تفعيل خطة بـ 25 مليون دولار لمساعدة موريتانيا في مواجهة الصدمات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن أزمات العالم



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: بين التحويلات النقدية وتأمين الغذاء ودعم الزراعة، وفي إطار مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات الممول من آلية تابعة للبنك الدولي، تستعد موريتانيا لضخ أكثر من أربعة أخماس تمويل طارئ بقيمة 25 مليون دولار خلال ستة أشهر فقط، في تحرك يستهدف بناء خط دفاع اجتماعي واقتصادي سريع في مواجهة تداعيات الأزمات الخارجية، وفي مقدمتها الاضطرابات المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط وانعكاساتها المحتملة على الأسعار والأمن الغذائي والفئات الأكثر هشاشة.
وتخطط الحكومة الموريتانية لصرف نحو 20.86 مليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من تنفيذ مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات، فيما سيبقى نحو 4.14 ملايين دولار لمرحلة لاحقة تتم برمجتها في ضوء المراجعة النصفية للمشروع.
ويمثل المبلغ المقرر صرفه في المرحلة الأولى 83.46% من إجمالي التمويل، وهي نسبة تعكس توجها نحو تركيز التدخل خلال الفترة الأولى من الأزمة، بدل توزيع الموارد على آجال طويلة.
وتؤكد وثيقة للبنك الدولي أن مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات يتجاوز في تصميمه الاستجابة لأزمة بعينها، إذ أنشئ ليمنح موريتانيا أداة سريعة للتعامل مع الأزمات والطوارئ المؤهلة.
ويتيح المشروع استخدام ما يصل إلى 10% من الأموال غير المصروفة وغير الملتزم بها من محفظة مشروعات البنك الدولي في البلاد، عبر «خيار الاستجابة السريعة»، بما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو الاحتياجات الطارئة دون المرور بالمسار الطويل لإعداد مشروع جديد.
وتشمل الحالات التي يمكن تفعيل الآلية لمواجهتها الكوارث الطبيعية والطوارئ الصحية والأزمات الأمنية والصدمات الاقتصادية والاجتماعية، مع إمكانية تمويل الغذاء والدواء والوقود والأسمدة والتحويلات النقدية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
وهنا تكمن أهمية مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات فهو لا يوفر التمويل فقط، وإنما يؤسس قناة مالية جاهزة للتحرك عند حدوث الصدمة.
وتستحوذ التحويلات النقدية على الحصة الأكبر من الخطة، بنحو 13.78 مليون دولار، أي قرابة ثلثي المبلغ المبرمج للأشهر الستة الأولى.
ومن المقرر تمرير هذه المساعدات عبر برامج الحماية الاجتماعية التابعة للمندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء «تآزر»، مستفيدة من البنية الموجودة أصلا، وفي مقدمتها السجل الاجتماعي الوطني وآليات التسجيل والتحقق ومنظومة الدفع.
وتسمح آلية المشروع كذلك بتقديم مساعدات مؤقتة للأسر المتضررة من الصدمة، وليس الاقتصار بالضرورة على المستفيدين الدائمين من برامج التحويلات الاجتماعية.
وتمنح هذه البنية الحكومة إمكانية تقليص الفترة بين اتخاذ قرار التدخل ووصول المساعدة إلى الأسر، وهو عامل حاسم عندما تكون الأزمة مرتبطة بارتفاع سريع في أسعار الغذاء أو تراجع القوة الشرائية.
وبالتوازي مع التحويلات النقدية، تخصص الخطة نحو 2.95 مليون دولار لاقتناء وتوزيع المواد الغذائية الأساسية لفائدة قرابة 83,154 مستفيدا.
وتسمح قائمة النفقات المعتمدة ضمن مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات بشراء مواد أساسية تشمل الأرز والذرة والدخن واللوبيا والزيت والسكر والملح، إضافة إلى إمكانية تمويل احتياجات أخرى بحسب طبيعة الطوارئ.
كما تخصص الخطة نحو 2.16 مليون دولار للمناطق الأكثر هشاشة، ومن بينها ولاية الحوض الشرقي، بما يمنح الاستجابة بعدا جغرافيا يتجاوز مجرد توزيع المساعدات وفق معايير الدخل.
وتكتسب المناطق الشرقية أهمية خاصة بسبب هشاشتها الاقتصادية وتأثرها بالتطورات الإقليمية وتدفقات اللاجئين.
وكانت وثائق إعداد المشروع قد أشارت منذ 2025 إلى مناقشة إمكانية استخدام الآلية لمواجهة الضغوط المرتبطة بتدفق اللاجئين إلى شرق موريتانيا.

حماية الإنتاج الزراعي
ولا تقتصر الخطة على تقديم المساعدات الاستهلاكية، إذ تخصص 1.45 مليون دولار للقطاع الزراعي بالتعاون مع وزارة الزراعة والسيادة الغذائية.
وتشمل التدخلات اقتناء المعدات الزراعية ومعدات الضخ بالطاقة الشمسية والمعدات الخفيفة والآليات الثقيلة.
ويكشف هذا المكون عن محاولة للجمع بين الاستجابة الاجتماعية العاجلة وحماية القدرة الإنتاجية، فدعم الأسر بالغذاء والسيولة يعالج التداعيات المباشرة للأزمة، بينما يساعد دعم الزراعة على منع تحول الصدمة المؤقتة إلى أزمة إنتاج وأمن غذائي أطول أمدا.
وتسمح الآلية الأوسع للمشروع كذلك بتمويل البذور والأعلاف والأسمدة وأنظمة الري المقتصدة للمياه عند الحاجة.
التنفيذ يبدأ من الشهر الأول
ويظهر الجدول الزمني رغبة في تسريع التنفيذ، حيث ستتركز التحويلات النقدية بصورة أساسية خلال الشهر الأول، بينما ستتم عمليات شراء وتوزيع المواد الغذائية وحزم الإيواء خلال الشهرين الثاني والثالث، وتمتد الأنشطة الزراعية من الشهر الثاني إلى الخامس.
كما رصدت الخطة 529 ألف دولار لتغطية تكاليف إدارة المشروع والمتابعة والتقييم والتنفيذ.
وباعتماد سعر صرف مرجعي قدره 40 أوقية جديدة للدولار، فإن مبلغ 20.86 مليون دولار المقرر إنفاقه في الأشهر الستة الأولى يعادل نحو 834.6 مليون أوقية جديدة، أي 8.35 مليارات أوقية قديمة.

من يدير المشروع؟
يقع مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات تحت إشراف وزارة الشؤون الاقتصادية والتنمية، فيما تتولى وحدة مشروع دعم تنمية وابتكار القطاع الزراعي في موريتانيا إدارة المشروع، مستفيدة من خبرتها في إدارة عمليات ممولة من البنك الدولي.
وتتولى الوحدة الإدارة المالية والمشتريات والمتابعة والتقارير والامتثال للمعايير البيئية والاجتماعية، بينما تنفذ القطاعات الحكومية المختصة الأنشطة المرتبطة بمجالاتها.
كما تنص ترتيبات المشروع على وجود لجنة قيادة برئاسة الوزير الأول، بما يعكس الطابع متعدد القطاعات للاستجابة التي تشمل الحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والزراعة وغيرها.
الشفافية ودقة الاستهداف
غير أن ضخ أكثر من 20 مليون دولار خلال فترة قصيرة يجعل سرعة التنفيذ جزءا واحدا من الاختبار؛ فالجزء الآخر يتعلق بدقة الاستهداف وشفافية المشتريات والتحويلات وقدرة منظومة الرقابة على تتبع الأموال حتى وصولها إلى المستفيد النهائي.
وتعترف وثائق البنك الدولي نفسها بهذا التحدي، حيث تشير إلى مخاطر محتملة تتعلق باستبعاد بعض الفئات الهشة، ولذلك تتضمن منظومة المشروع آليات للشكاوى والمتابعة والتشاور مع المستفيدين، إضافة إلى تقارير دورية حول التنفيذ.
وستكون فعالية السجل الاجتماعي وقدرته على تحديد الأسر المتضررة عاملا حاسما، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصدمة سريعة قد تدفع أسرا لم تكن مصنفة سابقا ضمن الأكثر فقرا إلى وضع اقتصادي هش.

اختبار يتجاوز التمويل المرصود
وبهذا المعنى، تتجاوز أهمية مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات قيمة الـ25 مليون دولار المرصودة له حاليا؛ فالمشروع يمثل اختبارا لقدرة موريتانيا على الانتقال من إدارة تداعيات الأزمات بعد وقوعها إلى امتلاك منظومة استجابة جاهزة قبل وصول الصدمة.
ويوفر الجمع بين التحويلات النقدية والمساعدات الغذائية ودعم وسائل الإنتاج الزراعي والاستهداف عبر السجل الاجتماعي، أدوات متنوعة للتحرك، لكنه يضع في المقابل مسؤولية أكبر على أجهزة التنفيذ والرقابة.
وفي بلد يتأثر بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والتقلبات المناخية وتداعيات الأزمات الإقليمية وتدفقات اللاجئين، يمكن أن يتحول مشروع الاستجابة الطارئة للأزمات من مجرد تمويل استثنائي إلى عنصر دائم في منظومة الحماية من الصدمات.
ولذلك، فإن السؤال بعد تأمين التمويل لن يكون عما ستنفقه الحكومة، بل: عن مدى السرعة والدقة والشفافية التي ستحول بها هذه الملايين إلى حماية ملموسة لدخل الأسر وضمان أمنها الغذائي وقدرتها على الإنتاج.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *