مئوية القامشلي وحاضنة سليم بركات


في حدود ما قرأت هذه السطور، في اللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، ما من أدب شعري أو سردي يجاري، أو حتى يتماثل بمعدلات عالية مع كتابات الشاعر والروائي السوري الكردي الكبير سليم بركات؛ عن منطقة «الجزيرة» في الشمال الشرقي من سوريا عموماً، ومدينة القامشلي والقرى والبلدات المحيطة بها خصوصاً. وإذْ جرى الاحتفال، مؤخراً، بالذكرى المئوية لتأسيس مدينة القامشلي (1926 ـ 2026)، فإنّ هذه السطور لا تبصر الحدود الدنيا من إنصاف المناسبة من دون تحية خاصة، عالية ومستحقة، لعشرات من أعمال بركات إجمالاً؛ والسيرتَين الفاتنتَين «الجندب الحديدي»، سيرة الطفولة، 1980؛ و»هاته عالياً، هات النفير على آخره»، سيرة الصبا، 1982 تحديداً.
والباحث السوري مهند الكاطع، ابن «الجزيرة»، يسوق سلسلة معلومات مفتاحية عن القامشلي؛ بينها أنّ تاريخها الفعلي يبدأ مع وصول الحامية الفرنسية إليها مطلع آب/ أغسطس سنة 1926، وابتداء قدوم الوافدين والمهاجرين واللاجئين من بلدة نصيبين التركية المجاورة (وكان بينهم الوجيه البارز قدور بك، الذي سيتأسس حيّ في القامشلي يحمل اسمه، وفي واحد من بيوته رأت هذه السطور النور)؛ وأقدم سوق فيها بدأ بتجار يهود قدموا من نصيبين، وآخرين من حلب ودير الزور، ثم تقاطر حرفيون أرمن، وسريان من منطقة طور عابدين ونصيبين وآزخ.
والتكوين الجغرافي للمدينة يعكس تمثيلاً أميناً، بقدر ما هو استثنائي ولافت، للحال التعددية، متنوعة الأبعاد والأصعدة، التي اتسمت بها القامشلي على الدوام في الواقع. كان شارع زهير مثلاً، بوصفه مسقط الرأس، يبدأ من التخوم الأولى للحيّ الآشوري، وينتهي عند قرية المحمقية الكردية، كما يحاذي المقبرتَين الإسلامية والمسيحية؛ على مبعدة أمتار من خطّ سكة الحديد التاريخي (طوروس إكسبرس، أو خطّ بغداد ـ إسطنبول الذي يقطع قونيا وأضنة وحلب)، ويفصل المدينة عن الحدود التركية. وعلى مسافات تُعدّ بمئات الأمتار فقط، ثمة سوق صناعي يتسيده صنّاع أرمن مهرة في إصلاح المركبات، يجاور مسجد المدينة المركزي وسوق الخضار المسقوف، ليس بعيداً عن سوق الصاغة ومحالّ اليهود، وصولاً إلى أحياء السريان، وبعدها قرى الهلالية والعنترية وزنود وطرطب، حيث تقطن أغلبية سكان كردية.
ولأني ولدتُ في القامشلي، وفي مدارسها (صلاح الدين وعربستان والعروبة) أتممتُ الدراسات الابتدائية والإعدادية والثانوية قبل السفر إلى جامعة دمشق؛ فقد قُيّض لي أصدقاء وزملاء دراسة وجيران وأساتذة من الكرد والسريان والأرمن والآشوريين والإيزيديين، فضلاً عن عرب من دمشق وحلب وحمص واللاذقية وحوران والسويداء، وبدو رحّل من عشائر شمّر وطيّ وعنزة؛ وهؤلاء كانوا مسلمين ومسيحيين، متعددي المذاهب. ولستُ أحصي نعمياتي عن أطوار الطفولة والصبا واليفاعة، حين كنتُ أتكلم الكردية في باحات المدرسة أو مسامرات الشارع، رغم أنني لست كردياً؛ وأرطن ببعض السريانية، ومفردات آشورية، وأفهم قسطاً ممّا أسمع بالأرمنية.
وقبل حرب 1967، توفّر أصدقاء يهود أيضاً، إذْ كانت الجالية اليهودية جزءاً مكوّناً من نسيج المدينة الاجتماعي والروحي والتجاري والإداري؛ والكاطع يشير إلى أنّ قدوم اليهود من نصيبين إلى القامشلي ابتدأ مع الحاخام موشيه ناحوم عبد الله، الذي شجّع عشرات اليهود على اللحاق به سنة 1928. ومن الخير العودة إلى بركات هنا، في «هاته عالياً…»، حيث يصف دكاكين العطارين في الحي اليهودي، وكأنه يتشمم عطر المدينة بأسرها: «مزيج من الحنّة، والتوابل، وأزاهير الخاتون والأقحوان المجففة، والكحل الرطب، والنشارة، والسمّاق، والصندل، والمُرّ، واللبان، وعرق السوس، والتمر الهندي، والعنبر، وكَفْش العجوز، ومكاحل مطيّبة من عظام الهدهد، ودقيق الجفيت الأحمر الذي يلونون به بطون الأكباش أوان السفاد، وصابون الغار، والهليون، والصعتر».
ولعلّ صورة المدينة لا تكتمل إلا متضافرة مع النهر الصغير الذي يخترقها، ويقسمها نصفين؛ سواء حين يتدفق غزيراً معظم أشهر السنة، أو حين يجفّ قليلاً أو حتى كثيراً خلال الصيف: نهر جغجغ، أو جقجق كما يُسمى لدى البعض، حفظ له التاريخ تسمية الهرماس لدى العرب والسريان، أو ميكدونيوس خلال العهود الرومانية؛ وينبع من هضبة طور عابدين في تركيا بطول إجمالي يبلغ 124 كم، بينها 100 كم في الأراضي السورية؛ وينتهي إلى مصبّه في نهر الخابور، داخل مدينة الحسكة ثاني مدن «الجزيرة» ومركز المحافظة. وليس غير مرجّح أن تسمية القامشلي مستمدة من مفردة «قامش» الأكادية أو الكردية أو التركية التي تفيد الأرض كثيرة القصب، حيث هذا النبات كثيف الانتشار على ضفاف النهر.
«أنت طفل، وما الذي أرومه من طفل إلا أن ينفض عن ثيابه الشمالَ كله بيتاً بيتاً، شجرة شجرة، نهراً نهراً، بيدراً بيدراً، سنبلة سنبلة، سحابة سحابة، وأن يكسر جرار الأفق لتندلقَ أسراب السنونو والقطا»؛ يكتب بركات عن تمثيلات عديدة بالغة الثراء والفرادة والتعدد، تحوّلت عنده إلى حاضنة كريمة طافحة بالدلالة والأمثولة والمجاز والملموس، في آن معاً وضمن سياقات إنسانية وجغرافية وحكائية وأسطورية. وهذه لم تتكفل بوضع الأقسام «الجزراوية» من أدبه في مصافّ أولى كبرى وريادية واستباقية، فحسب؛ بل أسهمت، عبر اتحاد طلاقة المخيّلة بسطوة الوثيقة، في تجسيد وإعادة تركيب هذه القامشلي، بهية سخية بديعة، تستحقّ كل الأمنيات بمئويات خلود متعاقبات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *