ثمة أعمالٌ أدبية لا تدعوك إلى قراءتها فحسب، بل تفتح شهيتك للتماهي مع أفكارها، ولا تسدّ جوعك إلا بالكتابة عنها؛ فتمنحك متعة خلودها في الذاكرة، رغما عنك، خصوصا الأدب الفيكتوري، بما يمتلكه من سحرٍ قادر على إشعال جذوة التأمل، وإطلاق فيضٍ من الكلمات قد يستغرقك أياما. فكلما أنهيتُ قراءة إحدى رواياته، دفعتني رغبةٌ إلى العودة إلى نقطة البداية. وأعدّ رواية «صورة دوريان غراي» من أكثر أعمال أوسكار وايل،د التي تستفز عقلي لمحاورة فلسفتها؛ حتى أكاد أشعر بأنني أخوض نقاشا صامتا مع وايلد نفسه. فقد بدا لي أن ثمة خيطا رفيعا ينسلّ من صفحاتها ليستقر في قلب إنسان اليوم، وفي كل ما يذبل بصمتٍ داخل قبو الروح البشرية.
لعل روح العالم المعاصر لم تتوقف عن إعادة إنتاج الفتنة الوجودية لدوريان غراي، لكن ليس في لوحةٍ مخبأة في علّيةٍ معتمة، بل في شاشة هاتفٍ يحملها كل واحدٍ منا في جيبه؛ حيث صارت الشاشة ظلّا يعيد تشكيل الانتباه والهوية والذاكرة والعلاقات. مع الفارق المقلق أن دوريان كان يعلم أنه يخفي شيئا بشعا على الأقل، أما نحن فصرنا نمضي أعمارنا نظن أن اللوحة المعلّقة على الجدار الافتراضي هي بيتنا بفضائها الشاسع، حتى صار تضخّم المجتمعات المتخيّلة فضيلة تُقاس بها قيمتنا، وكأن الوجود على المنصة يتحول، مرة بعد أخرى، إلى تشبثٍ عميق بالحياة؛ فيغدو الاختفاء عنها نوعا من القصور الاختياري. وبصراحة، لا أستطيع تفسير هذا كله إلا بوصفه شكلا من أشكال كذب المرء على نفسه.
وكما كان اللورد هنري ينحت رغبات دوريان شيئا فشيئا؛ يسرّب إلى أذنه هوس الكمال، واللذات اللحظية، والافتتان المرضي بالمظهر، فإنه اليوم لم يعد كائنا بشريا، بل صار خوارزمية رقمية تتوارى خلف الضوء، تهمس بلا انقطاع: لن يراك أحد إن لم تكن أكثر مثالية، وأكثر قدرة على صناعة الدهشة.
وهكذا غدت منصات التواصل الاجتماعي المسرح الأكبر لمأساة الوهم البصري الحديثة؛ حيث يتوارى الجميع وراء صورةٍ مصقولة تستريح إليها عيون الغرباء، بينما تبدو علاقتهم بأنفسهم أشبه بنجّارٍ يصنع بيتا متكاملا ولا يسكنه.
إنها لفكرةٌ سيئة جدا أن يعجز الإنسان عن حب نفسه كما هي، فيلجأ إلى عرضٍ مسرحي لا ينتهي، ويفني وقته في بروفات أدوارٍ لا تمثله، ظنا منه أنها الطريق الأقصر نحو القبول. نسخةٌ تختبئ خلف رغباتٍ لا تستحق كل ذلك السعي، وتلهث بشغفٍ مُرهق نحو ما هو أبعد من واقعها، فيما النسخة الأصلية تسكنها حسراتٌ لا تنتهي؛ روحٌ صغيرة تحمل فوق أعصابها عبء العالم.
لي قناعةٌ راسخة بأن الأقنعة، وإن فتحت بعض الأبواب، لا تُبقي أصحابها طويلا في الذاكرة. حقا، قد يصفق الناس كثيرا، ويكتبون عنها قصائد المديح والغزل، حتى إذا انتهى العرض تلاشت الفقاعات بسرعة مدهشة، ولم يبقَ إلا القناع وحيدا. ولعل أصعب ما صار الإنسان يعانيه هو تقبّل ذاته بطبيعتها الفطرية، في زمنٍ تُكافأ فيه اللوحات أكثر مما تُثمَّن الحقيقة.
فالكمال والمثالية فخٌّ لا يرحم؛ لأنهما يجعلان الإنسان يطارد صورة لا يستطيع السكن فيها. وكأنّ المنصات تهمس له باستمرار: إن العالم لا يكافئ العاديين، بل يمرّ بهم كما لو أنهم غير مرئيين بالمرة. اللورد هنري الجديد لا يحتاج إلى صالونات وغداء فاخر، بل يكفيه أن يتسلل إلى عزلة غرفتك عبر هاتفك، بهمساته الكلاسيكية ولغةٍ أكثر تسطيحا: «علاج الحياة هو أن تعيشها، ولكن أن تعيشها بشكل يستحق المشاهدة». وفي مقابل كل هذا التشظي وانمحاء الوعي، لم يعد هناك حديث يروي الأمزجة في خلوتها، وتعود إليه بعد انتهاء العرض، غير التراث الأدبي وعالم الرواية، حيث التمارين الفكرية العميقة ترياقٌ بطيء لما تفعله التقنيات بكل زاوية من الذاكرة الجمعية؛ ترياقٌ يعيد إلينا القدرة على التأمل، وترف رفض تسطيح الحياة، ومنفذٌ إلى الخلاص من علاقتنا الناقصة بأنفسنا، من دون أن نحوّل كل لحظة إلى هروبٍ نحو محتوى مشتّت ومضياع للأثر.
وربما نستطيع أن نغلق الباب في وجه همسات اللورد هنري، حين نستعيد لحظات حفظ الذاكرة. فالأدب مرآةٌ ومخزنٌ أمينٌ للذاكرة غير المخادعة؛ يخبرنا طوال الوقت أن الوجه ينبغي أن يكون كما هو، وأن الإنسان لا يُختزل في قالبٍ متجمّد، أو شعورٍ واحد، أو فكرةٍ واحدة مطابقة للجميع؛ بل هو إنسانٌ ناقص، عادي، متناقض، ليس بطلا روائيا ولا نبيلا هاربا من قصور العصر الفيكتوري، وجديرٌ بالانتباه لا لأنه يستحق المشاهدة، بل لأنه يستحق الحياة؛ لا دمية تتحرك على خشبة المسرح وقتما يتطلب الإغراء بالعروض.
في النهاية، طعن دوريان لوحته؛ فمات هو، ونجت الحقيقة. لأنني أؤمن بأن اللورد هنري لا يغوي إلا من يتقبّل الغواية. أما نحن، فلا نزال نحمل لوحاتنا في جيوبنا، ونحدّق فيها كل صباح. نسأل، بقشعريرة العارفين: متى يموت اللورد هنري، فننجو من جاذبيته الفاسدة قبل فوات الأوان؟
فما من شيءٍ يجدي في الحياة سوى أن نعيشها كما هي، بعيدا عن اختراعات تعيد تشكيلنا كما تريد.
كاتبة عراقية