يتأثر قطاع كبير من الجمهور المصري بالمسلسلات والأفلام، ويُبدي إعجاباً شديداً بكبار النجوم والنجمات، وتصل حالات الانبهار في بعض الأحيان إلى التقليد والمُحاكاة، وهذه الظاهرة وقف أمامها علماء النفس في محاوله للتدقيق والتحليل، ووصفوها بما يُسمى اصطلاحاً بالاستهواء، وهو عدم القدرة على مقاومة الإعجاب بالأشخاص المشهورين من ذوي المواهب الخاصة كنجوم السينما والمسرح ولاعبي كرة القدم وغيرهم، حيث تظهر صور التقليد العديدة لهؤلاء من عامة الناس انطلاقاً من الرغبة في التمثل بهم والوصول إلى مستوى نجاحهم وشهرتهم.
وبإتباع قاعدة الاستهواء التي أشار إليها العلماء، يُمكن فهم وتفسير تهافت المُعجبين على نجمات السينما إلى الحد الذي يوصف بالجنون في بعض الحالات، إذ يصل الإعجاب إلى درجة لا يمكن للنجمة أن تتحملها كالمُطاردة والتعقب واختلاق القصص حول الإعجاب المُتبادل بإطلاق الشائعات ومعايشة الوهم كأنه الحقيقة بذاتها، لهذا يوصف الشخص الذي يُمارس مثل هذه السلوكيات بالمجنون العاطفي، كمجنون هند رستم ومجنون سُعاد حسني أو نادية لطفي أو غيرهن!
وقد انتبهت السينما لهذه اللطائف من الحكايات المُثيرة للعجب والدهشة، فقدمت فيلم «إشاعة حُب» بطولة هند رستم وعمر الشريف وتم الإلماح عبر الأحداث إلى تلك الظاهرة العجيبة بشكل كوميدي على اعتبار أنها حالة طريفة يُمكن التعامل معها بخفة دونما إعطائها أهمية خاصة.
وقد أشير في مسرحية «العيال كبرت» إلى ذلك الوهم أيضاً، حيث عاش أحد أبطال المسرحية يونس شلبي «عاطف» قصة حُب من طرف واحد مع النجمة الكبيرة سُعاد حسني لدرجة استدعت سخرية أشقائه الذين تعجبوا من استغراق شقيقهم الأصغر في أحلام اليقظة وانفصاله عن الواقع بالصورة التي تقترب من البلاهة أو الجنون المجازي.
وبتفاقم ظاهرة التقليد وارتفاع مُعدل الاستهواء وتأثيراته الاجتماعية، بدأت تظهر صور أخرى تُمثل عرضاً سلوكياً مُلفتاً تتم ترجمته بشكل يومي تقريباً وهو وثيق الصلة بما أشرنا إليه من رغبة البعض في تقليد المشاهير، هذا العرض تشكله أسماء المحلات التجارية المُنتشرة في مُعظم شوارع القاهرة والمُدن الإقليمية التي تتخذ من عناوين الأفلام والمُسلسلات وسيلة لشهرتها بانتحال الصفات والأسماء ووضعها كعلامات تجارية تُسهل عملية البيع والشراء وتُحقيق الأرباح.
ولأن إحصاء كافة الأسماء والعناوين التجارية مسألة غير ممكنة، سنكتفي فقط بأشهرها، فهناك على سبيل المثال مئات المحلات تحمل اسم الزعيم تيمناً بعنوان المسرحية الشهيرة لعادل إمام، لزوم الترويج وكسب الشهرة بالمجان، ولعلها الصدفة وحدها هي التي جعلت من معظم محلات الكُشري في الأحياء الشعبية تُسمى بهذا الاسم لأن أحداً من الناس تجرأ في البداية ووضع اسم الزعيم على محله، فلما اشتهر وبلغ مقصده تكررت التجارب وأصبحت هناك إمبراطورية للكشري تحمل اسم الزعيم.
ولم يقتصر التقليد فقط على مسرحية عادل إمام وزعيمها الكوميدي، بل امتد ليشمل عناوين أخرى كثيرة لأفلام ومسلسلات وبرامج، فهناك محلات عطارة غيرت أسمائها الأصلية وانتحلت اسم المسلسل الشهير لنور الشريف «العطار والسبع بنات» رغبة في ذيوع الصيت وتحقيق الاستثمار التجاري المطلوب.
وقبل سنوات عديدة حقق الفنان حسين فهمي نجاحاً واسع الأصداء في مسلسل «ألف ليلة وليلة» وشخصية شهريار التي قام بتجسيدها، وبمجرد انتهاء المسلسل ظهرت سلسلة محلات ومقاهي تحمل اسم ألف ليلة وليلة واسم شهريار، لزوم الشهرة والانتشار أيضاً، ولم تسلم بالطبع شهرزاد الشخصية التي قدمتها نجلاء فتحي من الانتحال والتوظيف التجاري المُخل بالقيمة الفنية والإبداعية والتراثية للاسم والموضوع والشخصية.
وفي أحد المواسم الرمضانية قدم الفنان مصطفى شعبان مسلسلا بعنوان «مزاج الخير»، وحقق نجاحاً ملحوظاً فكان نتيجة هذا النجاح انتشار عدد من اللافتات لعدد من المحلات التجارية بنشاطات مختلفة تحمل نفس الاسم «مزاج الخير»، وبرز من بينها بالطبع المقاهي الشعبية بصفة خاصة، وذلك لملائمة العنوان للنشاط المُستهدف.
وعلى الرغم من أن بعض عناوين المسلسلات تشير إلى قصص إجرامية وشخصيات واقعية أدينت في جرائم قتل وحُكم عليها بالإعدام، إلا أن ذلك لم يمنع عملية الاستغلال التجاري، فعلى سبيل المثال شخصية ريا وشقيقتها سكينة قامت عليهما بطولة الفيلم الكلاسيكي المعروف بنفس الاسم للمخرج صلاح أبو سيف، والمسرحية الشهيرة لشادية وسهير البابلي، هاتان الشخصيتان ظهرت لهما لافتات بارزة على واجهات المحلات وهو ما يُثير الغرابة لأن المفترض أنهما مثالان للشؤم وليس للتفاؤل وجلب الرزق، لكن يبدو أن تأثير الشهرة أكبر من نوازع التشاؤم والتفاؤل.
وينسحب المعنى ذاته على أسماء أخرى مثل «الهلفوت»، فالهلفوت هو عنوان لأحد أفلام عادل إمام وإلهام شاهين، تم إطلاقه على بعض المحال للاستفادة من شهرة البطلين عادل وإلهام.
وكذلك فيلم «المنسي»، يوجد معادل تجاري له في أكثر من مكان، كما تُستخدم أسماء البرامج الشهيرة لأغراض ربحية وتجارية بدون النظر لحقوق الأداء العلني وفقاً لقانون الملكية الفكرية، فبرنامج «صاحبة السعادة» للإعلامية إسعاد يونس تم توظيف عنوانه بشكل صريح في مشروعات استثمارية كثيرة وبرنامج صبايا، سطت على عنوانه مُعظم محلات الكوافير وأدوات التجميل والزينة.
أما مسلسل «حكيم باشا» فهو الأكثر شيوعاً على واجهات المحلات في منطقة الجنوب بصعيد مصر، شأنه شأن فيلم «الإمبراطور» لأحمد زكي الذي استحوذ على البقية الباقية من محلات الكُشري حتى صار ماركة مُسجلة أضيفت إلى اسم «كابوريا»، العنوان الأشهر لفيلم النجم الأسمر ملك التقمص.