واشنطن: مع بداية الحرب على إيران أواخر شهر فبراير/شباط الماضي، توقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ثقة تامة، أن يستمر القتال ما بين “أربعة إلى خمسة أسابيع”. ثم عاد في نهاية مارس/آذار وقال إن الأمر سوف يستغرق “ربما أسبوعين، وربما بضعة أيام إضافية لإنجاز المهمة”.
ومنذ ذلك الحين، ردد الرئيس، مرارا وتكرارا، أن الولايات المتحدة قد انتصرت.
والآن بعد نحو ستة شهور من اندلاع الحرب، لا يرى الخبير جيمس إم. ليندسي- وهو زميل أول متميز في السياسة الخارجية الأمريكية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي- نهاية لهذا الصراع تلوح في الأفق.
ويقول ليندسي في تحليل نشره المجلس إن “الواقع مختلف”، حيث لم يشهد النظام الإيراني انهيارا، ولم يستسلم، رغم الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المكثفة التي قتلت عددا كبيرا من قادة البلاد وألحقت دمارا واسعا بالبنية التحتية العسكرية.
لم يشهد النظام الإيراني انهيارا، ولم يستسلم، رغم الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المكثفة التي قتلت عددا كبيرا من قادة البلاد وألحقت دمارا واسعا بالبنية التحتية العسكرية
ولا يزال وقف إطلاق النار الهش، الذي تم الاتفاق عليه في أبريل/نيسان الماضي، وجرى تمديده في يونيو/ حزيران، صامدا، “إلا أن حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز ما زالت أقل بكثير من مستوياتها قبل الحرب”.
وهدد ترامب، بين الحين والآخر، بشن هجمات أكثر تدميرا على إيران، لكنه تراجع عن ذلك بسبب افتقار الجيش الأمريكي إلى الصواريخ الاعتراضية الدفاعية اللازمة لحماية حلفاء واشنطن وقواعدها العسكرية في المنطقة.
وبعد تعثر ترامب على الصعيد العسكري، ألمح الرئيس الأمريكي مؤخرا إلى أنه سوف ينتظر أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى إخضاع القيادة الإيرانية.
ومن أجل تحقيق هذه الغاية، تعهد ترامب الأسبوع الماضي بإطلاق “يوم إنزال اقتصادي”، والذي سيكون “أكثر عملية اقتصادية سحقا يتم تنفيذها على الإطلاق ضد أي دولة”.
وكشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، يوم الاثنين الماضي، عن عملية “المنبوذ الاقتصادي”، لعزل إيران ماليا واقتصاديا.
وتعتمد الخطة بشكل كبير على التهديد بمعاقبة الدول التي ترفض طواعية “تضييق الخناق” على إيران، بدلا من اتخاذ خطوات لإجبارها على ذلك.
وهناك سبب وجيه وراء هذا النهج، حيث إن ما يُعرف “بالعقوبات الثانوية” التي تقترحها واشنطن، قد تؤدي، بحسب تعبير بيسنت، إلى “تفجير النظام المالي العالمي”.
ويشير الخبير ليندسي إلى أن الصين تشتري أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية، وقد دفعت بالفعل إدارة ترامب إلى التخلي عن فرض رسوم جمركية باهظة على السلع الصينية، من خلال التهديد بمنع وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الحيوية النادرة.
ومن المقرر أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينج البيت الأبيض الشهر المقبل.
ويؤكد ليندسي أن احتمال اضطراب الاقتصاد العالمي وإثارة أزمة دبلوماسية مع الصين هما السببان وراء تشكيك كثير من الخبراء في أن تمضي الإدارة الأمريكية قدما في تنفيذ تهديدها بفرض “عزلة عالمية كاملة” على إيران.
ولكن في ظل استمرار الجمود الحالي، الذي يبقي أسعار النفط مرتفعة ويثير تساؤلات بشأن قوة أمريكا ونفوذها، “هل تستطيع إدارة ترامب أن تسمح لإيران بمواصلة تهديد جيرانها وتقييد حركة التجارة عبر مضيق هرمز؟”.
