طرابلس – «القدس العربي»: دخل الاتفاق الذي وقعته لجنة «4+4» الممثلة لحكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة في شرق ليبيا، مرحلة أكثر تعقيدا من التفاوض نفسه، مع انتقال الجدل من مضمون التفاهمات المتعلقة بمفوضية الانتخابات والقوانين المنظمة للاستحقاق الرئاسي والتشريعي، إلى آليات اعتمادها وتنفيذها وموقف المؤسسات السياسية القائمة منها.
ويطرح الاتفاق، الذي جرى توقيعه الأحد في طرابلس برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مسارا جديدا لإنهاء أزمة انتخابية ظلت معلقة لسنوات، لكنه يضع في الوقت نفسه مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أمام مهلة زمنية لا تتجاوز شهرا للمصادقة الوطنية على المخرجات، في أول اختبار فعلي لقدرة التفاهم بين سلطات الشرق والغرب على تجاوز المؤسسات المنقسمة التي تعطلت عندها مبادرات سابقة.
وينص الاتفاق على تعديل الإطار القانوني للانتخابات، وإجرائها تحت سلطة تنفيذية واحدة، مع التزام الأطراف بالعمل للوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا، فضلا عن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة أبرز النقاط الخلافية التي حالت دون الوصول إلى الاستحقاق الوطني.
وتشمل التعديلات المقترحة السماح للعسكريين بالترشح للانتخابات الرئاسية وفق ضوابط تضمن حياد المؤسسة العسكرية، وفتح باب الترشح أمام مزدوجي الجنسية، على أن يتخلى الفائز عن جنسيته الأخرى قبل أداء اليمين الدستورية، إلى جانب إلغاء إلزامية الجولة الثانية إذا حصل أحد المرشحين على الأغلبية المطلقة، وفصل نتائج الانتخابات الرئاسية عن نتائج الانتخابات التشريعية.
كما حدد الاتفاق 20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين شرطا للترشح للرئاسة، وأعاد فتح ملف مجلس إدارة مفوضية الانتخابات، مع التوصية بتسمية ضو الهمالي رئيسا جديدا لها وإعادة توزيع عضوية مجلسها بين مرشحين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
غير أن حالة الترحيب الواسعة التي أعقبت التوقيع لم تخف وجود خلاف مبكر حول الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الوثيقة حتى تتحول إلى قرارات نافذة.
وكان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح من أبرز من وضعوا شروطا أمام تنفيذ المخرجات، إذ أكد تأييده لأي تفاهمات تنهي الانقسام، لكنه اشترط أن تكون منسجمة مع الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي والتشريعات النافذة، مشددا على أن مجلس النواب سيتخذ موقفه عندما يعرض الاتفاق عليه. ويعيد موقف صالح إلى الواجهة إشكالية ظلت ملازمة للمسار السياسي الليبي خلال السنوات الماضية، تتعلق بالفارق بين الاتفاق السياسي بين الأطراف وبين قدرته على المرور عبر المؤسسات القائمة والحصول على الغطاء القانوني اللازم للتنفيذ.
في المقابل، دفع ممثلو طرفي الاتفاق باتجاه تقديم الوثيقة باعتبارها فرصة لكسر الحلقة المغلقة التي عطلت الانتخابات.
وقال وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة الوحدة الوطنية وليد اللافي، الذي ترأس فريق الحكومة في المفاوضات، إن الاتفاق أحدث «اختراقا» في ملف ظل مغلقا لأكثر من عشر سنوات، معتبرا أن الانتخابات هي الوسيلة الأنجع لإعادة توحيد المؤسسات التشريعية والتنفيذية والعسكرية وتجديد شرعيتها.
لكن اللافي أقر في الوقت نفسه بأن مرحلة ما بعد التوقيع ستكون الاختبار الأصعب، مؤكدا أن قيمة الاتفاقات لا تقاس بما يكتب فيها وإنما بقدرة الأطراف على الوفاء بالتزاماتها.
ومن جانب القيادة العامة في شرق البلاد، قدم الشيباني أبوهمود، رئيس وفدها في الاجتماع المصغر، الاتفاق باعتباره «رسالة أمل» إلى الليبيين، وقال إن اللجنة توصلت إلى حلول وسط قابلة للتنفيذ بشأن الملفات التي ظلت محل خلاف.
واعتبر أبوهمود أن الانتخابات ليست حلا سحريا لجميع أزمات ليبيا، لكنها تظل، في غياب التوافق على صيغة أخرى، «الوسيلة الأقل تكلفة» لتجديد شرعية المؤسسات واستعادة القرار الوطني.
وتقاطعت تصريحات الطرفين في محاولة تحميل المؤسسات السياسية مسؤولية المرحلة المقبلة، وسط دعوات إلى عدم تعطيل ما تم التوصل إليه.
وبدوره، أعلن خليفة حفتر دعمه لنتائج اللجنة، معتبرا أن الاتفاق يمثل تقدما في معالجة قضايا عطلت الانتخابات لسنوات، بينما رحب نائبه صدام حفتر بالمخرجات وقال إن الاتفاق أزال جزءا مهما من المبررات التي كانت تستخدم لتأخير الاستحقاق الانتخابي.
كما رحب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بالاتفاق، معتبرا أنه ينسجم مع موقف حكومته الداعي إلى إنهاء المراحل الانتقالية عن طريق الانتخابات وعدم إنتاج ترتيبات سياسية جديدة تعيد تدوير المؤسسات الحالية.
وفي شرق البلاد، أعلن رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد تأييده للاتفاق، وطالب باستكمال بقية مخرجات لجنة «4+4» بصورة عاجلة، معتبرا أن نجاح المسار يتوقف على الالتزام بالتنفيذ والجدول الزمني المتفق عليه.
أما بعثة الأمم المتحدة، فحاولت إبقاء سقف التوقعات تحت السيطرة. ووصفت الممثلة الخاصة للأمين العام هانا تيتيه، التوقيع بأنه «خطوة مهمة» لا نهاية للعملية السياسية، مؤكدة أن المسؤولية انتقلت الآن إلى مرحلة الاعتماد الوطني وتطبيق الإطار الانتخابي وتهيئة الظروف المؤسسية والسياسية اللازمة لانتخابات نزيهة.
وكان مسار «4+4» قد انطلق فعليا من اجتماعات عقدت في روما في أبريل/نيسان الماضي، بمشاركة فريق عن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة اللافي وآخر عن القيادة العامة برئاسة أبوهمود، قبل أن يعلن في يونيو/حزيران عن إحراز توافق بشأن مفوضية الانتخابات والقوانين المنظمة للاستحقاق.
وانتقلت المفاوضات لاحقا إلى تونس، حيث وقع الطرفان في 20 أغسطس/آب مسودة الاتفاق بالأحرف الأولى، قبل العودة إلى طرابلس للتوقيع النهائي.
وجاء المسار المصغر أساسا بعد تعثر مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى توافق نهائي بشأن القاعدة القانونية للانتخابات وتشكيل مجلس إدارة المفوضية، ما دفع البعثة الأممية إلى الاعتماد على حوار مباشر بين ممثلين عن سلطات الشرق والغرب.
لكن نجاح الصيغة الجديدة سيظل مرتبطا بما إذا كانت قادرة على تجاوز المشكلة نفسها التي دفعت إلى إنشائها، أي الخلاف داخل المؤسسات السياسية بشأن الشرعية والصلاحيات وآلية اتخاذ القرار.
ومع بدء مهلة الشهر المخصصة للمصادقة على الاتفاق، ينتقل الملف بذلك من طاولة المفاوضات بين «4+4» إلى اختبار أكثر حساسية داخل مجلسي النواب والدولة، قبل أن تبدأ المرحلة الأصعب المتعلقة بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة وتهيئة البلاد فعليا لانتخابات لم ينجح الليبيون في إجرائها رغم مرور سنوات على الاستحقاق الذي كان مقررا في ديسمبر/كانون الأول 2021.