لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعدته مراسلة الصحيفة للشؤون الإيرانية يغانة تورباتي، تساءلت فيه عمن يرمش أولا مع دخول الولايات المتحدة وإيران مواجهة متوترة.
ففي الوقت الذي لم يحدث فيه أي تقدم على الساحة الدبلوماسية ولم يستأنف القتال، بات كل طرف يشعر أنه قادر على الصمود لفترة أطول، مع أن حالة الجمود هذه تنذر بعودة للقتال أو جمود أطول.
ويكمن جوهر هذا الوضع غير المحسوم في حسابات، وربما حسابات خاطئة، من كلا الجانبين. فمن جهة، يعتقد المسؤولون الإيرانيون أن مكاسبهم من الصمود أمام الضغوط الاقتصادية الأمريكية والحفاظ على سيطرتهم على مضيق هرمز تفوق مكاسبهم من تقديم تنازلات كبيرة في اتفاق تفاوضي، كما يقول بعض المحللين.
أما الولايات المتحدة، فتراهن من جهة أخرى على نجاح الحصار الاقتصادي ضد إيران، في حين فشلت الضربات العسكرية. وفي يوم الأربعاء، تعهد الرئيس ترامب بفرض “عواقب اقتصادية وخيمة” على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران. وحتى الآن، لم يحقق أي من الطرفين، الولايات المتحدة أو إيران، ما يصبو إليه.
وعندما اتفق البلدان على وقف إطلاق النار قبل شهرين، كان من المفترض أن يمهد ذلك الطريق أمام اتفاق أوسع نطاقا خلال 60 يوما، يشمل البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات الأمريكية. وقد انقضى هذا الموعد النهائي هذا الأسبوع، وفي يوم الثلاثاء، قال ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي بأنه “لا توجد محادثات أو حوارات” جارية أو مرتبة.
وبدلا من ذلك يعيش الطرفان “حالة من الترقب الدائم”، كما قالت نيكول غراجيفسكي، الأستاذة المساعدة في مركز الدراسات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس. وأضافت: “لم يتغير الكثير جوهريا خلال الأشهر القليلة الماضية، باستثناء ترسيخ إيران لموقفها، ومحاولات أمريكية متكررة، لم تكلل بالنجاح حتى الآن، لإيجاد مخرج ما”.
وأعلنت طهران هذا الشهر عن قائمة مطالب لواشنطن لإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يقع على طول الساحل الجنوبي لإيران ويعد نقطة عبور رئيسية لجزء كبير من نفط العالم. وتضمنت المطالب رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة ودفع تعويضات الحرب. وكانت شروط مماثلة قد ذكرت سابقا كجزء من اتفاق محتمل بين الجانبين، وردت في مذكرة تفاهم وُقعت في حزيران/يونيو الماضي، لكنها سرعان ما انهارت.
ومنذ عدة إسابيع، تتفاوض إيران مع عمان بشأن إدارة المضيق مستقبلا، إلا أن قائمة المطالب أشارت إلى أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق، ستواصل القوات الإيرانية تهديد حركة الملاحة البحرية ومهاجمتها. وقد تعرضت سفينتان على الأقل لهجوم في المضيق خلال الأيام الأخيرة.
وقال مهرزاد بروجردي، عميد كلية الآداب والعلوم والتربية بجامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا: “بعد أن تعافت طهران من الصدمة الأولية للحرب، باتت عازمة على إظهار قوتها”. وأضاف: “ينبغي فهم استغلال إيران لمضيق هرمز ونهجها المتشدد في المفاوضات المتوازية مع الولايات المتحدة وسلطنة عمان في هذا السياق”.
وقد تذبذب خطاب الرئيس ترامب خلال الأشهر القليلة الماضية، بين التهديد بالإبادة والوعود بقرب التوصل إلى اتفاق دبلوماسي. وإذا كان الهدف من هذا النهج هو إجبار المسؤولين الإيرانيين على تقديم تنازلات، فيبدو أنه أتى بنتيجة عكسية. إذ يبدو أنهم اقتنعوا بأن ترامب غير راغب في إعادة إشعال حرب تهدد برفع أسعار النفط، والتي لا تحظى بشعبية لدى الرأي العام الأمريكي، لا سيما قبل انتخابات التجديد النصفي.
ونقل عن أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: “يبدو أن إيران تعتقد أن الولايات المتحدة ستمل في نهاية المطاف من مواجهة مكلفة ومفتوحة”. في الوقت نفسه، شددت الولايات المتحدة على الضغط الاقتصادي على إيران. وقال جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب ومبعوثه، لقناة فوكس نيوز يوم الاثنين بأن المسؤولين الإيرانيين “لا يبدون أي اهتمام بالقيام بأي شيء يفيدنا”. وعندما سئل عن وضع المفاوضات، أشار إلى الحصار البحري الذي يهدف إلى زيادة إضعاف الاقتصاد الإيراني باعتباره محور تركيز الرئيس ترامب الحالي.
وفي يوم الثلاثاء، قال الرئيس ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي إن الحصار لا يزال ساريا بالكامل. كما أكد أن المضيق مفتوح بالكامل، حتى مع إشارة المسؤولين البحريين إلى الهجمات التي استهدفت السفن في الفترة الأخيرة. وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في مقابلة مع قناة نيوزماكس مؤخرا إن وزارته تعتزم تطبيق إجراءات “لم يسبق لها مثيل في تاريخ العزلة الاقتصادية” لأي دولة.
وسبق لحكام إيران أن نجوا من ضغوط اقتصادية دولية، رغم موافقتهم على تقديم تنازلات بشأن برنامجهم النووي عام 2015 بعد تشديد العقوبات خلال إدارة أوباما. وبالنظر إلى موقف طهران حتى الآن، فمن المرجح أن يتحمل الشعب الإيراني التكلفة المباشرة للعقوبات، حيث يعاني بالفعل من تضخم مرتفع للغاية ويكافح من أجل توفير السلع الأساسية.
وقال بروجردي، من جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، إن إيران “ستحاول، في مواجهة العقوبات الأمريكية، تحميل شعبها العبء الاقتصادي لأطول فترة ممكنة، رهانًا على أن واشنطن ستتراجع أولا”.
وقد عين المرشد الأعلى الإيراني، آية الله مجتبى خامنئي، موالين متشددين له في مناصب عسكرية رئيسية، في إشارة إلى نيته إبقاء البلاد في حالة تأهب قصوى. وقال فاتانكا إن تجدد الصراع قد يجر معه البنية التحتية الإقليمية للطاقة، والقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، والشحن التجاري
وفي الوقت الراهن، يبدو من المرجح استمرار حالة الجمود مع بقاء القضايا الجوهرية دون حل، بما في ذلك البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز.
وقالت غراجيفسكي: “كلما طال أمد هذا الوضع المعلق، ازداد رسوخا وازدادت صعوبة إيجاد مخرج يمكن لأي من الطرفين تقديمه بصورة مختلفة عن كونه تنازلا”.