ستظنون، على الأرجح، أن «أشو إلّا» لفظة سومرية عثر عليها عالم آثار مؤخراً في لوح طيني قرب أور، والحقيقة أنني كنت أريد تسمية هذا المقال «بلا عنوان»، تيمناً بألبوم كاظم الساهر الجديد، ثم اكتشفت أنني إذا وضعت له عنواناً اسمه «بلا عنوان» فسأدخل في مأزق فلسفي لا ضرورة له، فتركت الفلسفة لأهلها وعدت إلى بغداد، حيث تلتمع عبقرية اللهجة المحلية، عندما توجد دائماً عبارة صغيرة قادرة على اختصار مشكلة كبيرة.
لدي مشكلة قديمة مع ألبومات كاظم الساهر، وهي أنها لا تصلني كاملة في المرة الأولى، بل تبدأ علاقتي بها بإعجاب طبيعي لا ينذر بشيء، ثم تمر أسابيع وأحياناً أشهر قبل أن أكتشف أن أغنية كنت قد عبرتها بهدوء اشتعلت فجأة في رأسي، وأن جملة لحنية لم أتوقف عندها طويلاً بدأت تمشي في دمي، كأن موسيقاه تملك زمناً سرياً يختلف عن زمن الاستماع، وتحتاج إلى فترة حضانة قبل أن تكشف عن مفعولها الحقيقي. حدث الأمر نفسه مع «بلا عنوان»، فقد سمعته هذه المرة مثل خدر خفيف يسري في روحي، ولم أقلق كثيراً لأنني أعرف هذه الحالة وسوء نواياها، وأدرك من خبرتي الطويلة مع ألبومات الساهر، أن بعض الأغنيات التي أستمع إليها الآن بعقل هادئ ستذوب لاحقاً في دورتي الدموية.
ربما لهذا السبب يصعب بالعادة عليّ أن أفصل ألبوماً جديداً لكاظم عن الرجل نفسه، لأن قدرته على صناعة أغنية تعيش بعد لحظة صدورها تشبه، على نحو مثير، قدرته على إدارة حضوره خارج الأغنية؛ ففي الحالتين هناك اقتصاد غريب في الكشف عن الأثر، وكأن الرجل فهم منذ وقت مبكر أن الأشياء التي تمنح نفسها كاملة من المرة الأولى تنتهي أسرع، وأن الفن مثل النجومية، يحتاج أحياناً إلى شيء من المسافة كي يظل قابلاً للاكتشاف.
قبل أيام سألتني صديقة تحب كاظم بقلق عن أرقام المشاهدات، وعن الجمهور و»الفانز»، وكانت مذعورة من تلك المقارنة القاسية التي فرضها عصرنا بين قيمة الفنان والعداد الصغير المستقر تحت صورته. ضحكت ضحكة أظنها أعلى من عدد مشاهدات «ديسباسيتو» الإسبانية المنسية، لأن السؤال نفسه يضع الشهرة والنجومية في وحدة قياس واحدة، بينما لا تنتمي الاثنتان إلى الفيزياء نفسها؛ لأن الشهرة ظاهرة زمنية، أما النجومية فظاهرة في الذاكرة.
يمكن لفنان أن يمتلك مئة مليون مشاهدة ثم يختفي حين ينتقل انتباه الجمهور إلى وجه آخر، لأن «الفان» في الثقافة الرقمية ابن مزاج متحرك تصنع جزءاً منه الخوارزمية، بينما الجمهور الحقيقي يتكون بطريقة أبطأ وأشد تعقيداً، إذ لا يتعلق بصوت الفنان وحده وإنما بما عاشه الإنسان أثناء سماع ذلك الصوت. ولهذا، لا أستطيع أن أشرح لصديقتي كاظم بالأرقام، فأنا أعرف عائلة أحبته لثلاث أجيال بالقوة نفسها: صديقتي، وأمها، وابنتها. وهذه ليست قاعدة جماهيرية؛ هذه سلالة.
في العراق تصبح الحكاية أكثر تشابكاً، لأن الساهر لم يكن صوتاً ناجحاً خرج منا فحسب، بل كان في سنوات الحصار تحديداً، من رموزنا القليلة التي لم تكن تحتاج إلى أيديولوجيا كي نتفق عليها. فاستحال من دون إعلان رسمي إلى جزء من فكرتنا عن أنفسنا. ولهذا يتحول بعض الفنانين بعد زمن طويل من الغناء إلى شيء يشبه العقيدة الثقافية؛ لا لأن الناس يقدسون الأشخاص، بل لأن الذاكرة حين تتراكم حول صوت ما تمنحه سلطة لا تمنحها الشهرة. ولكن الأغرب أن الساهر فهم هذه السلطة ولم يفسدها، فاقتصد الرجل بنفسه وأبقى بينه وبين الجمهور تلك المسافة التي تحتاجها النجومية كي تتنفس، وهنا حدث التحول الأذكى في مسيرته: توقف عن أن يكون ابن الزمن وأصبح ابن التاريخ.
كنت أظن أن الساهر فهم هذه اللعبة، ووصل بالضرورة إلى تلك الحكمة الهادئة التي تجعل الفنان الكبير يتصالح مع مكانه ويكف عن المشاجرة مع الزمن. وقد بدا الرجل على هذا النحو في ظهوره الأخير؛ ثم بعد أن صدر الألبوم، سمعت أغنية «راحت عليك» فضحكت، لأن الحكيم فيما يبدو كان يمثل علينا قليلاً.
هناك شيء عراقي صغير ظل حياً تحت كل ذلك الوقار، شيء لا أجد له في الفصحى كلمة تؤدي معناه كاملاً، إذ تعودنا أن نقول حين يتحدانا أحد أو يفترض عجزنا عن شيء: «أشو إلّا». وهي لا تعني فقط «سأفعل»، بل تعني على نحو أكثر لذة: «سأفعل تحديداً لأنك ظننت أنني لن أفعل»، إنها عناد ممزوج بالكبرياء والمشاكسة، وقد وجدته كاملاً في هذه الأغنية.
في «راحت عليك» يدخل الساهر منطقة صوتية غريبة على الأذن التي اعتادت صورته الموسيقية، ويقترب من الميتال والروك ومن تلك الطبقات الخلفية والهتافات الجماعية التي صارت مألوفة أكثر في التجارب الموسيقية الحديثة، بل وفي الأغنيات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع الآلة اليوم أن تركب لك أوركسترا تشتعل في الخلفية، وأن تخلط أنواعاً موسيقية لم يكن جمعها بهذه السهولة ممكناً قبل سنوات.
وهنا غدت الأغنية أكثر إثارة من مجرد تجربة جديدة؛ لأن كاظم دخل متأخراً زمنياً إلى ملعب سبقته إليه الآلة، ثم حاول أن يهزمها بشيء لا تملكه. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يصنع كل شيء إلا أن تكون له جدة عراقية قالت له يوماً ما «مروتك». وهنا انتصر بأنسنة الموسيقى.
وسط كل هذه الحداثة الصوتية، يضع الساهر الذي كتب الأغنية بنفسه كلمة «مروتك»، وهي كلمة عراقية ثقيلة بخصوصيتها، ما زال كثير من العرب يسألون عن معناها رغم كل ما فعلته قنوات التواصل الاجتماعي باختلاط اللهجات. وهي ليست توسلاً بسيطاً، لأن العراقي حين يقول «مروتك» لا يطلب منك فقط، بل يستدعي مروءتك كلها شاهداً عليك. كلمة تحمل بيئتها وتاريخها وطريقة أهلها في الرجاء، وفجأة يصبح هذا الخليط الغريب مفهوماً: ميتال وروك وصوت معاصر، وفي المنتصف كلمة قادمة من بيت بغدادي قديم.
عندها عاد إليّ كاظم الأول، ذلك الشاب الذي وجد أمامه إرثاً عراقياً غنائياً ثقيلاً من أغنية «البنفسج» وما يشبه عالمها الكبير، ولم يحاول أن يهزمه، بل ذهب وغنى ببساطة «عبرت الشط على مودك». تخيلت هذه الحركة كطفل لاه مد ساقاً صغيرة أمام عملاق قديم، فسقط العملاق أرضاً، ثم كبر الطفل واكتشفنا أن ما حسبناه شقاوة كان تأسيساً لزمن موسيقي كامل.
لقد سمع الساهر ما يفعله الجيل الجديد، وما تفعله الآلة، وما تقترحه الموسيقى الحديثة، ثم ظهر من وراء الرجل الحكيم الذي رأيناه أخيراً وقال: «تسوون أغنية بيها روك وميتال؟ «أشو إلّا أعلمكم على الصدمات».
ولذلك، لا أظن أن «بلا عنوان» ألبوم يحاول فيه كاظم الساهر أن يبدو شاباً؛ فتلك محاولة حزينة لا تليق إلا بمن يخاف الزمن. ما سمعته كان أكثر ذكاء وأشد كبرياء: رجل لا يريد العودة إلى شبابه، لأنه اكتشف أنه يستطيع أن يستدعي شبابه إليه.
ولا أعرف حتى الآن أي أغنية من «بلا عنوان» ستستشري في داخلي بعد شهر، أعرف فقط أن ساهراً قضى أكثر من أربعة عقود في الموسيقى لا يزال بدلاً من أن يحرس تمثاله، يعبث بالأسلاك التي تحيطه.
وهذه من أندر درجات النجومية: أن تتحول إلى تاريخ، ثم ترفض أن تتصرف كتمثال.
أن يصبح اسمك أثقل من أن يحتاج إلى إثبات، ثم تنهض في اللحظة التي يظن الجميع أنك جلست أخيراً، تمد ساقك الصغيرة مرة أخرى أمام الزمن فتقلبه على عقبيه!
أن تصبح كاظم الساهر وتقول لكاظم الساهر نفسه «مروتك»: فيجيبك الآخر» أشو إلّا أغازلك غصباً عنك»، ترضى ما ترضى.