احتمال اضطراب الاقتصاد العالمي وإثارة أزمة دبلوماسية مع الصين هما السببان وراء تشكيك كثير من الخبراء في أن تمضي الإدارة الأمريكية قدما في تنفيذ تهديدها بفرض “عزلة عالمية كاملة” على إيران
ويقول ليندسي إنه من أجل فهم استراتيجية إدارة ترامب بشكل أفضل، ومعرفة ما إذا كانت تتخلى عن الدور الأمريكي الذي كان مهيمنا في الخليج يوما ما، أجرى حوارا مع زميل له في مجلس العلاقات الخارجية، الخبير ستيفن كوك، ضمن أحدث حلقات بودكاست “صندوق الوارد الخاص بالرئيس”، التابع للمجلس.
وأوضح ليندسي أن الحوار خلص إلى ثلاث نقاط رئيسية، تتعلق الأولى بافتقار أمريكا لخيارات جيدة لإجبار إيران على الاستجابة لمطالبها، “فالتصعيد العسكري ينطوي على مخاطر، لأن إيران تستطيع استهداف جيرانها العرب والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. كما يمثل التصعيد الاقتصادي معضلة، لأنه يعني استعداء الصين والمخاطرة برد اقتصادي انتقامي واسع”.
ويرى الخبير ليندسي أنه ليس أمام ادارة ترامب سوى “الأمل في أن يؤدي الحصار البحري الأمريكي إلى تعميق تأثير العقوبات الأمريكية القائمة، وإجبار القيادة الإيرانية على طلب السلام”.
ويشرح أن هذا الطرح يفترض أن يتمكن الشعب الإيراني من ممارسة ضغوط سياسية مؤثرة على قيادته، ولكن “القادة المتشددين في إيران أظهروا بالفعل استعدادا قاسيا لاستخدام القوة المميتة ضد أي إيرانيين يخرجون إلى الشوارع بهدف الاحتجاج”.
أما النقطة الثانية التي خلص إليها الحوار بين ليندسي وزميله كوك، فتتمثل في أن حلفاء واشنطن بالمنطقة يتحوطون تحسبا لتراجع نفوذ أمريكا في الشرق الأوسط، والاهتمام بالمنطقة.
وأشار ليندسي إلى “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي وقعتها السعودية مع باكستان وتركيا، في وقت سابق الشهر الجاري. ولم يُنشر نص الاتفاقية، ولذلك “يصعب تقييم الادعاءات بأنها تشكل تحالفا دفاعيا حقيقيا يوفر ضمانات أمنية كبيرة شبيهة بتلك التي يقدمها حلف شمال الأطلسي (الناتو)”.
ولم ترسل باكستان أو تركيا قوات لدعم السعودية عندما نفذ الحوثيون هجمات على المملكة بعد 48 ساعة فقط من توقيع الاتفاقية.
ورجح الخبيران بمجلس العلاقات الخارجية، في نقطة ثالثة تمخض عنها الحوار، أن يتراجع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج خلال السنوات المقبلة، “لكن ذلك قد يكون سلاحا ذا حدين”.
ويقول ليندسي إنه على مدار سنوات، دعا صناع السياسات والخبراء إلى ضرورة أن تقلص الولايات المتحدة دورها في الشرق الأوسط. وخلال الأشهر الأخيرة، رأى ستيفن كوك وخبراء آخرون في شؤون الشرق الأوسط أن هذه العملية “بدأت بالفعل، مع إسهام الحرب مع إيران في بلورة نظام إقليمي جديد”.
وفي هذا الإطار، يدعو ليندسي إلى الحذر، حيث إن “تراجع انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد لا يمنع ظهور تطورات في المنطقة من شأنها الإضرار بالمصالح الأمريكية”.
وأشار في الختام إلى ما قاله ستيفن كوك، خلال حوارهما، “سوف يحاول الإيرانيون والسعوديون والأتراك والإسرائيليون، وغيرهم ترتيب المنطقة بطريقة تخدم مصالحهم على أفضل وجه. وهناك احتمال لاستمرار الصراع والفوضى نتيجة لذلك”.
(د ب أ)