حرائق الجزائر تثير غضبا وجدلا واسعا


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “جون أفريك” الفرنسية إنه في مواجهة صيف دموي جديد، تتصاعد حالة الغضب ضد السلطات الجزائرية والرئيس عبد المجيد تبون، بعد سقوط عشرات الضحايا ودفنهم في مقابر جماعية، وتدمير النيران لقرى.

بحسب ما يتذكره السكان، لم تشهد الجزائر من قبل حرائق بهذه الشدة، فمنذ ليلة الأربعاء 26 أغسطس، اجتاحت حرائق عنيفة بصورة استثنائية عدة مناطق في شمال البلاد. وقد دمرت آلاف الهكتارات من الغابات، وحاصرت النيران قرى بأكملها، وأصيب مئات الأشخاص.

أما الحصيلة البشرية الرسمية فتبدو، هي الأخرى، أقل بكثير من الواقع، فالحصيلة المعلنة في 27 أغسطس تحدثت عن 12 وفاة في جيجل، وأربع وفيات في بجاية، وثلاث في تيزي وزو، وهي ثلاث من الولايات الأكثر تضررًا. لكن هذه الأرقام تتعرض بصورة متزايدة للتشكيك من خلال شهادات محلية وقوائم بأسماء الضحايا يتم تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي ظل غياب أي معلومات رسمية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، يظل من المستحيل التأكد من جميع هذه المعطيات. وتتحدث بعض المصادر عن أكثر من 150 قتيلًا.

غياب تبون

أمام حجم الكارثة، أعلن عبد المجيد تبون الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، غير أن غيابه عن الميدان أثار انتقادات وتساؤلات. فالرئيس، الذي يقضي إجازة منذ نحو عشرة أيام، لم يقطع عطلته الصيفية للتوجه إلى المناطق المنكوبة أو لزيارة ضحايا الكارثة.

وكانت درجات الحرارة المرتفعة والرياح العاتية قد شكّلت مزيجًا مناخيًا ملائمًا بصورة خاصة للانتشار السريع للنيران. قرى تحاصرها ألسنة اللهب، وسكان يفرون على عجل، ومنازل مدمرة، ومركبات متفحمة، وحيوانات نفقت اختناقًا.. في كل مكان تتكرر المشاهد نفسها من الدمار.

وفي العديد من المناطق، واجه السكان الحرائق بوسائل بدائية، مستخدمين دلاء المياه وخراطيم الري وغيرها من الوسائل المرتجلة. وتعيد هذه الصور إلى الأذهان بشكل مأساوي حرائق عامي 2021 و2022، التي أودت بالفعل بحياة 143 شخصًا.

وتبدو جيجل اليوم واحدة من أكثر المناطق تضررًا.. ففي مستشفى الميلية، حيث توجه رئيس الوزراء، يُقال إن عدد الضحايا بلغ 84 شخصًا. وفي إحدى بلدات هذه الولاية، لقي 28 فردًا من عائلة واحدة حتفهم أيضًا. وفي بني جمعة، يتم تداول قائمة تضم 74 قتيلًا على موقع فيسبوك. أما في الطاهير، فقد تم إحصاء 39 ضحية.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر ما لم تؤكدها مصادر رسمية، ومن غير المرجح أن يتم تأكيدها، لكن أمرًا واحدًا يبدو مؤكدًا: العدد المتزايد من الشهادات والصور يدل على وقوع كارثة إنسانية هائلة، تقول “جون أفريك”.

وتجري الآن أكثر المشاهد مأساوية في بعض المناطق، حيث أصبحت المنشآت الصحية عاجزة عن استيعاب تدفق جثامين الضحايا. وتُظهر صور عشرات التوابيت المتكدسة في باحة إحدى المؤسسات الاستشفائية في الميلية. كما تُظهر صور أخرى جثثًا يتم نقلها في شاحنات مبردة.

وفي بعض المناطق، نُظمت عمليات دفن جماعية في مقابر جماعية، بسبب ضيق الوقت ونقص الإمكانات. وقد أدى التحلل السريع للجثث في ظل موجة الحر إلى دفع السلطات المحلية إلى تسريع عمليات الدفن تفاديًا لحدوث مشكلات صحية.

خطة عمل غير كافية

تعيد هذه الكارثة حتمًا إلى الأذهان مأساة صيف عام 2021. ففي ذلك الوقت، أسفرت الحرائق التي اندلعت في منطقة القبائل عن مقتل 90 شخصًا. وأمام الصدمة التي هزت البلاد، تعهد الرئيس تبون بتعزيز وسائل مكافحة حرائق الغابات بشكل كبير، ولا سيما من خلال اقتناء طائرات مخصصة لإخماد الحرائق.

وقد تم، على وجه الخصوص، طلب شراء ست طائرات من طراز “بيريف”، لكن اثنتين منها فقط أصبحتا اليوم قيد التشغيل. وفي أبريل عام 2023، أعلنت الرئاسة أيضًا اللجوء إلى عقود لاستئجار طائرات، حتى لا تتكرر كارثة عام 2021. وكُلفت شركة “طاسيلي للطيران” بالمساهمة في منظومة مكافحة الحرائق والاستعانة بوسائل جوية إضافية.

وبالفعل، أُبرمت عقود مع عدة شركات أجنبية صغيرة، من بينها شركة أرجنتينية يُقال إنها خضعت لتحقيق اتحادي بشأن وقائع فساد. لكن مع تزايد أعداد الحرائق، تبدو الوسائل المتاحة مرة أخرى غير كافية.

ويبدو التناقض بين الإعلانات الرسمية والواقع على الأرض صارخًا بصورة خاصة. ففي يونيو الماضي، عرضت السلطات خطة وطنية واسعة لمكافحة الحرائق خلال صيف عام 2026. وكانت الخطة تتضمن 35 طائرة مسيرة للمراقبة، ومروحيات، ودعمًا بالأقمار الصناعية، إضافة إلى تعبئة 6 آلاف عنصر.

وبعد أسابيع قليلة فقط، تدفع الصور القادمة من المناطق المنكوبة إلى التساؤل حول مدى فعالية هذا الجهاز الذي جرى وضعه لمواجهة الحرائق.

وبعيدًا عن المأساة الإنسانية والبيئية، قد تكون لهذه الحرائق تكلفة سياسية على عبد المجيد تبون. فلم يعد الأمر يتعلق فقط بالظروف المناخية أو بالقدر المحتوم، بل أصبح يتعلق أيضًا بمدى استعداد البلاد، والتوافر الفعلي للوسائل الجوية والبرية، وقدرة السلطات على الاستباق والتخطيط، وشفافية المعلومات التي يتم تقديمها إلى السكان.

وبالتالي، فإن الفجوة بين الرواية الرسمية والصور التي يتم تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي قد تترك أثرًا عميقًا ومستدامًا في أذهان الجزائريين، تختتم “جون أفريك”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *