حين عاد الطبل العريق إلى موطنه… معركة أفريقيا لاسترداد ذاكرتها وتراثها



عبد الله مولود

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في صباح من عام 1916، على ضفاف بحيرة إيبري في ساحل العاج، حدث شيء أكثر من مجرد سرقة قطعة أثرية.
صمت الطبل «ديدي أيكوي» الناطق الضخم لشعب الأتشان، بعدما انتُزع من موطنه؛ كان طوله 3 أمتار و31 سنتيمتراً، ووزنه نحو 430 كيلوغراماً، لكنه لم يكن مجرد قطعة خشب منحوتة.
لأجيال طويلة، كان هذا الطبل يحمل صوت القرى من مكان إلى آخر، ويؤدي وظيفة تتجاوز الموسيقى إلى التواصل والإنذار وتعبئة الناس.
وحين جاءت القوة الاستعمارية الفرنسية، استخدم الطبل صوته في المقاومة؛ وربما كان ذلك تحديداً ما جعل إسكاتَه جزءاً من العقاب.
اقتُلع الطبل من مجتمعه، وعبر البحر إلى فرنسا، ثم استقر في مخازن متحف «كي برانلي» في باريس، صامتاً لأكثر من قرن، بين آلاف القطع الأفريقية التي اقتُلعت من سياقاتها الأصلية، وانتهت وراء زجاج المتاحف، بعيدة عن أولئك الذين يعرفون لغتها ويستطيعون الإصغاء إليها.
لكن عودة الطبل «ديدي أيكوي» ليست قصة قطعة أثرية استعادت مكانها فحسب؛ إنها فصل جديد في معركة أفريقية طويلة من أجل استرداد الذاكرة.

أعيدوا إلينا الفن الزنجي

في كانون الثاني/يناير 1965، كتب الصحافي والأديب البنيني بولان جواكيم في مجلة «بينغو» الأفريقية عبارته التي تحولت إلى صرخة سياسية وثقافية: «أعيدوا إلينا الفن الزنجي».
لم تكن المطالبة، في جوهرها، مجرد دعوة إلى إعادة صناديق أو ملء متاحف أفريقية بقطع غابت عنها طويلاً؛ كان جواكيم يطالب باستعادة شيء أعمق: إنه الذاكرة.
فالماسكات والعروش والتماثيل والطبول التي عوملت طويلاً في المتاحف الغربية كأعمال فنية منفصلة عن سياقاتها، كانت بالنسبة إلى المجتمعات التي صنعتها أشبه بسجلات حية؛ إنها تحفظ طقوساً وأنظمة حكم وأساطير وذاكرة جماعية، وتروي ما لم يُكتب بالضرورة على الورق.
ومن هنا يمكن فهم قصة برونزيات بنين، التي انتُزعت من مملكة إيدو خلال الهجوم البريطاني على مدينة بنين سنة 1897.
لم تكن تلك القطع مجرد أعمال فنية من معدن ثمين، بل جزءاً من الذاكرة السياسية والثقافية لمجتمع دوّن تاريخه بالنحاس والبرونز، كما دوّنت شعوب أخرى تاريخها في الكتب.
والأمر نفسه ينطبق على كنوز الملك بهانزين التي أخذتها القوات الفرنسية عندما دخلت قصر أبومي سنة 1892؛ كانت تلك المقتنيات جزءاً من الذاكرة المقدسة لمملكة داهومي التاريخية، في ما يعرف اليوم بجمهورية بنين.
كان نهب هذه القطع، إذن، أكثر من الاستيلاء على ثروة مادية؛ لقد كان انتزاعاً للأرشيف، وإطفاءً لمصباح الذاكرة، وقطعاً لإحدى أهم حلقات انتقال المعرفة من جيل إلى آخر.

حين تصبح الذاكرة خلف زجاج

تكمن المفارقة الأكثر قسوة في أن أجيالاً كاملة من الأفارقة نشأت وهي تسمع عن عظمة أسلافها، لكنها لم تتمكن من رؤية كثير من الشواهد المادية على تلك العظمة.
فالتراث لا يعيش في الأشياء وحدها، بل في العلاقة بين الأشياء وأصحابها. ويحتاج انتقال المعرفة من الكبار إلى الشباب إلى أن تنتقل أيضاً الأشكال والرموز والأدوات والآثار التي تمنح الرواية دليلاً محسوساً.
وحين انتُزعت تلك الأشياء، بقيت أيدي كثير من الحراس التقليديين للذاكرة فارغة، وأصبحت رواياتهم، مع مرور الزمن، عرضة لأن تبدو كأنها حكايات بلا شواهد.
اليوم، قد يحتاج شاب إفريقي يريد معرفة المزيد عن تاريخ أسلافه إلى جواز سفر، وتذكرة طائرة، ورحلة عبر القارات، حتى يقف أمام قطعة من تاريخه خلف زجاج متحف أوروبي.
إنها مفارقة تختصر جانباً عميقاً من أزمة الذاكرة في القارة: أن يضطر صاحب التاريخ إلى السفر إلى الخارج كي يرى شيئاً من تاريخه.
ولهذا فإن قضية الاسترداد ليست مجرد قضية ملكية فنية؛ إنها، في جانب منها، قضية علاقة الأجيال بماضيها، وبالتالي علاقتها بمستقبلها.
لم تبدأ المطالب الأفريقية باسترداد التراث مع الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في واغادوغو عام 2017.
فمنذ الاستقلال، طالبت دول أفريقية عدة بإعادة مقتنياتها، لكن الطلبات ظلت لسنوات طويلة تصطدم بصمت المتاحف الأوروبية أو بإجراءات قانونية معقدة.
وتوثق المؤرخة الفرنسية بنيديكت سافوا، في كتابها «معركة أفريقيا الطويلة من أجل تراثها»، تاريخاً طويلاً من هذه المطالبات.
وفي عام 1978، دعا السنغالي أمادو ماختار مبو، أول أفريقي يتولى منصب المدير العام لليونسكو، إلى إعادة ما وصفه بـ«التراث غير القابل للتعويض».
وفي العام نفسه، تأسست اللجنة الحكومية الدولية لتعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلدانها الأصلية، لكنها لم تمتلك سلطة إلزامية؛ إذ كان دورها يقتصر على تسهيل عمليات الإعادة.
أما اتفاقية اليونسكو لعام 1970، ثم اتفاقية «يونيدروا» لعام 1995، فقد اصطدمتا بمشكلة جوهرية: عدم الأثر الرجعي؛ وبعبارة أخرى، يحمي القانون الدولي إلى حد كبير التراث من عمليات الاتجار غير المشروع في المستقبل، لكنه لا يوفر بالقدر نفسه آلية لاستعادة ما انتُزع في الماضي.
وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أعاد خطاب ماكرون في واغادوغو قضية التراث الأفريقي إلى واجهة النقاش الدولي.
ثم جاء تقرير المؤرخ السنغالي فيلوين سار والمؤرخة الفرنسية بنيديكت سافوا، الذي كُلّفا بإعداده في 2018، ليضع أساساً فكرياً وسياسياً جديداً لقضية الاسترداد.
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 80 في المئة من التراث الثقافي الأفريقي جنوب الصحراء يوجد خارج القارة، وقدّر عدد القطع الأفريقية الموجودة في متحف «كي برانلي» وحده بنحو 70 ألف قطعة.
وكانت الفكرة المركزية أكثر عمقاً من مجرد إعادة الممتلكات: إعادة الأعمال يمكن أن تعيد أيضاً تشكيل العلاقة بين أفريقيا وأوروبا.
وفي كتابه «متاحف بريطانيا»، المنشور عام 2020، ذهب عالم الآثار البريطاني دان هيكس إلى أبعد من ذلك، رابطاً وجود بعض المقتنيات المنهوبة في المتاحف الغربية بتاريخ العنف الاستعماري الذي رافق الاستيلاء عليها.
وبدأت، منذ ذلك الحين، سلسلة من عمليات الإعادة التي بدت لسنوات طويلة شبه مستحيلة.
ففي فرنسا، أقر البرلمان في 24 كانون الأول/ديسمبر 2020 قانوناً أتاح إعادة 26 من الكنوز الملكية لمملكة داهومي إلى بنين، وصلت إلى كوتونو في 9 و10 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، كما أعيد إلى السنغال سيف الحاج عمر تال.
وفي ألمانيا، أُبرم اتفاق في تموز/يوليو 2022 بشأن نقل ملكية أكثر من ألف قطعة من «برونزيات بنين» إلى نيجيريا. وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، أعادت مؤسسة «سميثسونيان» الأمريكية 29 قطعة.
كما أقرت بلجيكا في 2022 قانوناً يتعلق بمجموعاتها الاستعمارية القادمة من الكونغو.
وفي حزيران/يونيو 2026، أعادت سويسرا 18 قطعة من برونزيات بنين، فيما أعلنت جامعة كامبريدج في شباط/فبراير من العام نفسه عزمها إعادة 116 قطعة.
وفي 16 تموز/يوليو 2025، أُقر القانون الفرنسي الذي سمح بإعادة الطبل «ديدي أيكوي».
وفي 20 شباط/فبراير 2026، وقعت وزيرة الثقافة الفرنسية ونظيرتها الإيفوارية وثيقة نقل ملكية الطبل.
وبعد أكثر من قرن من الصمت، عبر الطبل البحر مرة أخرى، لكن في الاتجاه المعاكس هذه المرة؛ فقد عاد إلى أبيدجان، إلى الأرض التي خرج منها، وإلى المجتمع الذي كان يعرف كيف يصغي إلى صوته.
في هذه العودة شيء يتجاوز الرمز؛ فالطبل الناطق ليس قطعة تُعرض فقط كي تُرى؛ إنه أداة للتجمع واستدعاء الناس ونقل الرسائل، وذاكرة صوتية مرتبطة بأرض ومجتمع وتقاليد.
ولهذا تبدو عودته أشبه باستعادة صوت، لا مجرد استعادة أثر.

معركة لم تتوقف

غير أن الاحتفاء بهذه العودة لا ينبغي أن يخفي تعقيدات الطريق.
فالقوى القانونية والمؤسساتية التي أبقت جزءاً كبيراً من التراث الأفريقي خارج القارة لم تختفِ.
في بريطانيا، لا يزال British Museum Act لعام 1963 يفرض قيوداً شديدة على قدرة المتحف البريطاني على التصرف في مجموعاته.
ولا تزال فكرة «المتحف العالمي» حاضرة في النقاش، بما تحمله من افتراض مثير للجدل: أن حفظ تراث شعب ما يمكن أن يكون أكثر أماناً في المكان الذي انتهى إليه بعد انتزاعه منه.
وفي فرنسا، احتاجت عمليات الإعادة الأولى إلى قوانين خاصة، بسبب مبدأ عدم قابلية مجموعات المؤسسات العامة للتصرف فيها.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: عندما يكون صاحب المجموعة هو الذي يقرر ما الذي يعيده، تصبح القارة الأفريقية، رغم امتلاكها حقاً تاريخياً في المطالبة، في موقع انتظار القرار.
26 قطعة هنا، وسيف هناك، وعشرات أو مئات القطع في مكان آخر، بينما تبقى آلاف المقتنيات خارج القارة.
لذلك تكتسب السنوات المقبلة أهمية خاصة؛ فقد بدأت فرنسا مساراً نحو قانون إطار عام، بعد مشروع أودع مجلس الشيوخ في 30 تموز/يوليو 2025، بهدف الانتقال من الإعادة الاستثنائية التي تتطلب قانوناً لكل حالة إلى آلية أكثر انتظاماً لأن الانتقال من «المنحة» إلى «الحق» سيكون تحولاً جوهرياً.
لكن الجزء الأصعب من القصة قد يبدأ بعد عودة القطع.
فالاسترداد وحده لا يكفي. على الدول الأفريقية أن تحدد ما الذي تريد استعادته، وأن توثق مجموعاتها، وتطور متاحفها، وتدرب أمناءها، وترقم سجلاتها، وتوفر للقطع العائدة بيئة تحفظها وتعيدها إلى سياقها الثقافي.
ففي ساحل العاج، على سبيل المثال، قدمت منذ عام 2018 قائمة تضم 148 قطعة تطالب باستردادها.
وفي بنين، جرى العمل على تهيئة فضاءات تستوعب الكنوز التي عادت من أوروبا، في إدراك بأن إعادة القطع لا معنى كاملاً لها إذا لم تعد معها القدرة على رواية قصتها؛ فالاسترداد ليس نهاية الرحلة. إنه باب يُفتح على علاقة جديدة بالذاكرة.
وفي أبيدجان، استعاد الطبل «ديدي أيكوي» مكانه بين أهله.
وبعودته، لم تسترد ساحل العاج قطعة خشبية عملاقة عمرها أكثر من قرن فحسب؛ استعادت جزءاً من صوتها.
ربما لهذا تبدو قصة الطبل أكثر دلالة من آلاف الأرقام والتقارير؛ فحين تعود القطع، لا تعود الأشياء وحدها، با تعود معها الحكايات التي ارتبطت بها، والطقوس التي فسرتها، والأجيال التي تناقلتها، والأسئلة التي ظلت معلقة طوال غيابها.
أما بولان جواكيم، الذي رحل عام 2012، فلم يعش ليرى الإجابة عن صرخته القديمة: «أعيدوا إلينا الفن الزنجي!».
لكن الطبل الذي عاد بعد 110 أعوام يقدم، بصوت صامت هذه المرة، شيئاً من تلك الإجابة؛ فأفريقيا، حين تستعيد آثارها، لا تسترد مجرد كنوز ضائعة.
إنها تحاول أن تصل ما انقطع بين أجيالها، وأن تعيد إلى روايات الأجداد شواهدها، وإلى الشباب حقهم في رؤية تاريخهم على أرضهم.
وفي يوم ما، حين تستعيد القارة ما يكفي من ذاكرتها، قد لا يكون السؤال بعد ذلك: لماذا أخذتم منا هذه الأشياء؟؛ بل: كيف استطعنا أن نعيش كل هذا الوقت من دونها؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *