ما الذي يحذر منه خبراء الاقتصاد في إسرائيل؟


سامي بيرتس

في أبار 2024، حتى قبل أن يحول الجيش الإسرائيلي الجهد الحربي إلى لبنان، وقبل الجولتين ضد إيران، قدر بنك إسرائيل تكلفة الحرب بمبلغ 250 مليار شيكل. كان الجزء المثير للاهتمام في هذا التقدير هو توقع انخفاض مداخيل الدولة من الضرائب، بمبلغ 40 مليار شيكل بالإجمال، نتيجة الحرب. ظهر هذا التوقع منطقياً في حينه، بسبب التعبئة الواسعة للاحتياط وعدد المخلين الكبير وتراجع النشاط الاقتصادي لشركات كثيرة.

ظهر هذا الرقم في عروض بنك إسرائيل، لكن بعد سنة تم حذفه منها نهائياً. حدث هذا بعد أن تبين أن مداخيل الدولة من الضرائب لم تنخفض فقط، بل زادت أيضاً.

معروف أن بنك إسرائيل جهة محافظة، وقد نشر توقعاته بناء على تحليل مهني، ومع ذلك، أخطأ عندما تجاهل أمر بارز طوال الحرب: تجاوزت إيرادات الدولة التوقعات دائماً، وهذا يحدث رغم أن نفقات الحرب منذ ذلك التوقع بلغت 420 مليار شيكل، لأن الحرب استمرت لفترة أطول من أي توقعات سابقة، وهي تقترب من نصف تريليون شيكل بخطوات واسعة.

هل يتجاهل الاقتصاديون، بمن فيهم كبار المسؤولين في بنك إسرائيل وفي وزارة المالية، شيئاً ما؟ صحيح أن الاقتصاد أظهر مرونة ملحوظة على مر السنين وقدرة على التعافي السريع من الأزمات، ولكن الأمر هذه المرة لا يتعلق بعملية تستغرق أسبوعاً أو أسبوعين، بل يتعلق بحرب استقطبت في الأشهر الأولى 220 ألف جندي احتياط، ما أدى إلى سحبهم من سوق العمل، وإخلاء عشرات آلاف السكان من بيوتهم لأشهر كثيرة، وأثرت على آلاف الشركات التي تركت دون موظفين أو زبائن. أيضاً تضرر الاقتصاد بسبب الحرب، حيث خسرنا تقريباً 250 مليار شيكل. كان يتوقع أن يؤثر هذا سلباً على مداخيل الدولة، لكن حدث العكس.

أما بورصة تل أبيب التي هوت في 8 تشرين الأول 2023، فلم يستمر الركود فيها طويلاً؛ ففي نهاية 2023 تجاوزت المؤشرات الرئيسية مستوياتها عشية الحرب. وبعد عملية البيجرات في أيلول 2024 وعملية “شعب كالأسد” ضد إيران في حزيران 2025، انتعشت سوق الأسهم، وقفزت المؤشرات بشكل حاد، متجاوزة بذلك أداء “وول ستريت”. وتضاعفت قيمة الشركات المساهمة العامة منذ 7 أكتوبر وحتى الآن.

خلال الحرب، تم خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل من قبل وكالات التصنيف الثلاث. وارتفعت تكلفة زيادة الدين العام بشكل كبير، لكننا لم نشاهد في أي وقت انهياراً اقتصادياً أو ما يشبهه. سأل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق جيروم باول محافظ بنك إسرائيل البروفيسور أمير يارون في أحد اللقاءات عن وضع اقتصاد إسرائيل في ظل الحرب. فأجاب يارون: كما يقول شعار “نايكي”، نحن ببساطة نفعلها.

الروح الإسرائيلية

يطلق البروفيسور مومي دهان من كلية السياسة العامة في الجامعة العبرية، على ذلك “الروح الإسرائيلية”، وهي القدرة على التكيف والاجتهاد واجتياز الصعوبات وإدراك ضرورة النهوض والعمل والشراء والعيش. وهذا له دلالة اقتصادية هامة جدا.

خلال عملية “زئير الأسد” حيث كانت الصواريخ تطلق هنا وهناك، وكنا نضطر إلى التوجه إلى الملاجئ عدة مرات في اليوم، سنحت الفرصة للمحافظ يارون لإجراء مقابلة مع الـ “سي.ان.ان” في مكاتب بنك إسرائيل في تل أبيب. كان الوقت تقريباً في منتصف الليل بسبب فرق التوقيت. عند مغادرته المكتب، نظر إلى شارع نحلات بنيامين وشاهد هناك مطاعم مليئة وحركة نشطة للناس. وعندما كان يسافر في سيارته لحق به أحد أتباع حركة حباد ونفخ في البوق وحياه. كل ذلك حدث في حين كانت إيران تطلق الصواريخ والمسيرات كل يوم هنا. هذه هي الروح الإسرائيلية أيضاً، ولها تأثير على مرونة الاقتصاد. هذا يذكرنا بأقوال غولدا مئير للسناتور الشاب جو بايدن، عندما كان قلقاً جداً أثناء حرب يوم الغفران: “نحن اليهود لدينا سلاح سري – ليس لدينا مكان آخر لنذهب إليه”.

إن مرونة الاقتصاد تثير الإعجاب. فخلافاً للأزمات السابقة طالت الحرب الحالية بشكل غير معتاد، الأمر الذي أدى إلى زيادة متكررة وكبيرة على ميزانية الدفاع، ونفقات مدنية بلغت عشرات مليارات الشواكل، وخروج عشرات آلاف الأشخاص من سوق العمل، وتغيرات لا حصر لها في التوقعات الاقتصادية. ثلاثة عوامل ساهمت في استمرار هذه الحرب الطويلة، الأمر الذي يناقض المفهوم الإسرائيلي التقليدي للأمن: جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم مراراً وتكراراً، والمساعدات الأمريكية بالدولار، والمشاركة الفعالة في الحرب على إيران واستقرار الأمن.

ما الذي مكن الاقتصاد وسوق الأسهم من هذه المرونة المدهشة رغم سيل الأخبار عن الشرور التي واجهناها في السنوات الثلاث الأخيرة؟ هل هناك منطق اقتصادي في جنون الحرب؟ والأكثر أهمية، هل ستستمر هذه المرونة، حتى لو لم يتم اتخاذ القرارات الشجاعة والصعبة التي يجب اتخاذها في القريب كي يعود الاقتصاد إلى المسار الصحيح؟

يتفق كبار رجال الاقتصاد على أن السبب الرئيسي لمرونة الاقتصاد هو نقطة دخوله إلى الحرب مع عجز منخفض، ونسبة دين للناتج المحلي الإجمالي منخفضة نسبياً، 60 في المئة. وقد مكن هذا الحكومة من زيادة النفقات والدين العام بحوالي 400 مليار شيكل لتمويل الحرب دون التعرض لصدمة كبيرة.
يقول يانيف باغوت، نائب رئيس بورصة تل أبيب: “كانت نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي عند الدخول إلى الحرب 60 في المئة، وفي العام 2000 بلغت هذه النسبة 120 في المئة، أي تقريباً الإفلاس. في حينه اضطررنا إلى طلب ضمانات لديوننا من الولايات المتحدة، ومنذ ذلك الحين ساد الانضباط المالي وشهدت نسبة الدين للناتج المحلي الاجمالي انخفاض تدريجي ومستمر، وهذا هو الرقم الاساسي. فنسبة الدين المنخفضة للناتج المحلي الإجمالي هي ما يسمح للحكومة بالاقتراض ودفع رواتب جنود الاحتياط والمخلين والفئات الضعيفة التي تضررت بسبب الحرب.

اليوم يبلغ الدين حوالي 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وحسب بنك إسرائيل، فإن زيادة ميزانية الدفاع بمبلغ 400 مليار شيكل في العقد القادم، وقطع المساعدات الأمريكية، سيرفع هذه النسبة إلى 84 في المئة، وهذا يتطلب اتخاذ خطوات جذرية لخفض الدين.

الحكومة أصبحت جهة توظيف ضخمة

لقد أدت التعبئة الجماعية للاحتياط في الأيام الأولى في أعقاب 7 أكتوبر إلى تغيير جذري في الاقتصاد. فقد أصبحت الحكومة جهة توظيف أكبر مما عليه في الظروف العادلة. يقول يوئيل نفيه، كبير الاقتصاديين السابق في وزارة المالية: “تأثر النمو بالحرب، لكن حتى النمو الطفيف الذي شاهدناه كان نتيجة النفقات الحكومية. لقد أصبحت الحكومة جهة توظيف ضخمة تضخ أموالاً كثيرة، حتى على من ليس لديهم وظائف والذين انضموا لقوات الاحتياط، وانتقلوا من وحدة إلى أخرى. هذا ضخ كبير للأموال في صفوف قوات الاحتياط، وتعويضات للشركات والمخلين. وقد دعم هذا الأمر الاقتصاد بشكل كبير على حساب زيادة الدين العام”.

هذه هي ميزة إحصاءات المحاسبة الوطنية: عندما تزيد الحكومة النفقات، حتى لو كانت موجهة لقذائف الدبابات أو أيام الاحتياط أو تعويضات المخلين، فإنها تزيد الناتج المحلي الإجمالي.

بلغ إجمالي النفقات على جنود الاحتياط 108 مليار شيكل منذ بداية الحرب (مقارنة مع 2.5 مليار شيكل سنويا قبل الحرب). وقد انعكست هذه النفقات الكبيرة على شكل زيادة في مدفوعات الضرائب، نظراً لارتفاع دخل الكثير من جنود الاحتياط خلال الحرب. وتشير تقديرات مصلحة الضرائب إلى أن دفعات الضرائب لجنود الاحتياط زادت خلال الحرب بحوالي 6 مليارات شيكل.

ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في تخفيف الضغط، الاحتياطي الكبير من العملة الأجنبية المتراكم في بنك إسرائيل، الذي بلغ 239 مليار دولار أمريكي في نهاية تموز. وقد خصص بنك إسرائيل 30 مليار دولار لمنع انهيار الشيكل في الشهر الأول للحرب، وقد نجحت هذه الخطوة، حيث لم يستخدم إلا 8 مليارات دولار، وتم وقف انهيار الشيكل.

ويرى دهان أن الاحتياطي يعتبر نقطة قوة مهمة: “بدأ تراكم احتياطي العملة الأجنبية في بنك إسرائيل أثناء فترة ولاية المحافظ ستانلي فيشر، لأسباب تتعلق بالحفاظ على سعر الصرف، ولولا هذا الاحتياطي لما انخفض التصنيف الائتماني لإسرائيل فقط، بل كان سينهار”.

انخفض التصنيف وارتفعت الضرائب

انخفض التصنيف الائتماني بالفعل في أعقاب الحرب. هذا كان من وجهة نظر معينة مفيد للاقتصاد، لأن وزير المالية سموتريتش أدرك ضرورة اتخاذ خطوات اقتصادية لطمأنة الأسواق بأن الوضع تحت السيطرة، ومنع المزيد من خفض التصنيف. هذا ما أدى إلى زيادة ضريبية بلغت حوالي 30 مليار شيكل في السنة في بداية العام 2025. لقد تم رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 18 في المئة، وزاد إسهام التأمين الوطني والضرائب الصحية، وتم توسيع نطاق الضريبة التكميلية على أصحاب الدخل، وفرضت ضريبة على الأرباح غير الموزعة للشركات، إلى جانب تجميد زيادة الأجور في القطاع العام. كان هذا أهم قرار اتخذه سموتريتش خلال فترة توليه لوزارة المالية.

يعتبر التصنيف الائتماني لإسرائيل عاملاً مهماً، لكن وكالات التصنيف تركز الاهتمام بالأساس على الدين الخارجي، في حين أن الشعب في إسرائيل يمتلك في الواقع معظم ديون الحكومة. تبيع الحكومة سندات دين لهذا الشعب كل يوم إثنين في بورصة تل أبيب، عن طريق إصدار سندات وإعادة تدويرها. تشتري هذه السندات صناديق التقاعد وصناديق التوفير وصناديق الاستثمار المشتركة التي تدير توفيرات الشعب. منذ 7 أكتوبر جمعت الحكومة 564 مليار شيكل من المؤسسات في إسرائيل، و133 مليار شيكل فقط من الخارج. هذا إسهام آخر من الشعب الذي يخدم ويعمل ويوفر ويدفع الضرائب، فهو أيضاً يمول تكلفة الحرب من مخصصات تقاعده. ماذا كنا سنفعل من دونها؟

قال باغوت: “من يأتي إلى إصدارات الدولة؟ المؤسسات أولاً وقبل كل شيء”. 85 في المئة من الدين هو محلي. في 7 أكتوبر عرفنا أن دولة إسرائيل ستصدر سندات في يوم الإثنين في إصدار مخطط له مسبقاً. ناقشنا مسألة فتح البورصة أو لا، كانت تساؤلات حول كيفية وصول الناس إلى أماكن عملهم خوفاً من وجود إرهابيين في الخارج. في النهاية، فتحنا البورصة وتم الإصدار. الأموال المؤسسية بمثابة صمام الأمان للدولة ومحرك النمو الاقتصادي، ومن ثم ترتبط بالشركات المسجلة.

الذكاء الاصطناعي وسباق التسلح حركا الاقتصاد

الأسباب الأخرى التي سمحت للاقتصاد بالحفاظ على المرونة لم تعد ترتبط بالحكومة الحالية أو الحكومات السابقة. مثلا، طفرة الذكاء الاصطناعي؛ فقد أجريت الانتخابات الأخيرة في 1 تشرين الثاني 2022، وبعد عشرين يوماً تم إطلاق تشات جي.بي.تي. بلغت قيمة شركة “انبيديا” العملاقة في مجال الرقائق، 337 مليار دولار في بداية تشرين الثاني 2022، والآن تبلغ قيمتها 5.5 تريليون دولار. تعتبر إسرائيل من أكبر المستفيدين من هذا الصعود الصاروخي بفضل استحواذ شركة “انبيديا” على شركة “ميلانوكس” في 2020. وقد ساهم هذا الاستحواذ بشكل كبير في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، الذي يتضمن بنداً يمثل حصة “ميلانوكس” من المعرفة المستخدمة في تصنيع رقائق “انبيديا” في الخارج.

لقد نما الاقتصاد بنسبة 3.2 في المئة في النصف الأول من العام 2026، ولكن لولا تأثير “انبيديا” لبلغ النمو 1 في المئة فقط.

ومن المساهمات اللافتة الأخرى، بيع تطبيق “ويز” لشركة “غوغل” مقابل 32 مليار دولار، الذي ضخ في خزينة الدولة عائدات ضريبية تقدر بـ 10 مليار شيكل. ومن المفارقة أن اساف ربابورت، الرئيس التنفيذي لشركة ويز وأحد مؤسسيها، وايال فالدمان مؤسس “ميلانوكس”، كانا من أشد معارضي الانقلاب، وحذرا في السابق من أنه سيؤدي إلى تحويل الأموال إلى الخارج. في الواقع، هما الأكثر تأثيراً على زيادة مداخيل الدولة خلال الحرب.

الحروب عادت إلى الواجهة ليس عندنا فحسب، بل في أوكرانيا أيضاً، ما أدى إلى سباق تسلح محموم في أوروبا، لا سيما في الدول القريبة من روسيا، ونتيجة لذلك تضاعفت طلبات الشراء المتراكمة لدى أكبر ثلاث شركات أمنية إسرائيلية – صناعات الفضاء الإسرائيلية، “ألبيت” و”رفائيل”، ثلاثة أضعاف تقريباً، من 100 مليار شيكل في 2020 إلى 270 مليار شيكل في الوقت الحالي. أيضاً تستفيد شركات أقل شهرة من هذا التوجه، لا سيما في مجال معدات الأمن التي تجتاح أوروبا. فقد قفزت قيمة شركة “اريت” للصناعات، التي تنتج الصمامات الإلكترونية للمدفعية وقذائف الهاون والصواريخ من خلال شركاتها التابعة، عشرة أضعاف منذ 7 أكتوبر. أما شركة “نيكست فيجن” التي تطور، ضمن أمور أخرى، أنظمة كاميرات للطائرات المسيرة، فقد تم تسجيلها في بورصة تل أبيب في حزيران 2021 بقيمة 407 مليون شيكل، وتبلغ الآن قيمتها 19.3 مليار شيكل.

ويعتقد نفيه أن أداء سوق الأسهم أقل أهمية من المسار العام للاقتصاد. ويقول إن “زيادة الميزانية ناتجة عن مدخرات قسرية تتدفق بكمية كبيرة إلى سوق الأسهم. إذا تغيرت الحكومة فقد نشاهد قفزة أخرى في سوق الأسهم، لكن السؤال هو: ما هو وضعنا على المدى البعيد؟ عندما تهدأ الأمور سنعرف أن وضعنا الاستراتيجي أسوأ، وليس أفضل. والسؤال الرئيسي هو: ما هو الوضع الأمني الذي سيسود في السنة القادمة؟ إذا كانت ميزانية الدفاع ضخمة فستخنق الاقتصاد. المشكلة الأخطر تكمن في غياب الرقابة على ميزانية الدفاع، هي ذات عواقب وخيمة، ويستحيل التخطيط لأي شيء كهذا”.

في الفصل التالي والأخير: هل يجب مضاعفة ميزانية الدفاع، ومن الذي سيدفع الفاتورة؟

هآرتس/ ذي ماركر 31/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *