القاهرة – “القدس العربي” – من تامر هنداوي: البحر مقابل النيل، هكذا تبدو معادلة الصراع المصري الإثيوبي في السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي تهدد فيه أديس أبابا بالسيطرة على تدفقات النيل إلى دولتي المصب، ما يجعل مصير المصريين بأيديها، تلعب القاهرة بورقة عرقلة حصول إثيوبيا على منفذ بحري على البحر الأحمر، في إطار الخلافات بين البلدين على ملف سد النهضة.
الربط بين النيل والبحر الأحمر، عبر عنه وزير المياه والطاقة الإثيوبي في تصريحاته التي قال فيها إن بلاده ستبني عدة سدود جديدة على نهر النيل، معتبراً أن مستقبل إثيوبيا لا ينفصل عن النهر والبحر الأحمر، حيث يعمل كلاهما كركائز استراتيجية للتنمية الوطنية والاتصال الإقليمي، واصفاً النيل الأزرق والبحر الأحمر بأنهما مسطحان مائيان شكلا تاريخ إثيوبيا وأثرا على ديناميكيات القوة الإقليمية، وما زالا يحددان المسار الاقتصادي والاستراتيجي للبلاد.
تحاول إثيوبيا الحصول على منفذ بحري مستقل أو شراكات طويلة الأمد مع الدول المحيطة بها، وتقليل اعتمادها على موانئ جيبوتي باعتبارها السبيل الوحيد للوصول إلى مياه البحر الأحمر
وتحاول إثيوبيا الحصول على منفذ بحري مستقل أو شراكات طويلة الأمد مع الدول المحيطة بها، وتقليل اعتمادها على موانئ جيبوتي باعتبارها السبيل الوحيد للوصول إلى مياه البحر الأحمر في الوقت الحالي، في الوقت الذي تشهد علاقات أديس أبابا مع الصومال وإرتيريا العديد من التعقيدات، مع تعزيز مصر علاقاتها الاستراتيجية مع الدولتين.
دخل ملف الوصول الإثيوبي إلى البحر مرحلة جديدة عام 2024، عندما وقعت حكومة إثيوبيا وسلطات أرض الصومال، التي أعلنت الانفصال عام 1991 دون اعتراف دولي، مذكرة تفاهم تضمنت تصورًا لمنح أديس أبابا استخدام نحو 20 كيلومترًا من الساحل لأغراض تجارية وبحرية، مع تداول ترتيبات لقاعدة بحرية وبحث إثيوبي في الاعتراف بالإقليم.
ورفضت الحكومة الفيدرالية في مقديشو المذكرة، وعدتها انتهاكًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، ثم تحولت الأزمة إلى أحد أبرز ملفات الأمن الإقليمي في خليج عدن.
ثم جاء بروتوكول التعاون العسكري المصري الصومالي في أغسطس/ آب 2024 بعد أشهر من توقيع المذكرة، ومنح دعم السيادة الصومالية القاهرة مدخلًا سياسيًا وأمنيًا إلى مقديشو، بالتزامن مع استمرار الخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة”.
ومنذ انفصال إريتريا عام 1991 عقب حرب أهلية دامت عقودًا، سعت إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، بشكل متزايد، إلى ترسيخ وجودها الدائم على البحر الأحمر.
فوضى كاملة
وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ربط هو الآخر بين أزمة النيل والبحر الأحمر، وقال إن استخدام الموانئ لأغراض تجارية يجب أن يتم بالتنسيق مع الدول ذات السيادة، محذراً من أن فرض ترتيبات أحادية سيؤدي إلى “فوضى كاملة” في القارة الإفريقية.
وأضاف في تصريحات متلفزة أمس، أن دعم مصر لوحدة الصومال وسيادته، رافضاً أي تحركات تهدف إلى فرض منفذ بحري لأغراض عسكرية من دون موافقة الدولة المعنية.
وشدد على أن بلاده لن تسمح بإقامة سدود إضافية أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس مصالحها المائية، وعلى تمسك القاهرة باتفاق ملزم قانونياً يضمن حقوقها المائية.
وبين أن مصر لا تعارض حق الدول الإفريقية في التنمية، مستشهداً بمشاركتها في تنفيذ مشروعات وسدود في عدد من دول حوض النيل، لكنه شدد على ضرورة تحقيق التوازن بين حق التنمية وحقوق دول المصب.
التصريحات لا تكفي
إلى ذلك، خرجت أصوات تطالب القاهرة بالتخلي عن طريقتها السابقة في التعامل مع إثيوبيا.
وحذر الإعلامي والكاتب الصحافي، إبراهيم عيسى، من خطورة التطورات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي، معتبرًا أن تصريحات المسؤولين في إثيوبيا بشأن التحكم في تدفق المياه إلى دول المصب، إلى جانب الحديث عن بناء 3 سدود جديدة، تفرض على مصر إعادة تقييم طريقة تعاملها مع هذا الملف.
وقال خلال فيديو له عبر قناته الرسمية على “يوتيوب”، إن الحديث عن إنشاء سدود جديدة، يعني أن إثيوبيا قد تصبح صاحبة قدرة أكبر على التحكم في تدفق مياه النيل إلى مصر والسودان، مشيرًا إلى أن الأمر، بحسب رؤيته، يتجاوز مجرد تخزين المياه إلى امتلاك القدرة على التأثير في تدفقها.
وأضاف عيسى أن الأمر يعني، من وجهة نظره، أن إثيوبيا قد تصبح صاحبة “مفتاح” تدفق مياه النيل، مؤكدًا أن القضية لا تتعلق بإغلاق النهر أمام مصر، وإنما بالتحكم في تدفق المياه، وهو ما قد ينعكس على الزراعة ومياه الشرب ومختلف الاستخدامات المرتبطة بنهر النيل.
وانتقد عيسى الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي تؤكد حقوق مصر في مياه النيل، معتبرًا أن القضية الأساسية تتمثل في كيفية تحويل هذه التصريحات إلى إجراءات ونتائج على الأرض، خاصة أن مصر أعلنت مواقف مماثلة طوال السنوات الماضية دون الوصول إلى اتفاق ملزم من وجهة نظره.
انتقد عيسى الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي تؤكد حقوق مصر في مياه النيل، معتبرًا أن القضية الأساسية تتمثل في كيفية تحويل هذه التصريحات إلى إجراءات ونتائج على الأرض
وأكد أنه ليس من دعاة الحرب أو الضربات العسكرية، مشيرًا إلى أن بناء جيش قوي، من وجهة نظره، هدفه الأساسي الردع ومنع الآخرين من التفكير في الاعتداء، وليس الدخول في حروب.
وشدد على أن الحفاظ على مياه النيل يمثل أحد الأدوار الأساسية للدولة المصرية تاريخيًا، وتساءل عن الشيء الذي تنتظره مصر في ظل استمرار التصريحات الإثيوبية والتحديات المرتبطة بمستقبل السدود، داعيًا إلى تبني رؤية جديدة ومختلفة للتعامل مع الملف، بما يحمي المصالح المصرية ويضمن عدم تكرار ما وصفه بإخفاق السنوات الماضية.
كذلك، دعا الإعلامي عمرو أديب إلى التعامل مع ملف المياه باعتباره قضية تمس الأمن القومي المصري، في ظل استمرار الخلافات بين مصر وإثيوبيا بشأن السد وقواعد الملء والتشغيل.
وقال في تصريحات له: “أظن أنه قد آن أوان للتخلي عن الدبلوماسية وضبط النفس ومناشدات المجتمع الدولي”، مضيفًا: “يا روح ما بعدك روح، وليس هناك أهم من المياه”.
وشدد على أن قضية المياه تمثل أولوية قصوى بالنسبة لمصر، باعتبار نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه، مؤكدًا أن التعامل مع أزمة سد النهضة يجب أن ينطلق من حماية المصالح والحقوق المائية المصرية.
ويؤكد الموقف المصري الرسمي باستمرار أهمية التوصل إلى حلول تحفظ حقوق ومصالح جميع الأطراف، مع رفض أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بالأمن المائي لدولتي مصر والسودان.
تبطين الترع
إلى ذلك، كشفت دراسة لمعهد بحوث المياه الجوفية التابع للمركز القومي لبحوث المياه، عن خطورة تبطين شبكة الترع في شرق دلتا النيل، مؤكدة أنه يؤدي إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية بنحو 3.5متر خلال 20 عامًا، محذرة من أن تنفيذ مشروعات التبطين على نطاق واسع دون دراسة تأثيرها على المياه الجوفية قد يؤثر في استدامة الخزان الجوفي وأمن المياه على المدى الطويل.
كشفت دراسة لمعهد بحوث المياه الجوفية التابع للمركز القومي لبحوث المياه، عن خطورة تبطين شبكة الترع في شرق دلتا النيل
وشددت الدراسة على ضرورة عدم الاعتماد على تبطين جميع الترع بشكل موحد، وإنما تحديد المناطق التي تحتاج إلى التبطين، خاصة التي يؤدي تسرب المياه منها إلى زيادة تشبع التربة بالمياه أو ارتفاع الملوحة، مع الإبقاء على بعض أجزاء الترع غير المبطنة في المناطق التي يساهم تسرب المياه منها في تغذية الخزان الجوفي.
وأوصت بضرورة اتخاذ إجراءات أخرى لتعويض المياه التي كان الخزان الجوفي يحصل عليها من التسرب، ومنها تغذية الخزانات الجوفية بشكل متعمد، وإنشاء أحواض تسمح بتسرب المياه إلى باطن الأرض، أو إقامة مناطق يتم التحكم فيها للسماح بتسرب كميات محددة من المياه.
وكان مشروع تبطين الترع أحد أهم الإجراءات التي اتخذتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية لتقليل الفقد في المياه، في ظل أزمة سد النهضة الإثيوبي، بتكلفة إجمالية تتخطى الـ90 مليار جنيه.