بغداد ـ «القدس العربي»: بينما تنشغل الحكومة الاتحادية في بغداد، بملفي انسحاب قوات «التحالف الدولي» المناهض لتنظيم «الدولة الإسلامية»، في الموعد المقرر نهاية أيلول/ سبتمبر المقبل، وإتمام مشروعها الرامي للسيطرة على سلاح الفصائل الشيعية المسلحة، حثّ مسؤولون أكراد السلطات الاتحادية على أهمية «معاقبة» تلك الفصائل التي قالوا إنها تقف وراء استهداف الإقليم بأكثر من ألف هجوم، وعدم الاكتفاء بمنعها فقط من تنفيذ هجمات إضافية.
«ممنهج ومتواصل»
وأكد مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، سفين دزيي، أن الإقليم يتعرض لاستهداف «ممنهج ومتواصل» منذ اندلاع الحرب في المنطقة، مما ألحق أضراراً بالغة باقتصاده وأرواح مواطنيه، مطالباً الحكومة الاتحادية في بغداد بعدم الاكتفاء بمنع الفصائل المسلحة بل محاسبتها ومعاقبتها قانونياً.
وقال في مؤتمر صحافي إنه «للأسف الشديد، منذ بداية هذه الحرب وإقليم كردستان في دائرة الاستهداف المباشر، على الرغم من أن الإقليم لم يكن يوماً جزءاً من هذا الصراع، وكان ولا يزال ينادي بترسيخ الاستقرار ومعالجة الأزمات عبر طاولة الحوار».
وكشف مسؤول العلاقات الخارجية عن تعرض الإقليم لـ«أكثر من 1000 هجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة»، مبيناً أن «هذه الاعتداءات خلفت خسائر بشرية ومادية جسيمة، تمثلت في سقوط شهداء وجرحى بين صفوف المواطنين، فضلاً عن استهداف وتخريب البنية التحتية الاقتصادية للإقليم».
وأشار إلى أن «الهجمات الأخيرة قوبلت بإدانات دولية حازمة وصريحة من قبل البعثات الدبلوماسية والقنصليات الأجنبية»، مشدداً على أن «الحكومة الاتحادية في بغداد، تتحمل جزءاً أساسياً من المسؤولية الدستورية والأخلاقية لحماية السيادة وصون أمن كافة المواطنين».
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن «الهجمات المنطلقة من داخل الأراضي العراقية تشكل خطراً بالغاً»، حاثّاً في الوقت عينه على «اتخاذ خطوات وإجراءات رادعة ضد تلك الجماعات؛ إذ يتعين معاقبة ومحاكمة الفصائل المسلحة التي تقف وراء هذه الهجمات، وألا يقتصر الإجراء الحكومي على مجرد محاولة منعها».
وفي 17 آب/ أغسطس الجاري، تعرض المكتب الخاص لرئيس حكومة إقليم كردستان العراق، مسرور بارزاني، بالإضافة إلى مقر إقامة مدير وكالة الاستخبارات المحلية «باراستن» في قضاء بيرمام في محافظة أربيل، عاصمة الإقليم، لهجوم بطائرات مسيرة مفخخة قادمة من إيران، حسب الرواية الرسمية للحكومة الكردستانية.
في الأثناء، يؤكد المتحدث باسم رئاسة إقليم كردستان، دلشاد شهاب، أن العلاقات بين إقليم كردستان وبغداد ممتازة وتسير نحو المزيد من التقدم، مشيراً إلى أن العراق يمر بمرحلة حساسة للغاية ويواجه أزمتين حادتين في الوقت الراهن.
وقال شهاب، في مؤتمر صحافي أيضاً، إن «العراق يواجه حالياً مشكلتين كبيرتين؛ الأولى تتعلق بالجانب الاقتصادي الخاص بتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، وهي أزمة نشأت عقب اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما وضع البلاد أمام تحديات مالية».
أربيل أبدت استعدادها لتقديم الدعم لمعالجة السلاح المنفلت
وأضاف أن «المشكلة الثانية تتمثل في ملف السلاح المنفلت لدى الجماعات المسلحة كيفية معالجته»، موضحاً أن «العراق يمر بظرف حساس جداً أثناء محاولته معالجة هاتين الأزمتين، ولا يحتمل خلق أي مشكلات إضافية».
ووفق المتحدث باسم الرئاسة الكردستانية أن «مشاركة رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في اجتماع ائتلاف إدارة الدولة في بغداد، أثبتت أن الإقليم على أتم الاستعداد لتقديم كل أشكال الدعم والمساندة للحكومة العراقية لتجاوز هاتين العقبتين»، مشيراً إلى أن «حكومة الزيدي الجديدة تعمل على حل المشكلات الداخلية وكذلك الملفات العالقة مع الإقليم، وهناك إرادة حقيقية للحل دون أي مساعٍ لإبقاء الأزمات مفتوحة».
ويرى أن «إقليم كردستان كان وما زال داعماً ومساعداً لجميع الخطوات التي تتخذها الحكومة العراقية نحو الإصلاح وحل المشكلات، ورئيس الإقليم مستعد لتقديم كل العون في هذا الإطار».
يتزامن ذلك مع قيادة الحكومة الاتحادية برئاسة علي الزيدي، مشروعاً يهدف لحصر سلاح الفصائل بيد الدولة، وإنهاء ملف وجود الفصائل التي تعمل خارج إطار الحكومة وتوجهها. ورغم حساسية هذا الملف الذي تعترض عليه فصائل شيعية بارزة تمثل الأقطاب الرئيسة في ما يُعرف بائتلاف «المقاومة الإسلامية في العراق»، غير أن الحكومة تُبدي إصراراً على المضي في هذا المشروع.
أربعة طرق
السياسي العراقي والقيادي في ائتلاف «متحدون»، أثيل النجيف، كان قد حدّد أربعة طرق أمام الحكومة والفصائل في إتمام ملف «حصر السلاح».
وذكر في «تدوينة» له إن «ما بين الحكومة العراقية والفصائل التي لم تندمج بعد في الدولة أربعة طرق لا خامس لها».
واعتبر أن الطريق الأول يتمثل في أن «تندمج اندماجاً حقيقياً، فتسلّم السلاح والقرار معاً»، فيما يرى أن الطريق الثاني هو «المواجهة، وهذه كلفتها باهظة على الجميع»، مشيراً إلى إن ثالث الطرف هو أن «تتفكك مع الوقت»، بينما عدّ الطريق الأخير هو أن «تندمج في الورق وتبقى كما هي في الواقع».
وأضاف: «الرابع هو الأرجح في تقديري، لأنه الطريق الذي لا يخسر فيه أحد شيئاً ظاهراً، ولا يُطلب فيه من أحدٍ أن يتنازل»، مبيناً إن «معنى هذا الطريق بسيط: تختفي الأسماء واللافتات، ويبقى النفوذ. لا بيان ولا استعراض ولا تصريح، لكن المدير الذي رفض معاملة يجد من يزوره في بيته، والمقاول الذي فاز بمناقصة يُطلب منه شريك لم يتقدّم بعطاء، والصحافي الذي كتب مقالاً يتلقّى اتصالاً من رقم لا يعرفه، ولا أحد يوقّع باسمه».
وتابع: «هنا الحيلة كلها: الرسالة تصل واضحة، والمرسِل لا يُعرف، فمن أراد أن يخيف نجح، ومن أراد أن يحاسب لم يجد من يحاسبه»، مستدركاً بالقول: «ولو سألت: أين الدولة من هذا؟ فالدولة موجودة، بمبانيها وموظفيها ورواتبها، لكنها تكون قد فقدت الشيء الوحيد الذي يجعلها دولة، وهو أن تكون هي وحدها من يملك القوة».
ولفت إلى أنه «لا يقولنّ أحد إن الأمر شأن أمني يخصّ الأجهزة. فأثره في الناس أعمق مما في الأجهزة. فأول ما يتغيّر أن الموظف يتعلّم أن السلامة في السكوت، ثم يتعلّم أن يقيس قراره بمعيار من يخافه لا بمعيار القانون، ثم يأتي الأب فينصح ابنه ألّا يتكلّم، ثم يصير الناس يعرفون من هو صاحب الكلمة الحقيقية في مدينتهم، ويعرفون أن اسمه ليس على أي باب».
ووفق النجيفي فإنه «حين يصل المجتمع إلى هذه الحال، لا يحتاج أحد إلى تهديد، لأن الجميع فهم الدرس. ولمن أراد أن يعرف إن كنّا في هذا الطريق أم لا، فالعلامات ثلاث يراها كل أحد»، موضحا أن تلك العلامات هي أن «تكثر الجرائم التي لا يُعرف فاعلها، وأن تبقى ملفات بعينها مغلقة في المحاكم دون سبب، وأن ينتقل أشخاص معروفون من مواقعهم الظاهرة إلى وظائف إدارية هادئة نفوذها أكبر من عناوينها».
يأتي ذلك في وقتٍ يؤكد فيه الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أن إنهاء مهمة التحالف الدولي استند لتنامي جاهزية القوات العراقية وقدرتها على مسك الأمن، لافتاً إلى وضع خطط استباقية وخطة تسليحية جاهزة تعتمد التقنيات وأصول المعارك الحديثة.
وقال النعمان للوكالة الحكومية إن «تحديد توقيت انسحاب التحالف الدولي في 30 أيلول/ سبتمبر جاء استناداً إلى رؤية كاملة للمؤسسة الأمنية العراقية وتنامي جاهزية القوات وقدرتها على مسك ملف الأمن القومي وتحقيق السيادة بكفاءة واحترافية عالية، بعيداً عن التجاذبات السياسية».
شراكات ثنائية متساوية
وأضاف أن «الإجماع السياسي والشعبي استند إلى قناعة القيادات الأمنية بأن موعد 30 أيلول/ سبتمبر كافٍ لإنهاء مهمة التحالف لعدم الحاجة لبقاء قواته»، مبيناً أن «القرار اعتمد على فهم المخاطر وطبيعة الوضع في المنطقة، وتقييم التهديدات المؤثرة على الأمن القومي، مع وضع خطط استباقية وخطة تسليحية جاهزة تعتمد التقنيات وأصول المعارك الحديثة».
ووفق المسؤول الاتحادي فإن «العلاقة بعد هذا التاريخ ستنتقل من مظلة التحالف الدولي إلى الشراكات الثنائية المتساوية»، مشيراً إلى أن «العراق سيكون محوراً أساسياً وعاملاً لاستقرار المنطقة بقدرات قواته وعزيمة حكومته وتماسك شعبه، مع استمرار الشراكة في تبادل المعلومات والخطط التدريبية ولا سيما في المجال الاستخباري».