التسوية أقل كلفة من النصر


لم يعد الخلاف في طهران يدور حول كيفية مواجهة الولايات المتحدة فحسب، فقد انتقل النقاش إلى معنى الصمود وحدوده. يمثل الرئيس مسعود بزشكيان اليوم الصوت الأكثر وضوحا داخل الدولة الإيرانية في الدعوة إلى وقف الحرب، فهو يقول بصراحة إن الحرب لا بد أن تنتهي، وأن من الأفضل إنهاءها الآن. لا يتخلّى بزشكيان عن حق إيران في الرد على أي هجوم على أراضيها ولا يمكن المزاودة عليه في وطنيته. وفي الوقت نفسه فإنه يربط موقفه بكلفة الحرب الداخلية: عجز مالي، حصار بحري، صعوبة في تمويل الدعم والتأمينات ورواتب العمال والمتقاعدين، وضغوط متزايدة على المجتمع والدولة.
يواجه هذا الخطاب تيّارا متشددا يرى في الحديث عن السلام مرادفا للاستسلام (تصريح لمحمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، أمس الجمعة)، فيما يدفع نواب في البرلمان يطالبون بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، بل ويقترح آخرون منع دول الخليج العربي من تطوير خطوط أنابيب بديلة لمضيق هرمز، وتصل لغة التصعيد لدى بعض الأصوات الإعلامية إلى اقتراح نقل التهديد البحري إلى سواحل فلوريدا الأمريكية!
تجد هذه الثنائية ما يقابلها في واشنطن، فالحرب لم تكن نتيجة قرار منفرد بل نشبت في مناخ أمريكي – إسرائيلي تغلّبت فيه أصوات الحرب و»إسقاط النظام الإيراني» وبلغت أحلام بنيامين نتنياهو، الغارق لأذنيه في حرب إبادة الفلسطينيين، قبيل نشوب الحرب، درجة الحديث عن صعود إسرائيل كـ»قوة عظمى» وإنشاء تحالف عالمي عابر للقارات بقيادتها. لكن التداعيات الإقليمية والعالمية المهولة للعدوان على إيران دفعت إدارة ترامب، بعد جموح كبير، إلى مراجعة عميقة. برز في هذا السياق، تيار يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، يفضّل، بعد فشل «مذكرة التفاهم»، إلى اعتماد الحرب الاقتصادية بدل العسكرية، عبر العقوبات، وخنق الصادرات النفطية، وتشديد القيود المالية والتجارية، أملا في دفع طهران إلى تقديم تنازلات أو إضعاف قوة النظام إلى حد أقصى.
تبدو هذه الاستراتيجية أقل كلفة من الحرب لكن نتائجها الواسعة ليست أقل خطورة. يواجه الاقتصاد الإيراني بالفعل ضغوطا ثقيلة، وقد يؤدي تشديد الحصار إلى مزيد من التضخم وانخفاض قيمة العملة وتدهور مستويات المعيشة (المتدهورة أصلا). غير أن الافتراض بأن الخنق الاقتصادي سيقود تلقائيا إلى انهيار نظام الجمهورية الإسلامية يبقى رهانا غير مضمون، فحتى بعض المؤيدين للضغط يقرون بعدم وجود مؤشرات حالية على انهيار وشيك أو احتجاجات واسعة يمكن أن تسقط السلطة.
الأهم من ذلك أن أمريكا نفسها تبدو داخلة في هذه المواجهة من موقع هش أكثر مما توحي به قوتها العسكرية. بلغ الدين الأمريكي العام نحو 40 تريليون دولار، وارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات أقلقت الأسواق، فيما تزيد الحرب وارتفاع أسعار مواد الطاقة والإنفاق العسكري الضغوط فترفع مستويات التضخم وكلف الاقتراض. إضافة إلى ذلك فإن ارتفاع فوائد سندات الخزينة ينتقل الى الرهون العقارية وقروض الشركات والسيارات والطلاب بحيث يجعل المواجهة مع إيران جزءا من الأزمة الاقتصادية الداخلية.
هنا تكمن مفارقة الوضع الراهن: لا تستطيع إيران تحمل أعباء حرب اقتصادية مفتوحة بلا نهاية، ولا تستطيع الولايات المتحدة التعامل مع الحرب الاقتصادية على بلد أجنبي بعيد باعتبارها أداة فقط، من دون تداعيات سلبية على الداخل الأمريكي، إضافة إلى أن دول الخليج العربي، وأسواق الطاقة والتجارة العالمية ستدفع بدورها جانبا من الفاتورة الكبرى.
الخيار العقلاني الممكن للطرفين ليس البحث عن شكل جديد للحرب بل عن تسوية تحفظ المصالح الأساسية وتوقف دائرة الاستنزاف، ففي حين تؤجل الحرب الاقتصادية الانفجار فإنها لا تلغيه، وفي الحالتين، يدفع الإيرانيون، وشعوب المنطقة، والأمريكيون أيضا، أثمانا أكبر من أي مكاسب سياسية مؤقتة.
يتعارض هذا طبعا مع سياسات «شرير المنطقة» الإسرائيلي، الذي فجّر الحرب، ويعتاش على توسيعها بحيث يحقّق خططه الإجرامية في غزة والضفة الغربية، وهو ما ينسحب أيضا على سوريا ولبنان وباقي الإقليم، لكنه يتوافق مع اتجاه عالمي يستفيد من استقرار المنطقة وازدهارها الاقتصادي وأمن شعوبها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *