الرباط ـ «القدس العربي»: بات على المثقف والمبدع المغربي أن يفكر ألف مرة قبل أن يغادر الدنيا. ليس في إرثه الذي سيتركه وراءه، ولا في الكتب التي ألفها أو القصائد التي كتبها، بل في سؤال أكثر إيلاما: هل ستلتفت المؤسسات الثقافية إلى رحيله؟ وهل سيحظى بما يليق بمكانته من تقدير في لحظة الوداع؟ أم أن مصير كثير من المبدعين سيظل مرتبطا بالصمت والتجاهل، حتى بعد أن يغيبوا عن هذه الحياة؟
كل ذلك القلق اعتلى جبين المشهد الثقافي المغربي وهو يرى حجم الجفاء الذي قوبلت به جنازة الشاعر الرائد محمد السرغيني، أحد القامات الباسقة في التجديد الشعري المغربي، وأحد صناع القصيدة المغربية منذ سبعينيات القرن الماضي، ليس فقط من طرف وزارة الثقافة، بل إن عددا كبيرا من المثقفين غابوا أيضا عن تشييعه إلى مثواه الأخير.
وتزامن وداع قامة شعرية وأكاديمية بحجم الراحل السرغيني، الذي وافته المنية في منتصف شهر آب/أغسطس الجاري عن عمر ناهز 96 عاما، مع تسجيل ملاحظات وانتقادات من طرف بعض المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي حول غياب التمثيل الرسمي لوزارة الثقافة، أو حضور شخصيات وازنة تمثلها في مراسم تشييع جنازته، وهو ما اعتبره البعض استمرارا في تهميش الرواد أو تقصيرا مؤسسيا في حقهم، وهم أحياء وفي لحظات وداعهم الأخيرة.
صحيح أن وفاة محمد السرغيني أثارت الكثير من الحزن والتفاعل في الوسط الثقافي المحلي، وتوالت بيانات التعزية من هيئات ثقافية مثل بيت الشعر في المغرب واتحاد كتاب المغرب، ناهيك عن كلمات النعي التي كتبها عدد كبير من المثقفين والمبدعين المغاربة، بل إن جزءا من الفنانين اهتموا برحيله وآلمهم ذلك، إلا أن وزارة الثقافة بقيت خارج هذا المد الحزين، وغابت معها كل دلالات تكريم المبدعين في حياتهم ومماتهم أيضا.
ربما كانت لدى وزارة الثقافة انشغالات تراها أهم من تكريم رمز من رموز الشعر المغربي الحديث، لكن يبدو أن «وزير قطاع الثقافة مشغول بالانتخابات، لا يعنيه موت شاعر، هو أصلاً لا يعرفه، ولم يسمع به»، كما قال الشاعر والناقد صلاح بوسريف في تدوينة نشرها على صفحته في فيسبوك، قبل أن يضيف متسائلاً: «ماذا لو كان من رحل شاعرا بمعايير الوزير ومن معه، ممن أفسدوا ما كان فاسدا في الوزارة؟ أعان الله من سيتولاها بعدهم».
لكن المؤلم حقا أن تدوينة صلاح بوسريف كشفت عن شرخ أعمق، حين كتبت زوجة الكاتب والقاص الراحل إدريس الخوري تعليقا أصاب المشهد الثقافي بالصدمة، قالت فيه: «تدوينتكم أرجعتني إلى خمس سنوات مضت بعد وفاة زوجي إدريس الخوري رحمه الله. عشت ظروفا مادية قاسية جدا، وقررت حينها التوجه إلى وزارة الثقافة لطلب مساعدة للحفاظ على مكتبة ومقتنيات المرحوم. بعد التردد على ديوان الوزير أكثر من أربع مرات، تم تحديد موعد مع مستشاره الأول وقتها. ذهبت في الموعد المحدد، وبعد الاستماع إليّ، فاجأني المستشار بسؤال: من هو هذا السيد المدعو إدريس الخوري؟ أنا لا أعرفه ولم أسمع عنه».
وأضافت زوجة الراحل: «لم أتردد في الجواب، فقلت له: ستعرفه لو كنت تعرف القراءة، بما أنك لم تقرأ فلن تعرفه، وما عليك إلا أن تكتب اسمه في محرك البحث غوغل، وستعرف أن صاحب الجلالة سبق أن وشّحه بوسامين ساميين شريفين». وختمت بألم: «خرجت وأنا أجتر خيبة وحزنا فوق الاحتمال».
ولم تنته الصدمة هنا، بل بدأت الأسئلة تتوالد في أوساط المشهد الثقافي: هل هكذا سيتم تكريم رموز الثقافة المغربية مستقبلا؟ لكن البعض حمد الله أن كبارا مثل محمد زفزاف ومحمد شكري وغيرهما الكثير لم يرحلوا في عهد الوزير الحالي.
صلاح بوسريف عاد في تدوينة لاحقة ليحتفي بـ»با إدريس» وهو لقب الراحل في الوسط الثقافي، ونشر صورا من محطات مختلفة توثق لـ»تاريخ من الإبداع والنضال من أجل ثقافة حرة، لا تلتمس فتات الموائد وأطعمتها البائتة والباهتة»، وفق تعبير الشاعر.
والمصادفة المؤلمة أن نقاش مواكبة وزارة الثقافة لوفاة الشاعر محمد السرغيني جاء وفي طياته خبر عدم معرفة محيط الوزير لكاتب من وزن إدريس الخوري، وكلاهما من صنّاع اللحظة الثقافية ومؤسسي الكلمة المغربية، أحدهما في ميدان الشعر والدراسات الأكاديمية، والثاني في ميدان القصة القصيرة والصحافة.
الواقعتان معا أثارتا الكثير من القلق، ومعه الجدل الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وأشعل الأوساط الثقافية والإعلامية المغربية، لا سيما أن الأمر يتعلق بمدى مواكبة المؤسسات الوصية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، ومعرفتها برموز الفكر والأدب الكبار من جيل الرواد. لكن بعض الشعراء والنقاد، مثل صالح لبريني، يعتقدون أن «معرفة الكاتب إدريس الخوري أو جهله من لدن وزارة الثقافة، وغيابها عن تشييع جنازة الشاعر محمد السرغيني، وعدم حضور المثقفين، لا ينقص من قيمة ومكانة الرجلين ثقافيا وإبداعيا».
وأكد لبريني في تدوينته: «كل المثقفين يدركون ويعون أن الدولة، وليس الوزارة فقط، لا تهتم بالثقافة ولا بالمثقفين، فلماذا يصرخ البعض وهو يعلم الوضع العام؟ والأنكى من ذلك أن المثقفين والمبدعين لا يؤمنون بثقافة الاعتراف، ويمارسون في ما بينهم الجحود والنكران والتهميش».
وحسب الناقد، فإن «المثقف الحقيقي لا ينتظر الاعتراف من مؤسسات الدولة بقدر ما يسعى إلى قارئ يقرأه، وناقد ينتقده، وإلى الإضاءة على تجربته»، وختم متسائلا: «فلماذا هذا النقاش الذي لن يجدي في شيء؟».
من جهته، وجّه الشاعر إدريس الملياني البوصلة باتجاه المثقفين الذين لم يحضروا بكثافة لتشييع الراحل، وجاء في تدوينة نعي نشرها على صفحته في فيسبوك: «ولعل أكثر ما كان يؤلمني، وأنا واقف عند قبره، ليس الموت وحده، وإنما ذلك الغياب الذي يفضح أحيانا هشاشة ما نسميه وفاء». وزاد متسائلا بمرارة: «أين الذين كانوا يتسابقون إلى التقاط الصور معه؟ أين الذين كانوا يملؤون صفحات التواصل الاجتماعي بصورهم إلى جانبه، ويتباهون بقربهم منه، ويكتبون عن فضله ومكانته؟ أين كتّاب المدينة وشعراؤها ومثقفوها ومناضلوها ومنتخبوها، الذين كان اسمه وحده يرفع لهم المقام، وكان حضورهم في مثل هذا اليوم أقل ما يمكن أن تقوله المحبة؟».
واختصر الملياني مسافة الوجع بقوله: «لا أريد أن أفسد على الموت جلاله بالعتاب، فالموت، في حضرة رجل استثنائي مثل محمد السرغيني، أكبر من كل عتاب، لكن الغياب أحيانا يقول أكثر مما تقوله الكلمات، ولعل بعض الصمت أبلغ من كثير من المراثي التي تأتي متأخرة. وإذا كان الموت قد أخذه منا، فإنه كشف لنا، في اللحظة نفسها، من بقي وفياً للإنسان لا للصورة، وللذكرى لا للمناسبة».
ولم تكن وزارة الثقافة وحدها في مرمى الانتقادات، بل انضاف إليها المشهد الثقافي برمته، الذي غاب عدد من الفاعلين فيه، كما غابت المنابر الإعلامية، على كثرتها، باستثناء الجرائد الورقية العتيدة وبعض المواقع الإلكترونية التي تعنى بالثقافة والمثقفين.
وتعددت الأصوات والتدوينات التي عبّرت عن هذا الاستياء، ومفارقة «بيانات النعي»، في مقابل الغياب عن الجنازة، بما يجعل مسلسل «تجاهل الرواد» مستمرا من طرف الجهات الرسمية الوصية على قطاع الثقافة، أو من طرف المثقفين وهيئاتهم الإبداعية والثقافية، التي يبدو أنها مطالبة بدور أكبر في حياة المثقفين والمبدعين ومماتهم.