تحديات سلاح الفصائل والاقتصاد ومحاربة الفساد لا تزال قائمة


ملف السلاح لا يمثل التحدي الوحيد أمام حكومة الزيدي، بل يتزامن مع أزمة مالية خانقة نتجت عن توقف شبه تام لصادرات النفط العراقية بإغلاق مضيق هرمز.

بغداد ـ «القدس العربي»: أتمّ رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، 100 يوم على توليه دفّة الحكم في البلاد، وهو لا يزال يحاول الخروج من سلسلة أزمات أبرزها تحيّيد سلاح الفصائل الشيعية المسلحة، وإيجاد مخرج للأزمة المالية المتفاقمة بفعل إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن محاربة الفساد واستعادة الأموال العراقية لخزانة الدولة.
ويستعد العراق لانسحاب قوات التحالف الدولي المناهض لتنظيم «الدولة الإسلامية»، من الأراضي العراقية، بحلول 30 أيلول/سبتمبر، لينتهي بذلك أبرز مبررات عمل الفصائل المسلحة العراقية.
وعلى هذا الأساس، بدأ الزيدي بالتحرك مبكّراً لتنفيذ مشروع «حصر السلاح بيد الدولة»، وانصاعت له- حتى الآن- ثلاث فصائل هي «سرايا السلام» و«عصائب أهل الحق» وكتائب «الإمام علي»، بزعامة مقتدى الصدر وقيس الخزعلي وشبل الزيدي، بالترتيب.
غير أن بقية الفصائل التي تعدّ الأكثر تأثيراً على الأرض، والمتورطة باستهداف المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة، مثل كتائب «حزب الله» العراقية، وحركة «النجباء»، وكتائب «سيد الشهداء»، وغيرها، لا تزال متمسّكة بسلاحها، وترفض تسليمه للحكومة.
وحسب المسؤول الأمني لكتائب «حزب الله»، أبو مجاهد العساف، فإن شروط «المقاومة الإسلامية» لأي مقاربة مع الحكومة لتنظيم ملف السلاح تبدأ بـ«الخروج الكامل والحقيقي للقوات الأمريكية من الأراضي والأجواء العراقية وضمان عدم عودتها»، إلى جانب ما وصفه بـ«تحرير القرار السياسي والاقتصادي من الهيمنة الأمريكية»، فضلاً عن «انسحاب القوات التركية من شمال العراق»، بالإضافة إلى «حل قوات البيشمركة».
ويذهب سياسيون ومراقبون للشأن العراقي، مع إمكانية انزلاق البلاد نحو اقتتال شيعي ـ شيعي، في حال تعامل أحد الطرفين «الحومة أو الفصائل» بالقوّة في ملف حصر السلاح.
وحسب رئيس الوزراء العراقي، فإن جميع القوى السياسية «متفقة تماما على المضي في حصر السلاح بيد الدولة»، وجار العمل على آليات تسليم السلاح وإنهاء هذه الحالة تماماً، مؤكداً في الوقت عينه بأنه «لا توجد نوايا أو احتمالات لأي تصادم عسكري، ولن نسمح لأعداء العراق باستغلال أي فرصة».
هذه التصريحات أكدها المتحدث باسم الحكومة، حيدر العبودي، الذي أعلن عن «تقدم في الحوار مع القوى المسلحة»، مشيراً إلى «رؤية رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بأن العراق أبعد ما يكون عن أي مواجهة داخلية»، مبيناً أن «كل القوى الوطنية التي ساهمت في الدفاع عن العراق لن تكون في مواجهة بعضها، لوجود اتفاق شامل على الثوابت الدستورية التي ترتكز إلى سيادة الدولة».
وتتفق القوى السياسية الشيعية المنضوية في ائتلاف «الإطار التنسيقي»، على أهمية حصر السلاح بيد الدولة بصفته «مطلباً وطنياً» والعمل على إنجازه عبر الحوار والتفاهم متزامناً مع انتهاء مهام التحالف الدولي، حسب بيان صحافي أصدروه عقب اجتماع «الإطار» الأخير.
ودخلت شخصيات سياسية شيعية على خط التهدئة بين الحكومة والفصائل، مثل هادي العامري ونوري المالكي، وتبنّي مبادرات بين الفريقين للتوصل إلى حلّ يرضي جميع الأطراف.
كذلك، يؤيد خطيب الجمعة في النجف، صدر الدين القبانجي، ضرورة إدارة ملف نزع السلاح في العراق «وفق إرادة وطنية»، بعيداً عن الضغوط الخارجية، مع الاسترشاد برأي المرجعية الدينية.
وذكر في خطبة الجمعة، أن «ملف نزع السلاح يمثل أحد أبرز الملفات المطروحة في العراق»، مشدداً على أهمية أن «تتم معالجة القضية في إطار وطني، مع مراعاة المخاطر والتحديات المحيطة بالبلاد، داخلياً وخارجياً».
وأضاف أن «الأولوية يجب أن تكون للحفاظ على الأمن والاستقلال والسيادة»، مبيناً أن «دراسة ملف نزع السلاح ينبغي أن تستند إلى هذه المرتكزات».
وشدد القبانجي على أن «تكون الكلمة الأخيرة في هذا الملف للمرجعية الدينية، باعتبارها الجهة التي أصدرت الفتوى المتعلقة بالسلاح».
ملف السلاح لا يمثل التحدي الوحيد أمام حكومة الزيدي، بل إنه يتزامن مع أزمة مالية خانقة نتجت عن توقف شبه تام لصادرات النفط العراقية، إثر الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران والتي اسهمت بإغلاق مضيق هرمز، المنفذ الوحيد تقريباً لتصدير النفط العراقي.
ويعتمد العراق بنسبة نحو 90 في المئة على تصدير النفط عبر المضيق المغلق، لتوفير السيولة المالية وتمويل الموازنة.
وتتضارب التقديرات بشأن «الخسارة الاقتصادية» للعراق جراء إغلاق المضيق في أواخر شباط/فبراير الماضي، ففيما يقدّر عضو اللجنة المالية النيابية، النائب منصور البعيجي، خسارة العراق 150 مليار دولار بسبب تداعيات الصراع بين إيران والولايات المتحدة، حيث توقفت حركة ناقلات النفط العراقية تماماً عبر مضيق هرمز، سبق أن توقّع مظهر محمد صال، المستشار المالي للزيدي، الخسارة بأكثر من 45 ملياراً.
يتزامناً ذلك مع تراجع حاد في صافي الاحتياطيات الرسمية للبنك المركزي، التي انخفضت إلى 102 تريليون دينار، بعد أن كانت تبلغ 130 تريليون دينار في بداية عام 2026، حسب مختصين.
وبلغت الأزمة ذروتها مطلع الشهر، عندما تعثّرت الحكومة في تأمين المعاشات الشهرية للموظفين والمتقاعدين ومستففيدي شبكة الحماية الاجتماعية.
ووسط ذلك، كشف الزيدي عن عمل حكومته على «توسعة تصدير النفط عن طريق ميناء جيهان التركي، وهناك عمل للتصدير عن طريق بانياس والعقبة»، في موازاة العمل على « زيادة حصة العراق التصديرية من خلال أوبك، للوصول الى 8-10 ملايين برميل يوميا خلال 6 سنوات».
ووفق تصريحات رسمية للمستشار صالح، فإن «الأشهر الأولى من عمر الحكومة لا تكفي للحكم النهائي على إصلاحات تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها، لكنها تكفي للتعرف على اتجاه الحكومة وإرادتها السياسية»، لافتاً إلى أن «حكومة الزيدي وضعت ملفات الفساد والاقتصاد الريعي والمالية العامة والطاقة والاستثمار والقطاع الخاص والسيادة ضمن أولوياتها».
وذكر أن «نجاح الحكومة في تحويل ما طرحته خلال الأشهر الأولى إلى سياسات مستدامة ونتائج ملموسة سيعني البدء بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمواطن، والانتقال من اقتصاد يعتمد على توزيع الريع إلى اقتصاد قادر على إنتاج الثروة»، مبينا أن «شجاعة فتح الملفات الصعبة تمثل بحد ذاتها خطوة أولى مهمة قبل ظهور نتائج الإصلاحات على أرض الواقع».
في السياق أيضاً، أظهر الزيدي تحركاً جدياً صوب محاربة الفساد، أسفر عن القبض على عشرات المسؤولين والنواب والشخصيات السياسية المتورطة بتهم فساد بملايين الدولارات.
وتفيد التقديرات بأن العراق فقد نحو تريليوني دولار منذ عام 2003 وحتى الآن، بسبب الفساد المالي والإداري، وتهريب الأموال، وسوء الإدارة.
ورغم أن حملة الزيدي لملاحقة الفاسدين قد بدأت مبكّراً، غير إنها شهدت في الأسابيع الأخيرة فتوراً.
وفي الوقت الذي أبدت فيه القوى السياسية دعمها لحملة الزيدي في مكافحة الفساد، غير أنها تطالب بشمولها الجميع من دون استثناء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *