أزمة سبتة.. هل تستطيع إسبانيا فعلا استخدام ورقة الطاقة ضد المغرب؟


باريس- “القدس العربي”: قالت مجلة “جون أفرك” الفرنسية إن الأزمة المرتبطة بالهجرة في سبتة أدت إلى توتر العلاقات بين مدريد والرباط. وفي هذا الصراع، تمتلك إسبانيا ورقة ضغط مهمة؛ فهي تُعد مورداً رئيسياً للمغرب بالغاز والنفط والكهرباء. فما مدى قدرة مدريد على استخدام هذه الورقة؟

فبعد ثلاثة أسابيع من أزمة الهجرة في سبتة، بدأت التوترات بين المغرب وإسبانيا في التراجع، على الأقل ظاهرياً. فبينما تواصل الحكومة الإسبانية الإشادة علناً بجودة تعاونها مع جارها المغربي، الذي تصفه بأنه “موثوق” بل و“نموذجي”، يبدو أن الحكومة تدرس في الوقت نفسه أوراق الضغط التي يمكن استخدامها ضد المغرب في حال اندلاع أزمة جديدة.

فقد كشفت القناة الإسبانية العامة TVE، في برنامجها Mañaneros 360، أن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز طلب من كبرى شركات الطاقة، ومنها Red Eléctrica وEnagás، تزويده ببيانات حول المبادلات مع المغرب في قطاعات الغاز والنفط والكهرباء. والهدف، بحسب التقرير، هو تحويل الطاقة إلى أداة دبلوماسية للضغط على الرباط من أجل تشديد مراقبتها لتدفقات المهاجرين نحو سبتة ومليلية.

الاعتماد على الطاقة

وقد حظيت هذه المعلومات بتغطية واسعة في الصحافة المغربية، قبل أن تنفيها مصادر حكومية إسبانية نقلت عنها وسائل إعلام في إسبانيا. ونقلت صحيفة Capital Madrid المتخصصة في الاقتصاد والمال أن “مكتب رئيس الوزراء أوضح أن الأمر يتعلق بتحديث لخطة موجودة أصلاً، وليس بإعداد تقرير جديد”.

ومع ذلك، فإن هذه المعلومات تذكّر الرباط بدرجة اعتمادها على مدريد في المجال الطاقي. فبحسب إحصاءات المؤسسة الإسبانية للاحتياطيات الاستراتيجية للمنتجات النفطية (Cores)، استورد المغرب منذ بداية العام ما يقارب 4 آلاف غيغاواط/ساعة من الغاز الطبيعي، ليحتل بذلك المرتبة الثانية بعد فرنسا بين وجهات صادرات الغاز الإسبانية.

ووفق المصدر نفسه، مثّلت المبادلات النفطية مع المغرب 14% من إجمالي صادرات إسبانيا النفطية خلال النصف الأول من العام. وينطبق الأمر ذاته على الكهرباء، وهو قطاع لا يزال المغرب يعتمد فيه نسبياً على جاره الإسباني. ووفق بيانات Red Eléctrica، الشركة المسؤولة عن إدارة شبكة نقل الكهرباء في إسبانيا، بلغت صادرات إسبانيا من الكهرباء إلى المغرب 827 ميغاواط خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 19 أغسطس.

سلاح ذو حدين

حتى الآن، لم تصدر أي جهة رسمية مغربية تعليقاً على هذه المعلومات. كما أن مكتب وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، لم يستجب لطلب جون أفريكإجراء مقابلة. لكن عدة مصادر حكومية مغربية شددت على ضرورة وضع قدرة إسبانيا على الضغط في إطارها الصحيح.

وقال مسؤول رفيع المستوى: “الشراكة الاستراتيجية بين بلدينا قوية جداً. لا أعتقد أن مدريد يمكن أن تفكر في تقليص إمدادات الطاقة للمغرب، لأنه، فضلاً عن متانة علاقاتنا، فإن القيام بذلك ليس من مصلحتها”.

كما استبعد مسؤول مغربي مشارك في التعاون الثنائي احتمال قيام إسبانيا بإجراءات انتقامية، لكنه أشار إلى أن “سلاح الكهرباء” ذو حدين.

وأوضح قائلا: “عندما شهدت إسبانيا انقطاعاً واسعاً للكهرباء في عام 2025، ساعد المغرب، إلى جانب فرنسا، مدريد على إعادة تشغيل نظامها الكهربائي. التبادلات في هذا المجال تسير في الاتجاهين”.

من جهته، يذكّر المدير السابق للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)، في نص نشره على موقع LinkedIn، بأن المؤسسة المغربية “أول شركة غير أوروبية تقوم بشراء وبيع كتل من الكهرباء مباشرة في البورصة الكهربائية الأوروبية، أي في السوق الإسبانية”. ويضيف أن “الدول التي تحترم القانون والمستقبل لا تقطع البنية التحتية للطاقة لأسباب سياسية”.

المصالح الاقتصادية المتبادلة تحدّ من استخدام الطاقة كسلاح

ورغم أن أحداث سبتة خلقت توتراً بين الجارين، فإنه لا توجد مؤشرات حتى الآن على تأثر المبادلات التجارية بينهما. فقد تجاوز حجم التجارة بين المغرب وإسبانيا في عام 2025 حاجز 22 مليار يورو، ما عزز مكانة المغرب باعتباره أول شريك تجاري لإسبانيا.

ويستند هذا النشاط التجاري أيضاً إلى العقود العديدة التي فازت بها الشركات الإسبانية في المغرب مؤخراً. ومن أبرز الأمثلة شركة Acciona التي فازت، إلى جانب Afriquia Gaz وGreen of Africa، بصفقة تبلغ قيمتها 800 مليون يورو لبناء محطة تحلية مياه في الدار البيضاء.

كما حصلت شركة CAF على عقد بقيمة 600 مليون يورو لتوريد 30 قطاراً إلى المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF)، في إطار الاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030، الذي سيُنظم بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *