الخرائط تكذّب فكرة حل الدولتين.. وعلى الناخب الأمريكي مساءلة المسؤولين عن أي إسرائيل يدعمون


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي نيويوركر” تقريرا أعده ديفيد دي. كيركباتريك، قال فيه إن الولايات المتحدة تؤكد في خطابها على حل الدولتين، لكن الخرائط الجديدة للضفة الغربية تكذب هذا الكلام الذي لم يعد مهما.

وقال إن المبعوث الأمريكي في إدارة باراك أوباما للمفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية، فرانك لوينشتاين، قدم قبل 10 أعوام خرائط للمستوطنات التي أقامها اليهود في الضفة الغربية المحتلة، وكشفت عن تفاقم مشكلة مزمنة. فقد هدد توسع المستوطنات المنتشرة في أرجاء الضفة الغربية الأمل في إقامة دولة فلسطينية متماسكة هناك.

وبما أن أعداد اليهود والفلسطينيين متساوية تقريبا في إسرائيل والأراضي التي احتلتها منذ عام 1967، فإن هذه المستوطنات تقوض ادعاء إسرائيل بأنها دولة يهودية وديمقراطية في آن واحد.

فمن خلال تحقيق ضم فعلي تدريجي للضفة الغربية، ستجبر هذه المستوطنات اليهود الإسرائيليين إما على حكم سكان غير يهود ساخطين، يقاربونهم في العدد، أو التخلي عن الهوية اليهودية لدولتهم.

ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن أيا من السيناريوهين سيزعزع استقرار المنطقة.

فقد كان أوباما في الأسابيع الأخيرة من رئاسته، وساعدت خرائط لوينشتاين على إقناعه بالسماح لمجلس الأمن الدولي بإصدار قرار يدين المستوطنات التي لطالما اعتبرها معظم العالم انتهاكا للقانون الدولي، إلا أن الولايات المتحدة امتنعت عن استخدام حق النقض والتصويت.

وفي خطاب ألقاه بعد أيام قليلة، في 28 كانون الأول/ديسمبر 2016، دافع وزير الخارجية جون كيري عن هذا القرار بتحذير شديد اللهجة من أن توسع المستوطنات “يرسخ بشكل متزايد واقع الدولة الواحدة الذي لا رجعة فيه”، وتابع قائلا: “هل جيلنا هو الجيل الذي يتخلى عن حلم قيام دولة إسرائيل اليهودية الديمقراطية التي تعيش في سلام وأمن مع جيرانها؟ لأن هذا هو ما هو على المحك حقا”.

وبعد عشرة أعوام، لا يزال لوينشتاين، وهو الآن زميل سياسات في جماعة “جيه ستريت” الصهيونية الليبرالية، يعمل على تحديث تلك الخرائط.

وأخبر الكاتب أن التوسع المتسارع للمستوطنات المرخصة رسميا و”البؤر الاستيطانية” غير المرخصة، أو تلك التي لم ترخص بعد، جعل تحذير كيري يبدو صحيحا وبشكل مبالغ فيه.

وفي الأسبوع الماضي، طرحت حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في محاولة واضحة لتعزيز الدعم قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، مناقصة لبناء 1,200 وحدة سكنية استيطانية أخرى في موقع يهدف صراحة إلى تقسيم المناطق الفلسطينية المتبقية في الضفة الغربية.

وقد حث الاتحاد الأوروبي وأكثر من عشرين حكومة، من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، إسرائيل على سحب المناقصة فورا، لأن البناء “سيقوض فرص حل الدولتين من خلال إحداث شرخ في الضفة الغربية”. ولم توقع الولايات المتحدة على البيان، إلا أن المناقصة دفعت حتى إدارة ترامب إلى إعادة تأكيد معارضتها لضم الضفة الغربية، قائلة إن “استقرار ضفة غربية مستقرة تحفظ أمن إسرائيل”.

ونقل الكاتب عن لوينشتاين قوله إن الخرائط المتغيرة أفرغت النقاشات التي دارت في عهد أوباما بشأن جدوى قيام دولة فلسطينية من معناها، مما أجبر السياسيين الأمريكيين على مراجعة المصطلحات التي يستخدمونها للحديث عن الصراع. ويعيش أكثر من 500,000 مستوطن يهودي بالفعل بين أكثر من 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، التي تم تحديدها كجزء من دولة فلسطينية مستقبلية منذ قرار الأمم المتحدة عام 1947 الذي اقترح إنشاء دولة إسرائيل. وقد ازداد دعم الحكومة الإسرائيلية لهذه المستوطنات جرأة. فخلال السنوات الثماني لإدارة أوباما، وافقت إسرائيل على 3 مستوطنات جديدة فقط في الضفة الغربية، ومنذ بداية عام 2023، وهو الوقت الذي تولت فيه الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة تقريبا، تمت الموافقة على 104 مستوطنات، وسمحت ببناء أكثر من 58,000 وحدة سكنية، وتضاعف إجمالي عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية خلال الفترة نفسها، من حوالي 300 إلى حوالي 640.

وفي غضون ذلك، تصاعد العنف ضد الفلسطينيين بالتزامن مع ازدياد المستوطنات، وغالبا ما يرتكب هذا العنف بحماية أو موافقة واضحة من قوات الأمن الإسرائيلية. في عام 2016، أحصت الأمم المتحدة 107 هجمات للمستوطنين ألحقت أضرارا بالممتلكات الفلسطينية أو تسببت في سقوط ضحايا فلسطينيين، أو كليهما.

ومنذ عام 2023، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 5,300 هجوم استيطاني، أي بمعدل يزيد عن أربعة هجمات يوميا. وقتل أكثر من 1,100 فلسطيني في الضفة الغربية إما على يد المستوطنين مباشرة أو على يد قوات الأمن الإسرائيلية.

وفي الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وقع ما لا يقل عن 1,380 هجوما استيطانيا، بمعدل يزيد عن ستة هجمات يوميا، وقتل 76 فلسطينيا. وخلال السنوات الثلاث نفسها، ووفقا للأمم المتحدة، أدت عمليات الهدم والترهيب في الضفة الغربية إلى نزوح 117 تجمعا سكنيا فلسطينيا، إما كليا أو جزئيا، مما أسفر عن تشريد أكثر من 5,900 فلسطيني.

ويقول لوينشتاين إن الاعتداءات أو عمليات الإخلاء كانت في السابق تحدث بشكل متقطع، ولكنها “أصبحت الآن فوضوية وبشكل يومي”.

ومنذ أن هاجمت حماس إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، دمر الجيش الإسرائيلي قطاع غزة أيضا واستولى على أكثر من 65% من أراضيه، وألحق أضرارا أو دمر أكثر من 90% من المنازل. ويعيش الآن جميع سكان غزة تقريبا، والبالغ عددهم مليوني نسمة، مكتظين في مخيمات خيام في النسبة المتبقية البالغة 35% من الأرض. وقد أسفر العدوان الإسرائيلي عن مقتل أكثر من 70,000 فلسطيني.

وأضاف لوينشتاين قائلا: “لقد تحول النقاش من سؤال: ما الذي يمكننا فعله للوصول إلى حل الدولتين؟ إلى سؤال: ما الذي يمكن فعله لمنع إسرائيل من الاستيلاء على كامل الأرض حرفيا؟”.

وتظهر خرائطه الأخيرة، التي جمعها مع زميله ليام حمامة، استنادا إلى تصريحات من الحكومة الإسرائيلية وبيانات من حركة “السلام الآن”، والسلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية ووكالات الأمم المتحدة، بوضوح أن تصور أي شكل قابل للتطبيق من أشكال الحكم الذاتي الفلسطيني يتطلب الآن أكثر من مجرد انسحاب إسرائيلي من غزة ووقف التوسع الاستيطاني. بل يتطلب الأمر تراجعا كبيرا في المستوطنات والبؤر الاستيطانية القائمة وطرد اليهود الإسرائيليين الذين أنشأوها. ويرى لوينشتاين أن الهدف الأكثر إلحاحا هو إقناع إسرائيل بإعادة جزء على الأقل من الأرض إلى الفلسطينيين. لكن المناخ السياسي الإسرائيلي الحالي يجعل مثل هذا المقترح شبه مستحيل على المدى القريب. عندما كان مبعوثا خاصا، عبر رئيس الوزراء نتنياهو وغيره من القادة الإسرائيليين عن دعمهم لدولة فلسطينية افتراضية ولو كانت على المدى البعيد.

لكن في عام 2025، وبعد أن اتجهت سياسات كل من إسرائيل والولايات المتحدة نحو اليمين، أصدر الكنيست الإسرائيلي قرارا غير ملزم يعلن فيه أن “لإسرائيل الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني” في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويخوض نتنياهو الآن حملة إعادة انتخابه متعهدا بأنه لن يسمح أبدا بإقامة دولة فلسطينية. وعبرت شخصيات من اليمين المتطرف في حكومته عن رغبتهم في طرد الفلسطينيين المقيمين حاليا في غزة. وقال لوينشتاين: “لقد تحول النموذج الإسرائيلي إلى: سنمتلك الحق الكامل في جميع الأراضي”.

وفي هذا السياق، يشبه الحديث عن الدعم الأمريكي لحل الدولتين في المستقبل، كما يفعل العديد من السياسيين من كلا الحزبين، التفكير في تاريخ بديل، ولم يعد هذا الأمر ذا صلة. وبدلا من السماح للسياسيين بتكرار شعارات حول قيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف، يرى لوينشتاين أنه ينبغي على الأمريكيين أن يطرحوا على المرشحين السؤال الأكثر أهمية: هل ستضغطون على إسرائيل، الآن، للبدء في إعادة المزيد من الأراضي إلى الفلسطينيين؟ ويضيف أنه لا ينبغي للناخبين قبول، وصف “مؤيد لإسرائيل” كدلالة على آراء المرشح.

فمع التوسع الاستيطاني السريع الذي يوسع الحدود العملية للدولة اليهودية، لم يعد السؤال المهم هو “هل تدعم إسرائيل؟” بل السؤال هو: أي إسرائيل تدعم؟ إسرائيل المعترف بها دوليا، بحدودها التي كانت قائمة قبل غزواتها عام 1967؟ أم رؤية “إسرائيل الكبرى”، التي تضم فيها إسرائيل تلك الأراضي رسميا، ويحكم فيها النصف اليهودي من السكان النصف الفلسطيني أو يسعى إلى طرده؟

وكان كيري قد أشار في خطابه التحذيري قبل نحو عقد من الزمان، إلى كيفية تغير حدود الدولة اليهودية بمرور الوقت. وبعد قرار الأمم المتحدة لعام 1947، الذي اقترح تقسيم الأراضي، إلى منح الفلسطينيين حوالي 43% من الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، إلى توسيع إسرائيل حصتها إلى 78% من الأراضي، تاركة 22% فقط للفلسطينيين. ومنحت اتفاقيات أوسلو، الموقعة قبل أكثر من ثلاثين عاما، الفلسطينيين سيطرة إدارية على الأقل على مناطق محدودة كخطوة أولى نحو السيطرة النهائية على الضفة الغربية وقطاع غزة، أي ما يقارب كامل نسبة الـ22% من الأراضي.

وفي أحدث خريطة، كما يقول لوينشتاين، يبدو أن المستوطنات والبؤر الاستيطانية، والعمليات العسكرية في غزة، تقيد سيطرة الفلسطينيين بشكل دائم على أقل من تلك المناطق المحدودة، لتصل إلى 8% فقط من إجمالي الأراضي. وتسيطر إسرائيل سيطرة كاملة على حوالي 92%. وتساءل لوينشتاين: “92% من الأرض لـ50% من السكان، كيف يمكن لهذا الوضع أن يدوم؟”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *