منذ أطلَّت الدعواتُ إلى حوارٍ وطني في السودان، يسميه البعض «حوار سودانيٍّ سودانيٍّ»، قررت التعامل معها بكل جدّية، منطلقا من قناعتي الراسخة بأن الحوار/التفاوض هو الآلية الأفضل والمثلى لفض نزاعاتنا الدامية ووقف هذه الحرب الخبيثة.
وشرعت في خوضَ غمار هذه الدعوات عبر سلسلة من المقالاتٍ، جعلتُها في ثلاثةِ منازلَ: الأوّلُ كان تأصيلاً لمفهوم ولفكرةِ الحوارِ ذاتِها، مناقشاً شروطِ قيامه وعناصرِ نجاحه، في السودان وغيره، وقد وفَّيته عشرةَ مقالاتٍ خلتْ. وبمقالُ اليوم نفتح باب المنزل الثاني لنُمعِنُ النظرَ في إمكانيةِ انعقادِ حوارٍ جادٍّ وسطَ نيران المعاركِ وضجيجِ السلاح. وأمَّا المنزلُ الثالثُ، فسيكونُ مخصَّصاً لتقصِّي القضايا الرئيسية التي ينبغي أن تكونَ مَحورَ التدارس على طاولة الحوار، بحثاً عن مَخارجَ لأزمةٍ مُتراكِمة، ومنعا لتجددها، مع بيانِ رؤيتي الخاصَّةِ ومُساهمتي المتواضعة لتنضم إلى مساهمات الآخرين في سبر غور هذه القضايا، وفكِّ طلاسم الأزمة.
البداية، سؤالُ جوهريُّ يُلحُّ على العقلِ قبلَ اللسان، ويُلامسُ جُرحَ الواقعِ قبلَ طموحِ المُستقبَل: هل يُمكنُ للحوارِ أن يَقيَ حيثُ تَدُورُ رحى القتال؟ والإجابةُ، وإن كانت مُركَّبةً كطبقاتِ الجرحِ السودانيِّ، فإنَّها تبدأ بأن نفرّق، وبكل دقة، بين نوعين متباينين من الحوار، الأول: هو الحوار الذي يُعقَد من أجل وقف الحرب، ويشترط مشاركة كل الأطراف المدنية والعسكرية المعنية. وهذا النوع من الحوار هو الذي نعتقده نحن، وندافع عنه، ونناقش تفاصيله وشروطه في هذه السلسلة من المقالات، لأنه يمثل الطريق الوحيد، وإن كان وعِرًا متعرجا، نحو تهدئة شاملة ودائمة. أما النوع الثاني، فهو الحوار المعني فقط بالمنطقة تحت سيطرة أحد طرفي القتال ويرفض مشاركة الطرف الآخر. وبالنسبة لدعوات الحوار المطلة فإن المنطقة المعنية هنا هي التي تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية. هذا النوع من الحوار، بقدر ما يبدو في ظاهره أنه خطوة نحو إعادة الترتيب، فإن فشله محسوم حتى قبل أن تنعقد أولى جلساته، وذلك لأنه يُناقِش وقف الحرب في غياب من يمسك بسلاحها. وفي أفضل أحواله، فإن أقصى ما يمكن أن يصل إليه هذا النوع من الحوار، هو إنتاج ترتيبات سياسية جديدة، قد تحمل بعض السمات الإيجابية، ولكنها ضعيفة الأثر تجاه مسألة وقف الحرب، إذ تظل محصورة في ذلك الجزء من الوطن، ولا تتعداه إلى باقي الجغرافيا السودانية الممزقة. وهنا يبرز الخطر الحقيقي والمؤكد، وهو أن هذا النوع من الحوار، بدلاً من أن يكون مفتاحًا للحل، قد يتحول إلى عقَدَةٍ جديدة تزيد الأزمة تعقيداً، ويضاعف من ركام الخلافات، ويهدد بشكل مباشر وحدة البلاد، لأن أي ترتيب يُبنى على غياب طرف فاعل في الميدان، لا يمكن أن يكون جامعًا، بل سيكون مُجزّئًا ومُعمِّقًا للانقسام، وسيعيد إنتاج الشرعية المتقاطعة، والسرديات المتضاربة حول من يمثل الوطن ومن يُقصي الآخر.
الحوار الذي يُعقَد من أجل وقف الحرب، ويشترط مشاركة كل الأطراف المدنية والعسكرية المعنية هذا النوع من الحوار هو الذي نعتقده نحن
قد يعترض البعض على تحفظنا هذا محاججا بأن الترتيبات السياسية الجديدة التي سيخرج بها النوع الثاني من الحوار قد تخلق اصطفافا جديدا في صالح وقف الحرب. ولكن، هل هذا ممكن حقًا؟ وهل يمكن لترتيبات تُولَد من رحم الإقصاء أن تحمل في جيناتها بذور السلام؟ لا أعتقد! لأن وقف الحرب ليس مجرد وثيقة تُوقَّع، بل هو عملية سياسية معقدة تحتاج إلى اعتراف متبادل، وإلى وجود جميع الفاعلين على متن الحل، وإلى آليات تنفيذ تُرضي الجميع، أو على الأقل تُشعرهم بأن مصالحهم محفوظة. أما الترتيبات التي تُفرَض في غياب الآخر، فهي، في أحسن تقدير، ستنتهي عند ذلك الاصطفاف الجديد، وفي أسوئها، ستكون شرارة لمرحلة جديدة من المواجهة، لأن الطرف الآخر سيعتبرها إعلان حرب بشطب وجوده السياسي والعسكري. ومن هنا، فإن الإدعاء بأن هذا النوع الثاني من الحوار قد يخدم السلام، هو أشبه بمن يبني جدارًا عازلاً، ويظن أنه يبني جسرًا للعبور.
هل يمكن انعقاد الحوار الوطني في ظل استمرار القتال؟ تقول إجابتنا: أولاً، من حيثُ المبدأ، الحوارُ ليس رهناً بهدنةِ، بل هو موقفٌ إراديٌّ يسبقُ وقف إطلاق النار ويُهيِّئُ له. فالتاريخُ يشهدُ أنَّ أعتى الحروبِ لم تُطفئْ صوتَ العقلاء، بل كانت طاولاتُ التفاوضِ تُقامُ على بُعدِ أميالٍ من جبهاتِ القتال، وظلَّت القنواتُ مفتوحةً وإنِ اشتعلتْ نارُ الميدان. والحوارُ هنا يشترط مشاركة كل الأطراف المتقاتلة، وهدفه هو الهدنة، قصيرة أم طويلة، أي وقف القتال وليس وقف الحرب. ثانياً، من حيثُ الواقع السودانيِّ الراهن، الاعترافُ بصعوبة الحوار في ظل استمرار القتالِ لا يعني استحالةَ الإمكان، ولكن يفرضُ علينا التمييزَ بين: 1- حوارُ التهدئةِ ووقف إطلاق النار، وهذا أصعبُ ما يكون، لأنَّ طرفي القتالِ قد لا يزالانِ يراهنانِ على الحسم العسكري، فينظرانِ إلى الحوارِ كخيارٍ تكتيكيٍّ لا استراتيجي. لكنَّ ذلك لا يحكم باستحالته، بل يظل ممكنا من خلال الاتصالِ غيرِ المباشر عبرَ وسطاء، سودانيين ولكن في الغالب أمميين أو إقليميين، أو لتجميدِ جبهاتٍ معينةٍ لصالحِ إدخالِ المساعداتِ الإنسانية. أي يكونُ الحوارُ ممكناً لكنْ بصيغٍ هشَّةٍ ومحدودة. 2- حوار المستقبل والبناء، وهذا لا يتطلَّبُ وقفاً كاملاً لإطلاقِ النارِ فحسب، بل يتطلَّبُ ترتيباتٍ سياسيةً وأمنيةً معقَّدة، قد لا تُثمرُ دونَ وقفِ دائمٍ لإطلاق النار أو هدنةٍ طويلةِ الأمد.
بإختصار، في وضع السودان الراهن، لابد أن نُفرِّقَ بينَ «حوارٍ في ظلِّ الحرب» و»حوارٍ يُنهي الحربَ». فالأوَّلُ وسيلةٌ وليس غايةٌ، وهدفه الوصول إلى الثاني، إذ يمكنه أن يوقف القتال، ولكنه لن يوقف الحرب. وهو حوار معقد ويشترط أن تتوفر له ضماناتٌ تحميه من أن يكونَ غطاءً لإعادةِ التجميعِ والإصطفاف وجسرا لركوب الشرعية، أو منصَّةً للتسويقِ الإعلاميِّ، أو ساحةً لتبادلِ الاتِّهامات. فإذا غابتْ هذه الضماناتُ، فلن يصمد هذا الحوار وسينهار وتتفاقم مع إنهياره التداعيات. وللحديث بقية.
٭ كاتب سوداني