تبدو رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان حاملة للكثير من الطرافة، فبقدر ما تبدو شخصيتها الرئيسية مثيرة للشفقة والتعاطف، فإن ارتطامها بالمجتمع يقدم لوحات ساخرة عن التفكير الاجتماعي السائد. وتبدو هذه الشخصية في حالة تصادم بين الذاكرة التي تحجب الحاضر وتفرض نفسها من جهة، والراهن الذي يتصادم مع ما تمليه هذه الذاكرة ويجعل صاحبها يتعرض إلى العنف.
حمودة.. الرجل التائه
لقد شكل الروائي شخصية حمودة من الواقع اليومي، فهناك في مجتمع اليوم أكثر من حمودة، وطرح هذا النموذج يعد في حد ذاته إحالة على هذا العصر وأمراضه، فشوارع المدن والقرى تشهد نماذج كثيرة شبيهة بهذه الشخصية. فحمودة شخصية ثرية يفتك بها العصر، فتفقد عقلها وتفلت من رقابة الأسرة وتتيه بين فضاءات مختلفة. انتقل حمودة من صاحب مقهى العهد الجديد إلى صاحب مقهى الثورة، ثم تاهت ذاكرته. وفي تغيير اسم المقهى دلالات كثيرة، فبين العنوانين تناقض تاريخي تام، يحيل الأول إلى سلطة ما قبل الثورة والثاني إلى ما بعدها، وقد استغل الروائي هذه الناحية ليشير إلى المتقلبين في الولاء، ممن يحافظون على ولائهم لكل الأنظمة ويتجددون مع كل تحول سياسي، ويرفعون راياته…
يتقلب في أماكن كثيرة وتظل العائلة باحثة عنه بكل الأساليب، من دون جدوى… يدخل المقاهي والحانات والمساجد وأضرحة الأولياء وزرائب الأغنام، تقوده الصدف إلى ذلك، ولكنه فاقد لعقله ولإحساسه بالحاضر، فهو يعيش على وقع الماضي، يردد ما قاله في الماضي ويفعل ما تعود عليه. قادته قدماه إلى أماكن مختلفة وجوبه بالخير والشر. رأف بحاله البعض وقسا عليه البعض الآخر. أكرمه صاحب المقهى وطرده نادله خوفا، واعتدى عليه مواطنون في حين أكرمه آخرون… تقلب في هذا التيه بين صور عديدة من دون أن يدري. اشتغل نادلا وعده البعض مجرما ولصا، ثم عده البعض الآخر وليا صالحا، واعتبره آخرون ذات اجتماع سياسي مندسا…
وحري بنا في هذا المستوى أن نقف عند دلالات هذه الشخصية وما تثيره من إيحاءات. فحمودة بين ثنائيات عديدة، بين الماضي السعيد والحاضر التائه. ومن الجدير أيضا الوقوف عند ظاهرة العنف الذي تعرض له أكثر من مرة، فمن المؤلم أن نراه يتعرض للغطرسة والعنف والضرب المبرح، وهو البريء مما نسب إليه والعاجز عن الإجابة، وهو فاقد العقل.
لقد حول عباس سليمان روايته من سرد واقع إنساني حزين ومؤلم، واقع الضياع، إلى رواية ساخرة تمس سخريتها مجالات عديدة، وهو ما سنتوقف عند بعضه لأن المجال لا يسمح بالغوص فيه. وأبرز صورة ساخرة هي تلك التي رسمها الروائي للمشهد السياسي المعاصر بعد الثورة.
العنف وأوهام الساسة
يتعرض حمودة في مغامرة تيهه إلى عنف سياسي شديد من طرفين سياسيين متناقضين في الساحة التونسية، بالتهم والأدوات العنيفة نفسها. يمر بالاجتماع الأول، وهو اجتماع ذو توجه إسلامي تسوده هتافات التكبير، فيهتف من دون وعي مستعيدا صورة من الماضي، بحياة الزعيم بورقيبة، فينقض عليه المشرفون على الاجتماع وينفرد به بعضهم ويعنفونه على وقع التكبير، معتبرين إياه مندسا ومبعوثا من النظام السابق لإفساد اجتماعهم.
«صعد رجل إلى منصة وشرع يخطب ملوحا بذراعه رافعا صوته عندها اشتعلت الصورة القديمة في رأس حمودة أكثر: رجل فوق وجموع تحت ولفظة الزعيم تدور في مكبر الصوت. كفاه هذا المشهد ليعود الوجه القديم الذي ملأ طفولته، فاندفع يشق الجموع وهو يصيح:
يحيا بورقيبا يحيا بورقيبا
بالروح بالدم نفديك يا بورقيبة».
هذا الهتاف الذي اندفع إليه حمودة بلا وعي، وهو ناتج من تصادم اليومي مع الذاكرة، أزعج الطرف السياسي ودفعه إلى تخمينات واستنتاجات لا طائل منها ولا صحة لها: «التفت بعض منظمي الاجتماع بعضهم إلى بعض. تغيرت الوجوه القريبة من المنصة، كان الشعار وحده كافيا ليوقظ خوف الحملة من خصوم يتربصون بها…». هذا التوجس دفعهم إلى اعتباره مندسا ومارسوا معه العنف وهم يكبرون اعتقادا منهم بأنهم يتصدون لعدو: «تقدمت الأجساد نحوه. أحس بالأيدي تمسكه من كتفيه وتجره بعيدا… كانوا يضربونه ضربا مبرحا يقطع نفسه ويغمى عليه، وهم يتصايحون: الله أكبر… الله أكبر».
هذا المشهد الفظيع يتكرر مع حمودة في حملة ثانية أصحابها من ذوي التوجه اليساري، مارسوا معه الأسلوب نفسه بالطريقة نفسها، وانقضوا عليه بعد أن هتف مكبرا، متهمين إياه بكونه مندسا لإفساد حملتهم الانتخابية… «كانت الكلمات تصل منكسرة. مندس تكفير بعثوه الحملة…» و«اندفعوا إلى تأديب الذي اقتحم عليهم حملتهم وهو يصيح الله أكبر». تعرض إلى عنف شديد كالعادة: «رفسوه بأرجلهم وركلوه وبصقوا عليه وأدموا فمه… غاب عنه الجرم الذي يريدون منه الاعتراف به».
هذه الصورة الفاضحة تتجاوز واقع الرواية لتتقاطع مع الواقع السياسي، فهي تعبر عن موقف من الأطراف الفاعلة، فهي تمارس العنف بالحدة والأساليب ونمط التفكير نفسها، وهي صورة قاتمة للمشهد السياسي المعاصر…
والتفكير في شخصية حمودة أيضا يجعلنا نبحث عن رمزية دسها الروائي في شخصيته. أليست أزمة الماضي أزمة عامة؟ لقد صار الماضي عند الكثيرين أزمة نظرا لتغير ملامح الواقع بشكل كبير، والرواية تدور دلالاتها في تلك التخوم.
وعلى كل، فلقارئ الرواية أن يتيه بدوره في ثنايا شتى، فهي رواية طريفة ويمكن القبض على معانيها انطلاقا من مسالك مختلفة.
كاتب تونسي