جاكي خوري
بعد مرور عقدين على غياب الانتخابات العامة في السلطة الفلسطينية، يعود الحديث في النظام السياسي الفلسطيني إلى القوائم والمرشحين والتحالفات. في 9 تموز الماضي، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، مرسوماً رئاسياً يقضي بإجراء انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في 28 تشرين الثاني في الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس. في حين يعيش الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء، واقعاً مريراً من الدمار والتهجير والأزمة الاقتصادية والقمع والتوسع الاستيطاني، وشعور عميق بانعدام أي أفق سياسي. وبدأت تتبلور في الأسابيع الأخيرة تحركات قد تغير الخريطة الفلسطينية الداخلية، بالتحديد في الساحة السياسية.
لقد استقبل الشارع الفلسطيني إعلان الانتخابات بفتور نسبي. لقد تم قطع وعود بالانتخابات والمصالحة وطي صفحة الماضي أكثر من مرة، لكنها فشلت في نهاية المطاف. ولكن في هذه المرة، على الأقل وفقاً لما يجري وراء الكواليس، ثمة شعور بضغط أكبر، عربي ودولي، لدفع العملية السياسية في السلطة الفلسطينية. وقد تكون الانتخابات جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تشكيل النظام الفلسطيني وتمهيد الطريق لانتخاب وريث لعباس في الانتخابات الرئاسية بعد بضعة أشهر. وبالتالي، ترسيخ قيادة سياسية قادرة على التعامل مع الواقع الذي سيتبلور في قطاع غزة والضفة الغربية بعد الانتخابات في إسرائيل. مع ذلك، السؤال الرئيسي المطروح في الساحة الفلسطينية ليس من الذي سيترشح في الانتخابات، بل هل سيتم إجراء الانتخابات أصلاً.
نشر أحدث استطلاع أجراه المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والاستطلاعات برئاسة البروفيسور خليل الشقاقي، في 17 آب الحالي. ويظهر الاستطلاع ارتفاعاً طفيفاً في ثقة الجمهور بفرصة إجراء الانتخابات في هذه المرة. ولكن الجمهور ما زال بعيداً عن الاقتناع بإجرائها. 49 في المئة فقط من الفلسطينيين يرجحون إجراء الانتخابات في تشرين الثاني، مقابل 44 في المئة يعتقدون أنه لن يتم إجراؤها في الموعد المحدد. وتعتبر الثقة أعلى قليلاً في قطاع غزة، حيث يعتقد 55 في المئة من سكان القطاع بأنه سيتم إجراء الانتخابات، مقابل 45 في المئة في الضفة الغربية.
وجاء هذا التحرك نتيجة البيان الصادر من العلمين في مصر. وجاء فيه أن هناك محادثات متقدمة لتشكيل تحالف سياسي واسع يضم حماس والجهاد الاسلامي والجناح الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان وفصائل فلسطينية أخرى.
قبل أسبوعين، في إطار المحادثات في مصر حول خارطة طريق لمستقبل قطاع غزة، وصل دحلان، الخصم اللدود لمحمود عباس، إلى العلمين، والتقى مع جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي ترامب، بالإضافة إلى مسؤولين مصريين رفيعي المستوى وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، بمن فيهم قادة حماس البارزين وعلى رأسهم خليل الحية. لم تثمر التحركات السياسية حول مستقبل غزة حتى الآن اتفاقاً حقيقياً، لا سيما في ظل معارضة إسرائيل للمواضيع المتعلقة بنزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الإسرائيلي من القطاع. مع ذلك، زادت هذه المحادثات غير المثمرة من تعقيد الوضع السياسي الفلسطيني.
من الأسماء المطروحة في سياق التحالف الذي يسعى أنصار دحلان إلى تشكيله، أشخاص مستقلون مثل ناصر القدوة، وزير الخارجية السابق وابن شقيقة ياسر عرفات، بالإضافة إلى ممثلين عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني. الفكرة، على الأقل في هذه المرحلة، هي فحص إمكانية تشكيل قائمة مشتركة تخوض الانتخابات في مواجهة قائمة فتح الرسمية.
مصدر فلسطيني رفيع مطلع قال لـ “هآرتس” بأن المحادثات لم ينتج عنها حتى الآن اتفاق. وأضاف بأن المعسكر الفلسطيني الليبرالي يضم أشخاصاً يترددون في الموافقة على الفكرة. مع ذلك، فإن مجرد مناقشة حماس وحركة دحلان لإمكانية إنشاء إطار انتخابي مشترك يعتبر بحد ذاته تطوراً مهماً. فقد وقف الطرفان على طرفي نقيض لسنوات. كان دحلان أحد أبرز شخصيات فتح في قطاع غزة، وقائد جهاز الأمن الوقائي، في حين أصبحت حماس هي المنافس الرئيسي لحركة فتح.
في الوقت الراهن، يصعب تصور مصالحة تاريخية بين المعسكرين؛ فهذا أقرب إلى تحالف سياسي، تكتيكي وبراغماتي، نشأ من أزمة عميقة ومحاولة كل طرف ضمان مكانته في النظام المستقبلي في مواجهة السلطة الفلسطينية وحركة فتح برئاسة محمود عباس. بالنسبة لحماس، قد يسهم انخراطها في الانتخابات في الحفاظ على نفوذها السياسي بعد الحرب، ويفضي إلى اندماجها في النظام كمنظمة شرعية بعد نزع سلاحها. أما بالنسبة لدحلان فتعتبر هذه فرصة للعودة إلى مركز الساحة الفلسطينية، وليس مواجهة مباشرة مع محمود عباس.
لكن تظهر هنا أسئلة جوهرية: هل ستوافق حماس على الالتزام بمبادئ م.ت.ف وعلى الاتفاقيات التي وقعت عليها السلطة الفلسطينية؟ هل ستوافق الأطراف الأخرى على قبول حماس كجزء من نظام سياسي مشترك؟ هل ستوافق كل الأطراف مسبقاً على قبول نتائج الانتخابات حتى لو لم تكن في صالحها؟ أسئلة ما زالت دون اجابات واضحة.
مع ذلك، تظهر الاستطلاعات التي أجراها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسيات والاستطلاعات أنه في حالة قيام القوى الوطنية والإسلامية المعارضة لتشكيل قائمة مشتركة، فإن 22 في المئة من الجمهور مستعد للتصويت لها، وهي نفس النسبة التي حصلت عليها قائمة فتح. هذه تفاصيل مهمة لأنها تشير إلى أن قائمة جديدة تشمل عناصر كانوا في السابق خصوماً، قد تصبح بسرعة لاعباً رئيسياً في النظام السياسي.
ومن المسائل الأخرى التي لم تتضح تماماً بعد، هي كيفية مشاركة مروان البرغوثي في الانتخابات – هل سيقدم قائمة مستقلة أم سيكون جزءاً من حركة فتح أم سينضم إلى القائمة المشتركة؟ في حالة تشكيل البرغوثي لقائمة منافسة لقائمة فتح الرسمية، قال 33 في المئة بأنهم سيصوتون لقائمته، مقابل 14 في المئة سيصوتون لحركة فتح. أما دحلان، إذا ترشح بقائمة مستقلة، فسيحصل على تأييد 17 في المئة مقابل 16 في المئة لفتح.
أبرز النتائج تتعلق بالانتخابات الرئاسية التي لم يتم تحديد موعدها حتى الآن، ولكن يتوقع إجراؤها في آذار القادم. في حالة ترشح محمود عباس وخليل الحية ومروان البرغوثي، تظهر الاستطلاعات حصول البرغوثي على 54 في المئة من الأصوات مقابل 26 في المئة للحية و14 في المئة لعباس.
وحسب ممثلي التيار الإصلاحي، فقد كان اللقاء في العلمين مع ممثلي فتح إيجابياً، لكن لا توجد حتى الآن خطوات عملية تثبت إبراز تقدم فعلي في المصالحة. ويرى هؤلاء أن الكرة الآن في ملعب محمود عباس.
في الساحة السياسية لا يقتنع الفلسطينيون، خاصة العناصر التابعة لحماس وللفصائل الأخرى، بنوايا دحلان وجماعته لتشكيل قائمة مشتركة، ويتساءلون إذا كان هدفهم الرئيسي هو الضغط على قيادة فتح برئاسة محمود عباس لجعلها توافق على المصالحة الداخلية.
هآرتس 27/8/2026