عبد الكريم الكابلي: صوت السودان وقصيدته


تبدو الموسيقى في السودان كنسيج متشابك يجمع بين الهوية الافريقية والهوية العربية، ويعد السلم الخماسي سمة تلك الموسيقى وعلامتها المميزة البارزة. على ضفاف النيل تنساب الموسيقى السودانية كامتداد طبيعي للحياة نفسها، فلا تنفصل عن الأرض ولا تخالف إيقاع الحياة، تنبثق من تفاصيلها الصغيرة، ومن أفراح الناس وأحزانهم وشتى مشاعرهم. لذلك تحمل الأغنية السودانية في كثير من تجلياتها دفئاً خاصاً، يجعلها أقرب إلى حديث إنساني طويل، تتعانق فيه الكلمة مع النغم عناقاً صادقاً، وتتدفق محملة بملامح البيئة التي نشأت فيها، وطابع الشخصية السودانية الأقرب إلى الهدوء والتأمل والصفاء الوجداني. هذه السمات وأكثر نجدها عند الفنان الراحل عبد الكريم الكابلي، الذي يعد من أهم أعلام السودان الفنية ومن أكبر مثقفيها، أثرى ساحة الغناء السوداني بمجموعة رفيعة من الأعمال الخالدة، حيث كان مطرباً وملحناً وشاعراً، وكذلك كان يعزف على العود وعلى بعض الآلات الموسيقية الأخرى.

 مع جمال عبد الناصر
ولد عبد الكريم الكابلي في مدينة بورتسودان عام 1932، وتوفي عام 2021 في الولايات المتحدة الأمريكية. تلقى تعليمه في السودان، وعمل في المصلحة القضائية في الخرطوم، حتى وصل إلى درجة كبير مفتشي إدارة المحاكم. بدأ الغناء منذ أن كان في الثامنة عشرة من عمره، لكنه كان يمارسه في الدوائر القريبة المغلقة، وكان يرفض احتراف الغناء بسبب مركزه الوظيفي، والنظرة التي كانت سائدة عن الفن والفنانين في ذلك الزمن، فكان يهب ما يؤلفه من شعر وألحان لغيره من أصحاب الأصوات الجميلة. ورغم أنه كان يغني وسط بعض الأصدقاء والمثقفين، إلا أن بعض أعماله جذبت الانتباه نظراً لما تنطوي عليه من أهمية، وعندما قام الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، بزيارة إلى السودان عام 1960، وكان من المقرر أن يحضر حفلاً فنياً هناك، طلب المسؤولون السودانيون من عبد الكريم الكابلي أن يغني في ذلك الحفل، عملاً رائعاً كان قد لحنه سابقاً من قصائد الشاعر السوداني تاج السر الحسن، هذا العمل هو «أنشودة آسيا وافريقيا»، الذي استلهمه الشاعر من مؤتمر باندونغ الذي عقد عام 1955 في إندونيسيا، بمشاركة مجموعة من الدول الافريقية والآسيوية، كان من بينها مصر والسودان، بالإضافة إلى رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو، وجوزيف تيتو رئيس يوغوسلافيا، وكان هذا المؤتمر النواة الأولى لنشأة حركة عدم الانحياز.

في البداية رفض عبد الكريم الكابلي الغناء، تمسكاً برفضه ممارسة الفن علناً أمام الجماهير الواسعة، لكنه كان ناصري الهوى ومن أشد المغرمين بجمال عبد الناصر، ونبهه بعض المسؤولين إلى أهمية تلك الفرصة، التي ستكون خير بداية لمشواره الفني، فوافق في النهاية، وغنى أمام الحضور وجمال عبد الناصر في الحفل الذي أقيم على خشبة المسرح القومي في مدينة أم درمان. مثّل ذلك الحفل البداية الرسمية لاحتراف الغناء، وانطلق المشوار الفني وامتدت سنوات العطاء على مدى عقود طويلة، جاد فيها الكابلي بروحه الفنية حيثما تتجلى، سواء في الشعر أو الموسيقى أو الطرب.
تمتد أنشودة آسيا وافريقيا إلى 12 دقيقة تقريباً، وهي مفعمة بأجواء الستينيات بطبيعة الحال، وتبدأ بالمقطع القائل: «عندما أعزف يا قلبي الأناشيد القديمة.. ويطل الفجر في قلبي على أجنح غيمة.. سأغني آخر المقطع في الأرض الحميمة.. للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو.. لرفاقي في البلاد الآسيوية.. للملايو ولباندونغ الفتية.. لليالي الفرح الخضراء في الصين الجديدة.. والتي أعزف في قلبي لها ألف قصيدة». بعد ذلك يذكر عدداً من الدول العربية كمصر والمغرب والجزائر وسوريا، فيقول: «مصر يا أخت بلادي يا شقيقة.. يا رياضاً عذبة النبع وريقة.. يا حقيقة.. مصر يا أم جمال.. أم صابر.. ملء روحي أنت يا أخت بلادي.. سوف نجتث من الوادي الأعادي». ويقول: «ها هنا يختلط القوس الموشى.. ها هنا من كل دار كل ممشى.. نتلاقى كالرياح الآسيوية.. كأناشيد الجيوش المغربية». ويقول: «بجناحين من الشعر على روضة فن يا دمشق.. كلنا في الفجر والآمال شرق». ويقول: «وعلى وهران يمشي أصدقائي.. يا نجوماً سمقت مثل المنائر يا جزائر». كذلك يذكر إندونيسيا وسوكارنو، وروسيا وجومو وطاغور.

على خطى الشعر
يعد عبد الكريم الكابلي من أكثر المطربين ارتباطاً بالشعر، ولم تكن تلك العلاقة الوثيقة بالشعر تقتصر على أنه كان ينظمه، سواء باللغة العربية الفصحى أو باللهجة العامية السودانية. فالكابلي كان شاعراً، وفي الوقت نفسه كان متذوقاً رفيعاً لأشعار الآخرين، وكان يختار ويبحث عما يمكن أن يلحنه ويغنيه في قديم الشعر وجديده.
في هذا الحضور الشعري الكبير، تكون الكلمة جزءاً من جمال الموسيقى نفسها، وتقوم الموسيقى بكشف المزيد من معانيها، بل يمكن القول إن أسلوب عبد الكريم الكابلي في الغناء والتلحين، تأسس بشكل كبير على الجمع بين الثقافة الموسيقية والوعي الشعري. فالأغنية عنده ليست لحناً جميلاً وصوتاً رائعاً يؤدي كلمات معبرة وحسب، وإنما كان ينظر إليها باعتبارها بناء متكاملاً تتساند فيه الكلمة والنغم والأداء كوحدة لا يمكن تفكيكها. اتسعت رحلة عبد الكريم الكابلي وطال تجواله في الشعر الفصيح والعامي، لذا جاء إرثه الغنائي كباقة تمتلئ بورود الشعر وأزاهيره. وتنوعت مواضيع أغانيه وقصائده بين العاطفي والاجتماعي والوطني، والإنساني الذي يقارب المشترك الوجداني لدى جميع البشر في كل مكان من العالم. كان قادراً على أن يحمل القصائد الشعرية بصوته، وأن يعبر عن معانيها الكثيفة وموسيقاها الداخلية، كما كان يتعامل معها لحنياً بشجاعة المؤلف الموسيقي المبتكر، الذي يتبع إحساسه ورؤيته، ولا يخشى أن يسير في طريق آخر غير ذلك الطريق الذي يذهب إليه الجميع، كما فعل في تلحين قصيدة «أراك عصي الدمع» لأبي فراس الحمداني، تحديداً في المقطع القائل: «فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى.. قتيلك قالت أيهم فهم كثر». الذي لحنه بشكل مرح راقص يعبر عن روح المزاح في الحوار الشعري، يبرز فيه إيقاع سوداني حيوي مشوق.

من أكثر ما يميز غناء عبد الكريم الكابلي إلى جانب صوته الجميل، أنه غناء واثق غير متعجل في تعبيره، يمنح الجملة اللحنية وقتها، ويترك لصوته مساحة التأمل الكافية في الكلمة، لذا نجد أن حالة الطرب عنده تقوم على التدرج لا على المفاجأة، وعلى خلق الألفة مع السامع لا ممارسة الاستعراض الصوتي

تعد تجربة عبد الكريم الكابلي مع قصيدة «أراك عصي الدمع»، من أكثر التجارب شهرة وثراء وتفرداً في مجال غناء وتلحين القصيدة العربية الفصيحة، وتعرف بأنها النسخة السودانية من تلك القصيدة الشهيرة، لأن الكابلي منحها لحناً سودانياً خالصاً، وغناها بلسان سوداني أيضاً وإن كان فصيحاً. من المعروف أن عبد الكريم الكابلي قام بغناء هذه القصيدة بلحنه الخاص أمام أم كلثوم، صاحبة النسخة الأشهر من «أراك عصي الدمع» بلحن رياض السنباطي، كما غنى أمامها أغنية «حبيبة عمري». وكان ذلك عندما ذهبت أم كلثوم إلى السودان، في إطار حفلات المجهود الحربي بعد نكسة 1967. تمتد نسخة الكابلي من «أراك عصي الدمع» إلى ما يقرب من 20 دقيقة، وقد منحها مقدمة موسيقة جميلة بشكل لافت، لكنها لا تطول كثيراً فتستغرق ما يزيد قليلاً على ثلاث دقائق فقط.
ومن القصائد اللافتة التي وقع عليها اختيار عبد الكريم الكابلي ليلحنها ويغنيها، قصيدة «شذى زهر» لعباس محمود العقاد، الذي لم يذهب الملحنون إلى شعره كثيراً، وكم هو رائع أن نستمع إلى تلك القصيدة لحن سوداني وصوت طربي كبير كصوت الكابلي. تقول القصيدة في مطلعها: «شذى زهر ولا زهر.. فأين الظل والنهر.. ربيع رياضنا ولى.. أمن أعطافك النشر.. وهذا النور يبسم لي.. عن الدنيا ويفتر.. وأنظر لا أرى بدراً.. أأنت الليلة البدر»، ومن أجمل مقاطعها ذلك المقطع الذي يقول: «نعم أنت الرحيق لنا.. وأنت النور والعطر.. وأنت السحر مقتدراً.. وهل غير الهوى سحر.. خذوا الدنيا بأجمعها.. حبيب واحد ذخر.. إذا ضاءت مطالعه.. فكل سمائنا بدر».

من أكثر ما يميز غناء عبد الكريم الكابلي إلى جانب صوته الجميل، أنه غناء واثق غير متعجل في تعبيره، يمنح الجملة اللحنية وقتها، ويترك لصوته مساحة التأمل الكافية في الكلمة، لذا نجد أن حالة الطرب عنده تقوم على التدرج لا على المفاجأة، وعلى خلق الألفة مع السامع لا ممارسة الاستعراض الصوتي، لأنه يهدف إلى جعل هذا السامع شريكاً في الإحساس. ومن أجمل أغنياته باللهجة العامية السودانية أغنية «زمان الناس»، وهي من كلماته وألحانه، وتعد من الأغنيات الطويلة، حيث تمتد إلى ما يقرب من 15 دقيقة، وتتميز بلحنها التعبيري الرائع ومقدمتها الموسيقية الشيقة، تحظى هذه الأغنية بشهرة واسعة وسماع كبير، وتتناول الغربة والحنين للأصل وللأوقات الهانئة في كنف الوطن والأهل والأصدقاء. تقول الأغنية: «زمان الناس هداوة بال.. وأنت زمانك الترحال.. قسمتك يا رفيق الحال.. ومكتوب ليك تعيش رحال.. غريب والغربة أقسى نضال».
ومن أجمل قصائد عبد الكريم الكابلي التي نظمها باللغة العربية الفصحى قصيدة «فتاة الغد»، ويقول مطلعها: «أي صوت زار بالأمس خيالي.. طاف بالقلب وغنى للكمال.. وأذاع الطهر في دنيا الجمال.. وأشاع النور في سود الليالي.. إنه صوتي أنا.. زاده العلم سنا.. من يدانيني أنا.. ابنة النور أنا». تتحدث القصيدة عن فتاة الغد ودورها في المجتمع وبناء الوطن، فتاة تواجه الغد والمستقبل متسلحة بالعلم وجميع الفضائل، وتدعو بقية المجتمع لمشاركتها في مسيرتها الحافلة، فتقول: «فلنحقق كلنا.. ما نرجى من منى.. نحو سودان جديد».
غنى الكابلي للسودان مجموعة كبيرة من الأغاني الوطنية، من أهمها وأكبرها «أوبريت السودان» من كلمات الشريف زين العابدين الهندي، لحن الكابلي تلك القصيدة الطويلة المكتوبة باللهجة العامية السودانية، في عمل يمتد إلى ما يقرب من 50 دقيقة، ويأخذنا في رحلة طويلة بين المشاعر الوطنية وتاريخ السودان وحكايات أرضه، ويعد من الأعمال الملحمية الخالدة شعراً وموسيقى.
ومن أشهر أعماله الوطنية أيضاً، أغنية «قمر دورين» التي كتب كلماتها باللهجة العامية السودانية، تمتلئ الأغنية بمشاعر الحب تجاه الوطن، وتتأمل في مواطن الجمال التي تميز هذا الوطن. يقول الكابلي: «يا قمر دورين أنا شفتك وين.. طبعاً في الليل في ضفاير النيل.. في رمال سهرانة وراجياك تسيل.. في دموع الساقية يرنو ليها نخيل.. في وجوه فرحانة عامرة بالتهليل.. في عيون نعسانة غارقة في التكحيل.. وكل ديل في وطني.. بعزك يا وطني».

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *