في معرض للتشكيلي هاني رزق… غزة خارج الصورة الخبرية


القاهرة ــ «القدس العربي»: أقيم مؤخراً في قاعة (الباب) في دار الأوبرا المصرية في القاهرة، معرض «جذور بلا أوراق» للتشكيلي المصري هاني رزق، الذي يستعرض من خلاله حالة الحرب والإبادة المُمَنهجة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة. ومن خلال أسلوب الفنان المعهود، الذي أصبح سمة تُعرف بها لوحاته، رغم اختلاف موضوعاتها، ينسج رزق حكايات هذا الشعب، ورحلات العناء من تجويع وتهجير وإبادة تقع تحت بصر العالم أجمع، حيث تنقلها الفضائيات ليل نهار.
إلا أن رزق يسرد الحكايات من وجهة نظر أخرى ـ فنية ـ رغم رسوخ هذه المشاهد في وعي المُتلقي، لكنه هنا يمجد هذا الشعب وناسه، وكيفية قدرته على مواصلة الحياة، بل إنتاجها في صيغها المختلفة، رغم الموت الذي ينتظره في كل لحظة. ويكمن التحدي الذي يواجهه رزق في تحويل صور باتت مألوفة بفعل التغطية اليومية للحرب إلى تجربة تشكيلية تتجاوز التوثيق المباشر، فتمر المأساة عبر وعي الفنان قبل أن تستقر على سطح اللوحة. فاللوحات وتحويرات الشخوص والمكان ومفرداته لا تحيل مباشرة للصور الفوتوغرافية المعهودة، أو اللقطات الحيّة المصوّرة، بل إلى التفكير في ما حدث وما يحدث، وموقفنا نحن مما يحيطنا بشأن هذه المأساة الإنسانية وتبعاتها، بداية من المشاركة إلى التعاطف، وصولاً إلى الصمت المفروض، سواء من خلال الأنظمة السياسية الحاكمة، أو سلطة مواقع التواصل التي تتحكم بدورها في آراء ومواقف مستخدميها.

التهجير وصفقة القرن

يقول الفنان هاني رزق في حواره مع «القدس العربي».. بدأت التفكير في المعرض منذ أربع سنوات، من خلال فكرة التهجير، أو ما تمت تسميته (صفقة القرن)، فهؤلاء الضحايا يتركون بلدهم وبيوتهم وأرضهم ومزارعهم وأشجارهم، فماذا سيحمل معه حتى يصل إلى الجنوب، ويُلقى به في الصحراء؟ وهنا تبدأ مأساة التجويع. فكرة التجويع الدائم هذه تم تمثيلها من خلال الأواني الفارغة، كما في لوحة (العشاء الأخير). هذه الأواني التي تطالع المُشاهد أو العالم، لتحمّله مسؤولية ما يحدث. ولكن رغم ذلك يعيشون وينتجون الحياة رغم الموت الدائم، فهو شعب منتصر، ولن يُهزم أبداً.

شعب كبير

ومن موضوع اللوحة تبدو التقنية ـ وليس العكس كما في الأعمال المتهافتة ـ فهذا الشعب الكبير، والأعداد التي لا حصر لها من المُهجّرين فرضت على الفنان أن تصبح اللوحة وكأنها لقطة لا يحدها إطار، لتصبح تمثيلاً لجزء من كل، وهي ما عبّرت عنه اللوحات وتكوينها المفتوح.

المسافة صفر

هذا المصطلح الذي ظهر خلال حرب غزة، وكيفية المواجهة والقتال مع جنود الاحتلال، يوضح رزق كيف استخدمه تشكيلياً، فيقول.. جعلت الفراغات بين الشخصيات تكاد تكون منعدمة، فلا توجد مسافات تُذكر، فالمسافة صفر هنا أصبحت مسافة فنية. ويضيف رزق.. أن التكوين من وجهة النظر هذه يعتبر تمجيداً للمجموع، فلا يوجد بطل فرد في هذه المأساة أو التراجيديا الإنسانية، فالبطولة جماعية، ولا تستطيع أن تختصرها في شخص أو فئة محددة.. البطولة هنا يتشارك فيها الأحياء والشهداء.
جذور بلا أوراق
ويتخذ رزق من فكرة (الأم) كشجرة العائلة الراسخة في الأرض، فهي الأصل، ومن خلالها تتوالد الفروع والأوراق، هذه الأوراق هنا التي تمثل الأطفال الشهداء. ولكن هذه الأوراق بدورها تعيش في ذاكرة الموجودين على الأرض، هذه الذاكرة بدورها تمثل أرضاً لا يمكن المساس بها.
يقول رزق.. هنا سيتحول هؤلاء الأطفال من أفراد إلى أرواح، ففكرة الموت لم تكن أبداُ لتمثل النهاية، بل بداية دائمة. ويستطرد رزق موضحاً محاولة الاحتلال طمس وجود الموتى، من خلال هدم المقابر وإخفاء ما تبقى منها، فطالما هناك مقبرة، هناك مكان يمكن الالتجاء إليه ومعايشة الناس لموتاهم، حتى هذا يحاول الاحتلال القضاء عليه، وهي مسألة مرتبطة بمحو الذاكرة والهوية والوجود بالأساس. يقول.. فكرة إخفاء المقابر التي يتعمدها الصهاينة أو هدمها هي محاولة فاشلة أيضاً لمحو التاريخ، فمعنى وجود قبر فسيكون هناك زوار لهذا المكان، ومقابر العلمين في مصر خير مثال، فحتى الآن لم يزل أقاربهم يأتون إلى مصر.

الواقعية الذهنية

ويوضح رزق المنهج الفلسفي الذي يتعامل من خلاله مع اللوحة، ويطلق عليه (الواقعية الذهنية)، وذلك من خلال التعايش مع تجربة إنسانية ومحاولة التعبير عنها، فيقول.. لا أستطيع أن أغرق في التراجيديا، لكننا نعيش آلام هذه الأحداث، فكيف ومَن يمكنه التعبير عن هذه المأساة؟ فالرسم ليس نقل الواقع، بل واقعية ذهنية تعكس هذا الواقع من خلال إحساس الفنان وشعوره بما يحدث حوله من أحداث سياسية واجتماعية، أو تناول جانب سياسي ترتب عليه واقع اجتماعي، والخروج بذلك عن الإطار الفكري إلى العمل الفني. ويختتم هاني رزق حواره بالإشارة إلى لوحة من اللوحات، حيث تبدو امرأة عارية وسط الجميع، فيقول.. «لو سمحنا بأكثر من هذا فكلنا سنصبح عرايا، سواء رجال أو نساء».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *