راكمت الكاتبة المغربية الراحلة مليكة نجيب خمس مجاميع قصصية هي: الحلم الأخضر (1997)، لنبدأ الحكاية (2000)، السماوي (2006)، انفجرت ضاحكة (2008)، الراكد (2014)، جعلت منها واحدة من الأصوات القصصية النسائية المغربية المميّزة في العقدين الأولين من الألفية الثالثة. وعرفانا منه لهذا العطاء السردي عمل أحمد بوغلا على نشر هذه المجموعات القصصية في كتاب سماه المجاميع القصصية الكاملة للراحلة مليكة نجيب، وقد صدرت عن منشورات دار الأمان (2025)، أي بعد مرور تسع سنوات على رحيلها.
ولكي نقترب من هذا المنجز القصصي، ونكشف عن بنائه التخييلي والفني، اخترنا المجموعة القصصية «السماوي»، ويتعلق الأمر بالأضمومة القصصية الثالثة للراحلة مليكة نجيب، متسائلين: هل القصص التسع المكونة لها وهي: «السماوي»، «يوم السعد»، «جثة بالمزاد»، «غرفة النوم»، «طلطيوش»، «الثدي الملفوف»، «المنزل رقم 16»، «وتلك الأيام»، «الاستفسار»، تتقاطع على المستوى الثيمي؟ أم أن كل قصة تنسُج ثيمة مستقلة عن غيرها؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فما هو الخيط الناظم الذي يجمع بينها؟ وما الاختيار الفني الذي قدّمته الراحلة مليكة نجيب لبناء نصوصها القصصية؟ وما الرهانات القيمية التي تتبناها؟
شخصيات مأزومة مصيرها الخوف
تؤكد قراءتنا قصص هذه المجموعة القصصية على تقاطع قصصها على المستوى الثيمي؛ إذ نجدها ترتكز على التقاط أزمات اجتماعية حادة وشائكة تقهر شخصياتها، ولا سيما النّساء، وتجعلها تعاني من شتى ضروب العنف والتهميش والاستغلال والتحقير من قبَل محيطها الاجتماعي ومآلات ذلك من طلاق وترمل.. وتداعياته في أوساط اجتماعية لا ترحم، لتشكل قهراً اجتماعياً لها.
يترتب عن هذا الوضع المغرق في القهر أن شخصيات المجموعة القصصية تجدَ نفسها ضحية لاغتراب وجودي وإنهاك وتيه نفسيين، من قبل أوساطها المسنودة بالسّلطتين الاجتماعية والثّقافية، اللّتين تكرّسان هيمنتها على وضع الشخصيات وتقييد أفعالها ومحاصرة نظرتها لذاتها وللعالم. وتتوزع هذه القيود على مستويين؛ اجتماعية ومهنية من جهة، وتمثلات راسخة في اللاوعي الجمعي من جهة أخرى، لتجد الشخصيات نفسها مكبّلة بقيود شتى على المستويين الاجتماعي والنفسي.
لتضعنا مليكة نجيب أمام نماذج اجتماعية من زمننا الراهن ذات عمق نفسي واضح، من خلال ما يكشِف عنْه السّرد القصصي، الذي تولى بنجاح فني سبر أغوار معاناتها النفسية. وكان أبرز مظاهر وتجليات هذه المعاناة، وقوع شخصيات المجموعة ضحية لخوف مزمن صار يلازمها في كل حركاتها وسكناتها.
على خلفية هذا الوضع الاجتماعي والنفسي، الذي يزداد سوءا وتأزما، كان من الطبيعي أن تقع الشخصيات فريسة لخوف شديد، تغذيّه وتؤجّجه وتديمه القيود الاجتماعية في المقام الأول، تنتج عنه هواجس واستيهامات وأحلام يقظة وآمال تسحقها تحولات الواقع المتسارعة مؤكدة حقيقة أن كل الآفاق والسبل مسدودة أمامها. ليغمر الإحباط كل آمال الشخصيات ورغباتها ويحاصرها، تاركا إياها في حالة من العجز الظاهر عن حل مأزقها، أو حلحلته، ليضعنا القص أمام ذوات استحوذ عليهم الخوف استحواذا تاما وصار موجها لنظرتها لذاتها وللعالم حولها. لذلك، فليس من المستغرب أن يكون الخوف هو الموضوع الرئيسي المشترك بين جميع القصص في هذه المجموعة.
النّفس السردي ورهان القص
انسجاما مع ثيمة الأزمة التي تتخلّل قصص مجموعة «السّماوي»، وانعكاسا لوعي الكاتبة الرّاحلة مليكة نجيب بقيمة وجدوى الأدب عموما والقصة القصيرة على وجه الخصوص، اتسم السرد القصصي بنفسين متباينين في الظاهر، لكنهما يلتقيان على مستوى أعمق، وهما:
اتخذ الأول طابع البوح والمكاشفة. وقد تولّته في الغالب الشخصيات المقهورة. وكان الهدف الأساس منه، إبراز حجم معاناتها مما تعيشه من أعطاب نفسية واجتماعية، والكشف عن كيفية نشوئها، وتداعياتها والصعوبات التي واجهت الشخصيات في زحزحتها، عبر استكناه دواخلها. وقد تحقق ذلك من خلال استخدام تقنية المونولوج الداخلي التي ساعدت، من ناحية، على إبراز حجم الأزمة التي تمر بها الشخصيات، وما حدث لها، وكيف سعت إلى تبرير ذلك؛ ومن ناحية أخرى، التقاط مشاعر الشخصيات في مواجهة مواقف مصيرية ولحظات يأس وضعف وانكسار، مع رصد ردود أفعالها تجاه هذه الأحداث.
أما الثاني فقد اتخذ فيه السرد، من ناحية، شكل صرخة واضحة تدعو إلى وضع حدود لهذه الأعطاب والانكسارات النفسية والاجتماعية، التي تنخر في صمت عددا كبيرا من أفراد المجتمع المغربي، ولا سيما النساء. واتخذ، من ناحية أخرى، شكل نداء واضح للحماية، سواء في بعدها الأخلاقي أو في بعدها القانوني، من خلال دعوة ضمنية إلى تخليق الحياة الاجتماعية. ومن البديهي أن هذا المسعى لا يتحقق إلا بتطبيق القانون الذي يضمن حقوق الأفراد المادية والمعنوية، ويمكّنهم من تجنّب كثير من الأزمات والأعطاب الاجتماعية وتداعياتها النفسية.
هكذا استطاعت قصص مجموعة «السماوي» تسليط الضوء على جملة من الأزمات الاجتماعية والنفسية لشخصياتها، واضعة اليد على أسبابها وتداعياتها. وكشفت عن كيفية انتقال هذه الأزمات الاجتماعية إلى أزمات نفسية، موضّحة في الآن ذاته، كيف يشكّل العالم الخارجي للشخصيات عالمها الداخلي. ولم تقف مليكة نجيب عند حدود تشخيص هذه الأزمات، بل تجاوزته إلى الدعوة إلى تجاوزها على شكل صرخات سردية، تروم إسماع صوت الشخصيات المأزومة والكشف عن أعطابها التي تستدعي الحماية الأخلاقية والقانونية.
كاتب مغربي