زائر «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» OFAC، التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، يعثر على لائحة تشمل أكثر من 35 دولة وكياناً اقتصادياً تفرض عليها الولايات المتحدة عقوبات متنوعة، بعضها يعود إلى تاريخ تأسيس المكتب في سنة 1950. والعناوين تبدأ من أفغانستان وبيلاروسيا وبورما وليبيا، ولا تكاد تنتهي عند روسيا وكوريا الشمالية ونيكاراغوا وإيران، ولا تغيب عنها دول حليفة للغرب مثل أوكرانيا، أو خضعت لاجتياح أمريكي مثل العراق وفنزويلا.
وفي واحدة من أبرز دلالات هذا التنوع، خاصة حين يشمل تجارة الماس وقضاة محكمة العدل والجنائية الدوليتين وعلوم البرامج النووية، أنها إعلان صريح على عجز العقوبات عن إحداث تغيير جوهري في بنية الجهة المعاقبة، وتأثيرها على الضحايا المباشرين غير المسؤولين عن السياسات أو الأنظمة، عدا عن نتائج معكوسة لجهة تطوير شبكات إنتاجية صناعية وتجارية تتجاوز مفاعيل العقوبات.
هذه الحال سبق أن سجلتها عقوبات فُرضت على العراق قبل الاجتياح الأمريكي سنة 2003، وعلى الطغمة العسكرية الحاكمة في ميانمار، وعلى الاتحاد الروسي. ولعل أوضح الأدلة على الفشل الذريع أن صندوق النقد الدولي أقرّ، في نيسان/ أبريل 2024، بأن الاقتصاد الروسي سوف ينمو أسرع من أي اقتصاد في العالم المتقدم، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها. وإذا كانت العقوبات، التي جاءت رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا خاصة، قد أضعفت الروبل قليلاً، فإن التأثيرات الإجمالية ظلت محدودة في غالبية القطاعات.
وبالتالي يصحّ في هذه الحال النظر إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير توسيع نطاق العقوبات الثانوية على كيانات ودول تقيم علاقات تجارية مع إيران، وشاء توصيفه تحت مسمى «إنزال النورماندي الاقتصادي»، وتولى وزير الخزانة عرض تفاصيله خلال مؤتمر صحافي مؤخراً، كما تزامن مع تحذير وزير الحرب الأمريكي من أن واشنطن لا تستبعد استئناف القوة العسكرية.
وإذ تعددت مراراً وتكراراً تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين حول تحقيق «النصر» على إيران، وذلك منذ بدء الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية في 28 شباط/ فبراير الماضي، فإن وزير الخزانة لم يتخلف عن الركب فأطلق على سلسلة العقوبات الأحدث تسمية «يوم النصر الاقتصادي»، سلفاً وحتى قبيل تطبيق خطوة واحدة من هجوم «الخنق الاقتصادي» حسب تعبير البيت الأبيض.
وهذه حرب تدخل شهرها السادس من دون تحقيق أي من الأهداف الكبرى المعلنة التي أعلنتها الإدارة الأمريكية على سبيل تبرير شنها، فلم تنجز عملياً سوى إزهاق آلاف الأرواح البريئة وإلحاق الدمار الشامل بالبنى التحتية المدنية في إيران، وإغلاق مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل ابتداء العدوان، والإضرار الشديد بالاقتصاد العالمي وتوريدات الطاقة. ولا يخفى أن الجولة الأمريكية الأحدث عهداً إنما تخاطب الداخل الأمريكي أولاً، حيث تهبط شعبية الرئيس الأمريكي أسوة بشرعية الحرب إلى مستويات دنيا، ويخيم شبح انتخابات الكونغرس التكميلية على المشهد بأسره.
بند جديد يُضاف إلى لائحة الـOFAC إذن، ليس أكثر غالباً، وإن كان القليل فيه يثقل كاهل سواد الشعب الإيراني، ويضيف جريمة حرب جديدة إلى سجلات البيت الأبيض الحافلة.