ردود فعل متباينة إثر توجيه بن كيران طلبا إلى العاهل المغربي من أجل معرفة ملابسات أحداث سبتة


الرباط – «القدس العربي»: أثارت التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» المعارض في المغرب ورئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بن كيران، موجة عارمة من النقاش والردود المتباينة في المشهد السياسي والإعلامي المغربي، وذلك إثر كشفه عن توجيهه طلبًا إلى العاهل المغربي محمد السادس، لمعرفة حقيقة ما شهدته مدينة سبتة يوم 30 يوليو/ تموز الماضي من موجة نزوح جماعي لآلاف الشباب، وما رافقها من تساؤلات حول الجهات المدبّرة لهذه الأحداث وكيفية التخطيط لها.
وعاد القيادي الإسلامي إلى الموضوع نفسه، السبت، خلال لقاء له مع أعضاء الحزب في مدينة الناظور شمال شرق البلاد، حيث قال: «إن ما آلمني أكثر هو أن يقع هذا يوم عيد العرش (ذكرى الجلوس) وفي المدينة التي يحتفل فيها الملك بالعيد وفي الشارع الذي يمر منه الموكب الملكي ومرت منه الوفود كلها»، وأضاف أن ما وقع كان يقتضي أن يقدّم رئيس الحكومة استقالته في اليوم نفسه، ولكنه لم يفعل.
واستطرد ابن كيران قائلاً في الكلمة التي تابعتها «القدس العربي» عبر حساب «العدالة والتنمية» على منصات التواصل الاجتماعية: «بطبيعة الحال، طلبت من جلالة الملك بأن يشكّل لجنة من أجل بحث هذا الحدث، ومعرفة حقيقة ما وقع، لأنني أعتبر ذلك خطرًا على الدولة»، وأوضح أن العاهل المغربي لم يجبه، فالتزم باحترام المقام. وذكر أن الزوبعة قامت جرّاء تلك التصريحات، مشيرًا إلى أنه سوف يتولّى الإجابة على منتقديه لاحقًا.
وكان عبد الإله بن كيران كشف في كلمة بثها عبر حسابه على «فيسبوك» أنه توجّه بطلب إلى الملك محمد السادس من أجل معرفة حقيقة ما وقع في مدينة سبتة، ومن يقف وراء تدبير موجة النزوح الجماعي التي شهدتها المنطقة، وكيف جرى الإعداد لها وتنفيذها، مؤكدًا أنه لم يتلقّ، إلى حدود إلقاء كلمته، أي جواب، وأنه لا يزال ينتظر، مع تأكيده احترامه لمقام المؤسسة الملكية.
وقال في هذا السياق: «هذه القضية فيها أمران، أحدهما طلبته من جلالة الملك: يجب أن نعرف ماذا وقع، ولا بد أن نعرف ماذا وقع، ومن الذي دبّر هذا الأمر، وكيف حدث أن وقع هذا الأمر في اليوم نفسه»، مضيفًا: «عندما نرفع أمرًا إلى جلالة الملك نحترم المقام، لكن إلى حد الآن لا يوجد جواب، ونحن ننتظر».
وفي تحليله للأسباب التي تقف وراء هذا النزوح الجارف، أبرز أمين عام «العدالة والتنمية» أن الفقر وانسداد الآفاق ليسا ظاهرة جديدة في المغرب، وأن جاذبية أوروبا بالنسبة إلى المغاربة مرتبطة منذ عقود بالفارق في مستوى التقدم والرفاه المادي بين الضفتين.
وقال ابن كيران إنه لا ينفي مسؤولية الحكومات السابقة، بما فيها حكومته، عن بعض الأوضاع التي يعيشها المغرب، لكنه حمّل الحكومة الحالية المسؤولية عن الوضع الذي وصفه بالانسداد، وعن حالة الاستعداد لمغادرة الوطن. وقال بوضوح: «أنا لا أنفي مسؤولية الحكومات السابقة كاملة، بما فيها حكومتي»، قبل أن يضيف فيما يتعلق بالحكومة الحالية: «أنا أعتبر السيد عزيز أخنوش وحكومته مسؤولين عن هذا الأمر».
وتباينت القراءات حول خلفيات وأبعاد موقف ابن كيران، فقد قدّم المحلل السياسي عمر الشرقاوي موقفًا نقديًا رافضًا، إذ أشار إلى أن ما صدر عن ابن كيران لا يمكن تصنيفه في خانة الجرأة أو الحق الدستوري، بل يندرج ضمن «التطاول وعدم التوقير للملكية»، مؤكدًا على حق الرأي العام في نقد هذه التصريحات وتقييمها بعيدًا عن التبريرات السياسية.
في الاتجاه نفسه، كتب الإعلامي محمد واموسي مخاطبًا ابن كيران: «أنت لست موظفاً في ديوان الملك، بل أنت زعيم حزب يسعى للسلطة. الملك ليس ملزمًا بالرد على استفسارات السياسيين كلما استيقظ أحدهم من نومه!». وأضاف في تدوينة على «فيسبوك»: «سبتة قضية وطنية حساسة للغاية؛ هل تحاول بجدية أن تجعلها ورقة انتخابية في حملتك؟ هل الملك ملزم بتقديم تفسيرات لكل أمين عام حزب يطالب به خلال هذه الحملة الانتخابية التي لم تحترموا حتى تاريخ انطلاقها؟ من أنت حتى يعطيك الملك تفسيرًا؟ أنت لست صحافيًا يسأل، ولست عضو برلمان… أنت سياسي يسعى نحو السلطة!».
في المقابل، يرى الكاتب مصطفى بوكرن أن التعامل الصادر عن ابن كيران وحزبه يمثل «ممارسة سياسية راقية»، مشيدًا بالتريث والتأطير العقلاني للحدث ومطالبة أعلى سلطة في البلاد بالتحقيق للقطع مع التأويلات والشائعات. كما اعتبر الإعلامي محمد المساوي أن خروج ابن كيران يعدّ الخطوة الأجرأ داخل المشهد السياسي الموالي للمخزن، مؤكدًا أن لهذه التصريحات تبعات سياسية ملموسة.
وتساءل الكاتب مصطفى الحسناوي عمّا إذا كان هذا السلوك ناتجًا عن «عفوية» أم «تخطيط مسبق»، موضحًا أن القيادي الحزبي المذكور يظلّ الشخصية الأكثر إثارة للجدل والاستقطاب في التاريخ السياسي الإسلامي الحديث، بقدرته على كتابة خطاب يجمع بين التودد للمؤسسة الملكية وتجاوز حدود البروتوكول التقليدي في الوقت نفسه.
ووضع الإعلامي، علي أنوزلا، القراءة في أبعادها الدستورية، موضحًا أنه «من حق المعارضة المطالبة بالتحقيق نظرًا للاختصاصات الملكية الواسعة في مجالات الأمن والسيادة بموجب دستور 2011». غير أن أنوزلا لفت إلى أن الإشكال يكمن في طريقة الصياغة التي قد توحي بمساءلة المؤسسة الملكية بدلاً من الحكومة صاحبة السلطة التنفيذية، مشددًا على أن هذا النقاش يسلط الضوء مجددًا على الحاجة الحيوية لحسم العلاقة بين «السلطة والمسؤولية» وتوضيح حدود المحاسبة السياسية في البلاد.
ولاحظ المحلل والحقوقي والأستاذ الجامعي خالد البكاري أن ابن كيران يمثل نموذج السياسي المذعن لأعراف التقاليد السلطانية، بل إنه تنازل عن جزء من صلاحياته الدستورية لما كان رئيسًا للحكومة حتى لا يغضب الملك. وتابع: «في الحدود التي رسمها ابن كيران لنفسه ولحزبه في العلاقة مع الملك نجد مفهوم الطاعة هو المؤطر لها، والتي تقوم على ما يسميه الطاعة في المعروف، في المنشط والمكره، والصبر على الإيذاء، والاعتراض إذا اقتضى الأمر ذلك باللين والاحترام الواجب للملك، دون التفريط في واجب الطاعة لولي الأمر»، وأوضح أن ابن كيران حين يلتمس من ولي أمره توضيحًا، يظل منسجمًا مع مرجعيته. وبالنسبة للأكاديمي المذكور، فإن «التناقض هو عند «الحداثي» الذي يجعل الملك شخصًا متعاليًا على إحداثيات الزمان والمكان، لا يجوز سؤاله، ولا مخاطبته، بل مساءلته ومعارضته. يجب التسليم له بأنه صاحب السلطة المطلقة، يخاطب الجميع، ولا يجوز لأحد مخاطبته»، واعتبر أن هذه «صورة من الزمن القروسطي».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *