كان لجدّتي رحمة الله عليها جرابٌ تعلقه وراء باب غرفتها تضع فيه ما بقي من خبز اليوم، حتى إذا انتهى الطعام واشتاق أحد الأحفاد أن يأكلوا شيئا ولم يجدوه أدخلوا الأيادي الصغيرة في الجراب وسحبوا أيّا من قطع الخبز الثاوية في الجراب. من الممكن أن تخرج لهم قطعة منه قديمة أو ملطخة بالمرق لكنهم لثقتهم في صاحبة الجراب ولحبهم لها كانت القطعة تؤكل رغم ذلك ولا يرجع شيء إلى الجراب. المعجم مثل الجراب يحوي كلما جديدة وأخرى قديمة وأحيانا تستهلك القديمة وكأنّها بنت يومها وهي ليست كذلك، المهمّ الجراب هناك وكلما احتجت شيئا مدّ يديك ولتخض لتجذب.
ما جعلني أتذكر هذا الجراب أنّي لاحظت أنّ كثيرا من الكلام القديم يشرح بألفاظ اليوم ويستهلك كما تستهلك قطعة خبز قديمة لأنّها فقط قطعة خبز بين يدي صبيّ جائع يثق في الجراب وما حوى. قرأت البيت التالي الذي ينسب إلى معاوية بن أبي سفيان، ولا يعنينا إن كان له فعلا كما لم يكن يعنينا ونحن صغار إن كان جراب جدّتي على ملكها هي، أم أهدي إليها؟ يقول معاوية (شجاعٌ إذا ما أمْكَنَتْنيَ فُرْصَةٌ// وإنْ لم تكنْ لي فُرْصَةٌ فجبانُ). أورد أبو حيّان التوحيدي هذا البيت في سياق الردّ على قول لعمرو ابن العاص إذ قال: «لقد أعياني أن أعلم أشجاعٌ أنتَ أم جبان؟ فقال [البيت]» (البصائر والذخائر، 2/56 ).
سؤال ابن العاص مُحيِّر لأنّه كان من أقرب الناس إلى معاوية، فقد كان حليفه في ما سمّي بالفتنة الكبرى، وكانا قد طالبا معا بدم عثمان حين قُتل، وواجها عليّ بن أبي طالب وشاركا في معركة صفّين، وحين بات معاوية خليفة لبني أميّة ولاه مصر. فقد يكون سؤاله قبل الخلافة لأنّه لا يوجّهه والٍ إلى خليفته، ولا يقال لمن فعل في التاريخ السياسي ما فعل فيكسر هيبة الخلافة الراشدة ويصعد من والٍ إلى خليفة وينقل عنده في الشام مقرّ الخلافة من مكة. من الممكن أنّ السؤال كان في لحظة حاسمة بين أسلوبين: أسلوب يهاجم ولا يرى في المهادنة شجاعة؛ وأسلوب يوزن الأشياء بميزان الربح والخسارة، فلا يقدم حتى يعرف أنّه المنتصر، وإلا فإنّه ولأسباب استراتيجية وتكتيكية يتراجع حتى يتمكّن. نحن في ثنائية الرأي والشجاعة التي عبر عنها أبو الطيب المتنبي حين قال: (الرأي قبل شجاعة الشجعان) ونحن في السياق الذي أورد فيه أبو حيّان أقوالا لمعاوية من بينها رأيه في الشجاعة إذ يقول: «إني لأكره النكارة في الرجل، وأحب أن يكون عاقلاً». والنكارة الدهاء وهو الفطنة والخبث فيها، وكان معاوية يوسم بالدهاء حتى لكأنّه ينكره صراحة ويمارسه فعلا..
إلى حدّ الآن قرأنا الفرصة مثلما تقرأ الفرصة في عصرنا أنّها نُهزة (لسان العرب، 7/64) أي أنّها شيء يناسبك يأتي بغفلة منك، ويمكن أن تتحينها فإن أتيحت انتهزتها. ليس مشكلا أن نفهم الفرصة مثلما نفهم اليوم، ولا أحد يشعر بالقلق إلاّ أساة الكلام الذين يعرفون أنّ العمر يؤثّر في الكلم مثلما يؤثّر في البشر وأنّ كلمة قالها معاوية منذ قرون لا يمكن أن تكون لها المحامل الدلالية التي للكلمة نفسها أيّامنا. لكنّ الإشكال في كلماتنا أنّها لا تخضع لتاريخ عليك أنت أن تعيد بناء ما يمكن أن يكون تاريخا لها حتى تقرّب وتباعد. ورد في لسان العرب أنّ «الفرصاء من النوق التي تقوم ناحية فإذا خلا الحوض جاءت وشربت»(المصدر السابق). تفاجأت لا من المعنى، بل من سلوك بعض النوق «الحضاريّ» فهي لا تشارك غيرها من الإبل، ولا تفعل ما يفعله الغنم وهم يتدافعون على مشاربهم. انتبه البدو إلى هذا السلوك الفريد وتوجوه باسم فقالوا عن الناقة إنّها فرصاء، إن هي لم تشارك القطيع تدافعهم على الماء. من حسن الحظّ أنّ التسمية أوجدت لأنّها أفادتنا بسلوك للحيوان مختلف. بين الفرصاء والفرصة حميمية اشتقاقية ولا يمكن البتّ في إيهما اشتقّ أوّلا، الفرصة هي النهزة، فالناقة تنظر أن تنفض المتدافعات من بنات جلدتها كي تقبل على الشراب، قد يكون ذلك لضعف، أو لقلة أهلية أو لجدة أو لطرآنها على الجماعة، المهمّ أنّ هذا السلوك اعتمد في تنظيم البشر استغلالهم لموارد الماء، فقد جاء في اللسان «الفرصة.. النَّوْبة تكون بين القوم يتناوبونها على الماء في أظمائهم مثل الخمس والربع والسدس» (لسان العرب، السابق). هنا نقف على نظام استعمال «الفرصة» في الحياة البدوية العربية أنّها ترتيب دوريّ لاستغلال الماء القليل عند الاجتماع الكثير عليه. نظام التناوب على ورد الماء نظام قديم فيه وعي رفيع بالتعايش والتشارك بناء على عدالة مفروضة عرفا. الفرصة لا تأتي مثلما هي فرصة اليوم هي نوبة منتظرة في توزيع محكم للوقت يتيح لكل فرد أن يأخذ نصيبه وقسمته التي له ولا يحرم غيره منها.
بالرجوع إلى معنيي الشجاعة والجبن وفرصتيهما في قول معاوية، فإنّ المعنى أقرب إلى أنّ الحياة تداول لكلّ نوبته فيها، لا يفتكّ فرصة غيره بل يجبن عن فعلها وليس الجبن هنا خوفا، بل هو تقييد للنزعة الحيوانية المتسلطة والمفتكة لنوبات غيرها. ليست الشجاعة أن تفتك نوبات غيرك وتجعلها لك، هذا غطرسة وقلة تعقّل؛ الشجاعة أنّه إن جاءت نوبتك في وقتها عليك أن تسقي عطشك كما ينبغي لا أن تملأ دلاء مثقوبة. الحياة دول بين الناس ونوبات، والشجاعة العاقلة أنّ من أمكنته الحياة من نوبته أحكم التدبر في استغلالها. فإذن ليست الفرصة التي بمعنانا المعاصر هي الفرصة في قول معاوية: فرصتنا ان نكون نفعيّين إلى النخاع فنفتك ما ليس لنا ونمنع آخرين من نوباتهم؛ فرصتنا أن ننتظر قدرنا يأتي برياح مواتية لتحرك مراكبنا لا أن نحمل مجذافا مع الراكبين معنا ونجدف معا كل يجدّف في نوبته ولكن في الآن نفسه.
لقد بيّنّا بناء على بيت ينسب إلى معاوية كيف أنّ تاريخ الكلم متنقل وأنّ ما نفهمه من الكلام القديم إنّما نفهم جزءا منه كبيرا بما استقرت عليه الألفاظ في عصرنا. الفرصة التي قالها البدوي ليست هي نفسها الفرصة التي تقولها اليوم وأنت تجلس على قارعة المقهى وتتحدّث عن لاعب تراه في التلفزيون أضاع هدفا وأضاع فرصة، لا علاقة للفرصة هذه لا بالجبن ولا بالشجاعة. والفرصة أن تقول لصاحبتك التي تحبها أعطني فرصة أخيرة لأثبت لك أنّي جدير بها وبك. لكنّها تمضي وتلتفت إليك بابتسام يقول لك كل الحكاية: لم تكن في المستوى في الفرص السابقة فهل هذه جديدة؟ أنت في هذه الحالة لست شجاعا ولا جبانا في فرصتك التي أعطتها، وفي فرصتها التي ردّتها لكنّك وأنت أنت لم تعد أنت. وأنت تزور قبر أمك التي ماتت من سنين، تذكر وجهها وهي تطلّ عليك من شباكها الأخير حيث منعوا عنها الزيارة تتذكر أنك تسألها سؤالا كان عاديا وصار ذا معنى: هل أنت بخير يا أمّي؟ وتشير برأسها أنها كذلك بالخير الذي تمنّيت وليس بالخير الذي هي فيه. لم تكن تعلم أنّها الفرصة الأخيرة التي وهبها القدر لك لتراها آخر مرّة.. تجلس منتحيا جانبا كناقة تنتظر فرصتها مع قطيع يشرب لا عطشا، بل لأنّه رأى غيره يشرب.. تجلس على جانب تنتظر أن ترى وجها يطل من جديد لعله يكون وجه أمك.. وجه تشرب منه جرعتك التي تعتقد أنّها نوبتك التي لم تأت برهتها. قد تكون الكتابة فرصة لكنّها لن تكون قدريّة، مثلما الفرصة عند بعضنا قدرية ولن تكون نوبة شراب، مثلما هي عند من ينتظر نوبته ويشعر بأنّ الماء شجاعة، الكتابة لحظة انتظار وتفكر كتلك اللحظة التي قضتها الناقة الفرصاء تنتظر.. مع فرق: أنّ الناقة كانت تريد أن تروي ظمأها ككل القطيع.. لكن في صبر وانتظام. لناقة كهذه كل الاحترام لأنها وفرت لنا شيئا من حوافز الكتابة.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية