لا تخلو الحياة من المواقف المضحكة في المحادثات الشخصية أو الظواهر الغريبة في الأعلام سواء في الأعلام أو وسائل التواصل الأجتماعي التي أصبحت مصدرا هاما لمختلف المبالغات. و أقص هنا مثالين على ذلك.
المؤرخ الكبير نجدة فتحي صفوة:-
كانت لدي نقاشات طويلة مع المؤرخ الكبير المرحوم نجدة فتحي صفوة عندما كان ساكنا في عمان، الاردن، و كان مصدرا لا ينضب للمعلومات التاريخية لاسيما ان حدة ذاكرته التي كانت مثير للاعجاب. و لكن تخللت مناقشاتنا بعض المواقف مضحكة. و منها عندما اتصلت به في احدى المرات من صنعاء للتباحث حول أحد المواضيع التاريخية. و طال الحديث، و بطريقة ما ذكرت بكر صدقي حيث قلت انه لم يكن كرديا و لم يتحدث الكردية، فابدى الاستاذ نجدة انزعاجه قائلا
«و من قال انه لم يتكلم الكردية؟»
ابتسمت (لم يلاحظ ابتسامتي لان الحديث كان هاتفيا) و ذكرت أن احدهم قد ذكر ذلك مؤخرا و هو مرجع مهم. و هنا اصبح الغضب واضحا في صوته و قال «و من هو ذلك المرجع المهم؟. و كان جوابي «انت، لقد كتبت ذلك بنفسك في عدد اليوم لجريدة القدس العربي. و المقال امامي». و لم يجب المؤرخ الشهير، و لكني انقذت الموقف بتغيير الموضوع كي لا اجعله يشعر بالحرج.
في حادثة ثانية، اتصلت به لاساله حول موضوع ما، و ذكرت مصادفة ان الكاتب العراقي الشهير فؤاد التكرلي قد توفي صباح ذلك اليوم. و اذا بالاستاذ نجدة يعترض قائلا:-
«مستحيل.»
استغربت من جوابه و سألته
«لماذا مستحيل؟»
أجابني بانفعال
«لدي موعد معه بعد يومين.»
حاولت قدر جهدي أن يكون صوتي هادئا كي لا أزيد من انفعاله
«استاذ نجدة، لا اعترض ان لديك موعد معه، و لكنه توفي.»
غضب المؤرخ الشهير أكثر، فرد بحدة
«لقد كنا مدعوين عند احد الاصدقاء قبل ايام، و اتفقنا على اللقاء بعد أسبوع أي بعد يومين من اليوم. و لذلك فانني سالتقي به بالتأكيد. فمن المستحيل انه قد توفي.»
لاحظت ان سياق الكلام اصبح غريبا و ان الغضب بدأ يزداد بوضوح من نبرة صوته، فاقترحت عليه
«عزيزي الاستاذ نجدة، لا تغضب. و لكن لدي رجاء صغير.»
«ماهو؟»
«بعد لقاءك به، اكون شاكرا ان اتصلت بي و ابلغتني عن صحته.»
«بالتأكيد.»

لم يتصل بي الاستاذ نجدة حول هذا الأمر. و لم اتطرق اليه مجددا في محادثاتنا اللاحقة. و لكن الأمر كان سيصبح مثيرا جدا ان أخبرني أنه التقى بفؤاد التكرلي
المغنية و المونولوجست عفيفة اسكندر:-
هنالك الكثير من العوامل التي تؤثر على صورة المرء في مخيلة الناس لاسيما اذا كان شخصية شهيرة بغض النظر عن سبب الشهرة. و احد اكثر الأمثلة اثارة للضحك المغنية العراقية عفيفة اسكندر التي تحولت مؤخرا إلى ناشطة سياسية و شخصية ثقافية و ذات أصول أوروبية و سكنت في قصر يعرفه الجميع و كان لها مجلس ادبي يحضره كبار المثقفين العراقيين.
لنبدأ باصولها، فقد ظهرت قصة انها من مواليد مدينة الموصل و ان والدها كان ارمنيا بينما كانت والدتها يونانية. و لكن كل هذا كان خيالا لانها لم تعرف والديها أصلا حيث كانت قد عثر عليها كطفلة رضيعة من قبل موظف يعمل لدى بلدية الموصل، و أعرف أسمه و عائلته. و لان بلدية الموصل في تلك الفترة كانت مفلسة و لم تملك برامج رعاية لهؤلاء الاطفال، فقد حارت بها. و في تلك الاثناء سمعت «راقصة» في المدينة تدعى ماريكا بأمر الطفلة و كانت تتمنى ان يكون لديها ابنة، فطلبت تبني الطفلة. و بهذا الشكل اصبحت ماريكا والدتها بالتبني و اطلقت عليها اسم عفيفة. و كبرت عفيفة و اصبحت مغنية ثم تزوجت عازف العود في الفرقة المصاحبة لها، و كان اسمه اسكندر. و بذلك اصبح أسمها عفيفة اسكندر. و اسست عفيفة اسكندر بعد ذلك ملهى بارادايس في بغداد بالقرب من شارع ابو نواس. و يعد هذا المقهى قمة عطائها الثقافي لمن يعد هذا النشاط نوعا من الثقافة.
لم تعرف عفيفة اسكندر بالجمال. و لذلك، فان تسميتها ب»فاتنة» بغداد مثير للسخرية. و اذا ظن البعض انها كانت جميلة بسبب الصور، فان المصور و مسؤول المكياج و برامج التلاعب بتفاصيل الصور كان من يستحق الثناء، و ليس صاحبة الصورة.
لم تسكن عفيفة اسكندر في قصر يعرفه الجميع كما ادعى صحفي في مقابلة أجراها معها في الخمسينات لمجلة مصرية، بل سكنت في بيت صغير مستأجر. و لم يكن يقام لديها مجلس للمثقفين و السياسيين، بل ان مستواها الثقافي كان ضحلا جدا.
لكن أغرب ما ذكر عنها مؤخرا أنها كانت تغني بعدة لغات منها الألمانية و الأنجليزية و أن كبار السياسيين في العهد الملكي كانوا يحاولون كسب ودها نظرا لنفوذها الخطير حيث رغباتها تطاع حتى أنها كانت قادرة على الغاء حكم أعدام باتصال هاتفي بسيط. و لم يحدد مؤلف هذه الحكاية الخيالية المضحكة بمن كانت تتصل هذه المغنية، و اذا كان ذلك نوري السعيد، فلم يملك هذا السياسي المحافظ و الذي عرف برزانته صلاحية الغاء احكام الاعدام. و لذلك لعلها كانت تتصل بالملك فيصل الثاني أو خاله ولي العهد الأمير عبدالأله. و اذا كانت بهذا النفوذ الكبير لعلها كذلك كانت تتوسط بين الدول العظمى. يا للهول لقد كانت شخصية خطيرة جدا، فيا لسوء حظ من يدخل معها في مشكلة. و ادعى البعض مؤخرا انها كانت معارضة للحكم الجمهوري و تؤيد العهد الملكي. و انها كانت ترفض الغناء في الحفلات التي تقيمها الكلمات العراقية في العهد الجمهوري. و في الحقيقة انها غنت باسهاب في الحفلات الرسمية في العهد الجمهوري و اتذكرها جيدا عندما غنت في حفل اقامته الحكومة العراقية بمناسبة التأميم. و لهذا الحفل حكاية مضحكة حيثقامت الحكومة العراقية عام 1972 بتأميم قطاع النفط في العراق. و اعتبرت الحكومة هذه الخطوة أنتصارا كبيرا يستحق الأحتفال، فانتشرت الأحتفالات في مختلف أنحاء العراق و منها كركوك التي استضافت أحتفالا كبيرا حضره عدنان الحمداني (وزير التخطيط) و الدكتور فخري قدوري (وزير الأقتصاد). و كانت ضمن برنامج الحفل المغنية العراقية عفيفة أسكندر و التي غنت أغنية عراقية شهيرة تقول «يا من تعب، يا من شكا، يا من عالحاضر لكا». و لكن عدنان الحمداني فهم مغزى الأغنية بطريقة مختلفة و أنها في الحقيقة تهاجم قرار التأميم للحكومة العراقية، فجن جنونه و أقسم أن يعاقب عفيفة أسكندر و اعدامها، و كان بالتأكيد قادرا على ذلك. و فاجأ هذا فخري قدوري الذي اندفع لثني عدنان الحمداني عن قراره مؤكدا أن المغنية لا تعي مثل هذه الأمور و أن اختيارها هذه الأغنية كان قرارا بريئا و بعيدا عن أي مغزى سياسي. وفي هذه الأثناء لم تكن عفيفة أسكندر أن معركة حامية تدور في موقع الحفل أثناء غنائها قد تودي بها. و لكن لحسن الحظ نجح فخري قدوري في مسعاه و انتهت تلك الحفلة بسلام و دون اعدامات.
باحث و مؤرخ من العراق