3 سيناريوهات على طاولة الحكومة


طهران-“القدس العربي”: تسعى إيران إلى تنفيذ خطط جديدة لمواجهة أزمة البنزين فيما لم يتمكن المسؤولون من التوصل بعد إلى خلاصة أو قرار نهائي.

لقد تجاوز استهلاك البنزين حجم إنتاج المصافي المحلية. ويبلغ الإنتاج المحلي من البنزين نحو 105 ملايين لتر يومياً، في حين يصل الاستهلاك اليومي إلى نحو 135 مليون لتر. وبالتالي، يتعين على الحكومة استيراد الفارق، الذي يبلغ نحو 30 مليون لتر يومياً. لكن المشكلة تكمن أولاً، حسب ما قاله الرئيس مسعود بزشكيان، في أن الحكومة لا تملك الموارد اللازمة من العملات الأجنبية لاستيراد البنزين، وحتى لو كانت تملكها، فهي تفضل إنفاقها على احتياجات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل استيراد السلع الغذائية الأساسية والأدوية.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، مشيراً إلى صعوبات تأمين البنزين: “بصرف النظر عن القيود المالية والحصار البحري الذي يفرضه العدو، والذي عرقل صادراتنا ووارداتنا، من قال إن على الحكومة أن تشتري البنزين بسعر 130 ألف تومان (0.667 دولار = 66.7 سنتاً)، ثم تبيعه بـ 1500 تومان (0.0077 دولار = 0.77 سنت). وبعد ذلك نواجه قيوداً في زيادة قيمة قسائم السلع، والوفاء بالالتزامات المالية تجاه مزارعي القمح، والتأمين، ومعيشة العمال، والمتقاعدين، والموظفين؟”.

ويقصد بزشكيان أن الحكومة مضطرة إلى استيراد البنزين بسعر مقوم بالدولار، ثم بيعه للمواطنين بسعر منخفض بالعملة المحلية.

حالياً، يُباع البنزين في إيران بنظام الحصص للمركبات العادية. وتشمل حصة السيارات الخاصة 60 لتراً من البنزين شهرياً بسعر 1500، و50 لتراً شهرياً بسعر 3000 تومان (1.54 سنت). وبعد انتهاء هاتين الحصتين، يُباع البنزين وفق السعر الثالث البالغ 5000 تومان (2.56 سنتاً).

وتدور حالياً تكهنات بشأن رفع سعر البنزين وتغيير نظام الحصص، رغم أن مسؤولي الحكومة نفوا مراراً وجود قرار بشأن تحديد سعر جديد أو اتخاذ قرار نهائي في هذا الشأن.

ونفت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، ما نُشر بشأن تحديد سعر 80 ألف تومان (نحو 0.4 دولار) للبنزين، وقالت إن موضوع إدارة استهلاك الوقود لا يزال قيد الدراسة من الناحية الفنية، وإنه حتى الآن لم يُتخذ أي قرار نهائي بشأن آلية التنفيذ أو الأسعار الجديدة.

مشكلة تهريب البنزين

تواجه الحكومة أيضاً مشكلة تهريب البنزين. وتشير التقديرات إلى تهريب نحو 20 إلى 30 مليون لتر من البنزين يومياً من إيران إلى الدول المجاورة، بسبب انخفاض سعر البنزين في إيران مقارنة بالدول المجاورة. ويُعد الطريق الرئيسي لتهريب الوقود الإيراني عبر محافظة سيستان وبلوشستان، جنوب شرقي البلاد، باتجاه باكستان.

وقد يؤدي رفع سعر البنزين إلى تأثيرات سلبية على مختلف جوانب حياة الإيرانيين، خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد نتيجة الحربين السابقتين والظروف الحربية الحالية. وقد تجاوز التضخم في البلاد 80%، وهو أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية، كما أصبح تضخم أسعار المواد الغذائية من ثلاثة أرقام.

ويُعد سعر البنزين في إيران قضية شديدة الحساسية، سياسياً وأمنياً. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2019، أدى رفع مفاجئ لأسعار البنزين في عهد الرئيس حسن روحاني إلى اندلاع احتجاجات واضطرابات عنيفة أسفرت عن مقتل مئات الأشخاص. وفي ذلك الوقت، ارتفع سعر البنزين ضمن الحصة الأولى بنسبة 50%، بينما ارتفع سعر الحصة الثانية إلى ثلاثة أضعاف.

خطط الحكومة الثلاث للبنزين

كان إسماعيل سقاب أصفهاني، نائب الرئيس الإيراني ورئيس منظمة تحسين استهلاك الطاقة، قد قال في وقت سابق إن الحكومة تدرس ثلاثة خيارات لمستقبل وضع البنزين:

الأول: طرح البنزين بقدر الإنتاج المحلي. أي أن سعر البنزين لن يتغير، لكن سيتم عرضه في محطات الوقود فقط بالكمية التي يتم إنتاجها يومياً، والتي تقدر بنحو 105 إلى 115 مليون لتر يومياً. وعند نفاد هذه الكمية، يتوقف طرح البنزين في المحطات.

الثاني: توزيع البنزين بنظام الحصص على السيارات. أي تخصيص كامل كمية البنزين المنتج محلياً للسيارات وفق نظام حصص. أما الاستهلاك الذي يتجاوز الحصة، فيجب أن يُشترى بالسعر الحر.

الثالث: تخصيص حصة البنزين للأفراد وليس للسيارات. في هذا النموذج، تنفصل حصة البنزين عن السيارة، وتُخصص لجميع أفراد المجتمع، سواء كانوا يمتلكون سيارات أم لا. وسيتم تخصيص نحو 30 مليون لتر يومياً للنقل العام وسيارات الأجرة، بينما يتم توزيع الكمية المتبقية بين المواطنين. والتقدير المطروح هو نحو 30 لتراً شهرياً لكل شخص. ووفق التوضيحات المنشورة، ستكون حصة الأفراد قابلة للتحويل والبيع والشراء.

ولم تحصل أي من هذه الخطط الثلاث حتى الآن على موافقة نهائية. بل إن نائب الرئيس نفسه طرح الخطط الثلاث على صفحته في منصة “إكس” وطلب من المواطنين التصويت عليها.

انتقادات للسيارات المحلية

انتقد نائب الرئيس أيضاً السيارات المصنّعة محلياً، مشيراً إلى أنها تستهلك بنزيناً أكثر مقارنة بالسيارات الحديثة في العالم. وقال: “لو كان استهلاك السيارات المحلية من البنزين مماثلاً لاستهلاك السيارات الحديثة في العالم، لما كنا نواجه الآن اختلالاً بين إنتاج البنزين واستهلاكه.”

وقد فرض المسؤولون الإيرانيون نوعاً من الاحتكار على شركات صناعة السيارات المحلية. كما أن استيراد السيارات محدود جداً ويتم بفرض رسوم مرتفعة للغاية. وتستخدم العديد من السيارات المحلية تقنيات قديمة وتستهلك كميات كبيرة من الوقود، رغم أن الحكومة تحاول تحسين الوضع من خلال زيادة واردات السيارات، ولا سيما السيارات الكهربائية.

وانتقد نائب الرئيس كذلك سياسة استيراد السيارات، قائلاً إنه كلما اتجهت إيران نحو الاستيراد، كانت نسبة كبيرة من السيارات المستوردة سيارات صينية منخفضة الجودة وعالية الاستهلاك للوقود، وأحياناً تكون أسوأ من السيارات المحلية. وقال في تصريح آخر إن استيراد السيارات اليابانية قد يكون أقل تكلفة من السيارات الصينية منخفضة الجودة والمركبة محلياً.
وقد أثارت خطط نائب الرئيس لشؤون الطاقة ردود فعل إيجابية وسلبية.

جدل حول الخطة الثالثة

وانتقد الخبير الاقتصادي صادق الحسيني معارضي الخطة الثالثة، قائلاً إن بعض “أمناء النفط” ووسائل الإعلام التابعة لهم يحاولون تشويه فكرة منح حصة البنزين للمواطنين وفق الرقم الوطني، وإن مطالبتهم بنقل معالجة مشكلة البنزين من منظمة تحسين وإدارة الطاقة إلى شركة التكرير والتوزيع، التي تعد نفسها جزءاً من أصحاب المصلحة في هذه المنظومة، تكشف بحسب رأيه، عن دور هؤلاء الأشخاص في تجارة البنزين والديزل المهربة.

ويقصد بمصطلح “أمناء النفط” أشخاصاً يبيعون النفط من خلال الالتفاف على العقوبات، كما يقومون بتحويل الأموال إلى البلاد بطرق تتجاوز العقوبات. ويحقق هؤلاء عائدات ضخمة من هذه الأنشطة، ويُعرفون في الرأي العام الإيراني باسم “كاسبي العقوبات”، أي المستفيدين من العقوبات.

وفي المقابل، انتقد المتحدث باسم لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني الفكرة الثالثة. وقال رضا سهوند، بشأن أحد السيناريوهات المطروحة، الذي يقضي بتوزيع 90 مليون لتر بالتساوي بين المواطنين، إن هذه الطريقة تشبه إلى حد كبير نظام الدعم النقدي الذي طُبق في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، والذي تسبب، بحسب قوله، في مشكلات أساسية للبلاد، ولا تزال الحكومة تواجه صعوبة في توفير موارده شهرياً.

وأضاف: “اليوم، في قطاع الوقود، أمامنا نحو 25 مليون سيارة لتوزيع البنزين. فإذا أردنا تخصيص البنزين لـ 90 مليون شخص، فمن المؤكد أن الوضع سيصبح أسوأ. وبمجرد تخصيص أول حصة وقود للأفراد، سيتحول الأمر إلى مطلب دائم، وستضطر الحكومة إلى الاستمرار فيه إلى الأبد. وهذا النوع من تحقيق العدالة يحتاج إلى موارد لا نهائية، فضلاً عن أنه قد يؤدي إلى ظهور سوق سوداء للبنزين.”

أما بشأن الخطة الأولى، أي إغلاق محطات الوقود بعد توزيع كامل كمية البنزين المنتج محلياً، فقال المتحدث باسم لجنة الطاقة في البرلمان إن تنفيذ مثل هذه الخطة سيؤدي إلى تشكيل طوابير طويلة. فعندما تنفد حصة محطة معينة، لن تتمكن المحطة من تقديم الخدمة، وسيواجه المواطنون وضعاً يذهبون فيه إلى المحطة ثم يكتشفون عدم وجود بنزين، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى احتجاجات.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *