، رغم خطورة القضية التي انفجرت في 2017، وما أثارته من تداعيات قانونية وسياسية، لم تنته بعقوبة رادعة. فقد تم اتهام البنك، الذي هو في معظمه بملكية الحكومة، بانتهاكات بلغت قيمتها حوالي 20 مليار دولار. وحسب مصادر قانونية مطلعة، كان يتوقع أن يتلقى “عقوبة تاريخية” بمليارات الدولارات.
لكن الأمور اتخذت منحى آخر. فحسب شهادات قدمها وزراء في الحكومة التركية، تمكن الرئيس التركي اردوغان من إقناع ترامب بالتخلي عن القضية. وفي آذار الماضي، بعد حوالي عشرة أيام على بدء الحرب ضد إيران، تم التوقيع على اتفاق تسوية بين البنك ووزارة العدل الأمريكية. وحسب الاتفاق، لن يقر البنك بانتهاك القانون ولن تتم معاقبته، وسيخضع لتدقيق من الخارج مدة ثلاثة أشهر، يفحص فيه سلوكه في كل المسائل المتعلقة بخرق العقوبات وغسل الأموال. انتهى التحقيق في حزيران، وأقرت المحكمة الاتفاق بشكل نهائي.
الأسباب التي قدمتها وزارة العدل للمحكمة في طلب الموافقة على الاتفاق، تعتبر مثيرة للاهتمام؛ حيث تنص رسالة المدعي على أن الطلب يستند إلى “اعتبارات فريدة واستثنائية تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية”. وبالتحديد “مباحثات دبلوماسية رفيعة المستوى” بين الولايات المتحدة وحكومة تركيا “للتصدي لهجمات حماس الإرهابية في 7 تشرين الأول 2023، والحصول على إطلاق سراح كل الرهائن الذين كانوا محتجزين هناك”.
لم يقتصر الأمر على عدم معاقبة البنك، بل حافظت تركيا على علاقاتها التجارية مع إيران، واستمرت أيضاً في شراء الغاز منها حسب الاتفاق الذي وقع بينهما قبل 25 سنة، والذي انتهت صلاحيته في نهاية تموز الماضي. في الوقت نفسه، لم تعلن أنقرة، التي لم تتبنّ سياسة العقوبات الأمريكية ضد روسيا، عن نيتها تجميد علاقاتها الاقتصادية مع إيران.
هذا يعمق الفجوة بين قوة التهديد الذي توجهه الولايات المتحدة والقدرة على تنفيذه. صحيح أن العقوبات قد تثني البنوك وتزيد تكلفة المعاملات وتقلص قنوات التمويل، لكن يصعب تحويلها إلى نظام إنفاذ محكم. لا سيما عندما تعتبر هذه الدول شركاء استراتيجيين وتتضارب مصالحها السياسية والاقتصادية. وما دامت الولايات المتحدة لا ترغب، ولا تقدر، على فرض عقوبة متسقة ومتساوية على كل الأطراف المعنية، فستبقى العقوبات بمثابة أداة ضغط جزئي في المقام الأول، ما سيعطي إيران مجالاً للمناورة لإيجاد قنوات بديلة.
هآرتس 1/9/2026