الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (رويترز)
لقد نجحت عملية التضليل الكبيرة التي قام بها ترامب، والتي تمثلت في تغيير طائرته في سفره إلى بريطانيا قادماً من قمة الناتو بسبب معلومات تفيد بوجود نية إيرانية لاغتياله، نجحت بشكل باهر. ولكن الانتقادات الموجهة للمصدر الذي نقل هذه المعلومات الحساسة لم تكن مرضية.
قبل عشرة أيام تقريباً، نشرت “واشنطن بوست” تقريراً حول هذه القضية. وحسب أحد المصادر: “حكومة إسرائيل نقلت التهديد بالاغتيال إلى الـ سي.آي.ايه، حيث لم يقتنع المحللون بصحة المعلومات الاستخبارية، ونقلوا هذا التشكيك إلى المسؤولين في إدارة ترامب”. وقالت مصادر تحدثت مع “واشنطن بوست” بأن هذا نمط متكرر. فإسرائيل تنقل معلومات تهدف إلى التأثير على قرارات الرئيس ترامب، بقدر ما تهدف إلى اطلاعه عليها، في حين كان السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين أكثر صراحة عندما قال: “أنا فضولي جداً بشأن مدى مصداقية المعلومات الاستخبارية التي قدمتها إسرائيل، ومدى إمكانية التحقق منها بشكل مستقل. لا شك لدي أن إيران ترغب في رحيل الرئيس الأمريكي، لكن كل ذلك يبدو خيالياً”.
إن كلمة “خيالي” لطيفة مقارنة مع تصريحات مدير الـ سي.آي.ايه جون رتكليف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، اللذين وصفا -حسب تقرير لـ “نيويورك تايمز”- خطة نتنياهو لإسقاط النظام في إيران بمساعدة الأكراد، بأنها “مهزلة” في نظر الأول، و”هراءات” في نظر الثاني.
إن تآكل الثقة بالاستخبارات الإسرائيلية، لا سيما الموساد، يعتبر ضرراً استراتيجياً كبيراً لا يمكن إصلاحه حتى بإقالة اثنين من كبار المسؤولين في الشاباك، المتورطين في الخطة الفاشلة لإسقاط النظام. يبدو أن أمريكا قد رسخت الانطباع بأن المعلومات الاستخبارية التي تنقلها إسرائيل يجب التعامل معها على أنها مشوبة ليس فقط بمصالح أمنية لا تتوافق بالضرورة مع المصالح الأمريكية، بل أيضاً مشوبة باعتبارات سياسية تهدف إلى الحفاظ على حكم نتنياهو من خلال الحرب.
هكذا تتعامل الولايات المتحدة الآن مع التقارير التي تتحدث عن تسريع تطوير الصواريخ في إيران والاستعداد لحرب واسعة، أو التقييم الإسرائيلي للتهديد الذي تشكله سوريا، أو تعزز قوة حزب الله وحماس. والنتيجة الخطيرة أن إسرائيل حتى في حالة ظهور تهديد واضح وفوري، فهي ستواجه صعوبة في إقناع إدارة ترامب بصحة هذا التهديد، وقد أصبح ذلك واضحاً بالفعل. كان نطاق عمل إسرائيل في لبنان وسوريا وغزة محدوداً، وينظر إلى التهديدات الموجهة إليها بعين الشك، وفهمها الأساسي هو أن الوضع السياسي الراهن لا يسمح لها بتنفيذ خطط سياسية، حتى لو كانت هذه الخطط قادرة على تبديد بعض التهديدات الأمنية. هذا الفهم يحول الولايات المتحدة، بالتوافق مع التصور الأمني الإسرائيلي، إلى مربية أطفال يجب حمايتها من الانجرار إلى الحرب بسبب صراخ الأطفال.
في الوقت الذي تتضعضع فيه ثقة الأمريكيين بصرخات التحذير التي تطلقها إسرائيل، يزداد في إسرائيل تضامن هادئ للجمهور مع هستيريا “الجبهات الساخنة” الذي تتبعه الحكومة: الاغتيالات في لبنان، القصف في سوريا، الاحتلال الزاحف في قطاع غزة، الاعتداءات والعنف في الضفة الغربية المغطى بحزمة دعائية حول “الاستعداد لحرب شاملة”، وكل ذلك هو المنصة التي تحاول الحكومة من خلالها حشد تأييد الجمهور لها في حربها من أجل البقاء.
لا أحد يسأل عن الموقع الاستراتيجي على أطراف مدينة درعا السورية، أو عن طول “الخط الأصفر” المطلوب في لبنان لإعادة الحياة إلى طبيعتها في شمال إسرائيل، أو عن أهداف الحرب الجديدة مع إيران، التي لم تتحقق في حملات الإبادة التي انتهت بما ظهر وكأنه إنجاز لإيران.
لكن من يتجرأ على كشف حقيقة الحكومة التي تسبب بالكارثة الأفظع في تاريخ دولة إسرائيل؟ ومن الذي يطالبها بالأدلة أو يتهمها بترويج الأكاذيب؟ في نهاية المطاف، هذه ليست أمريكا. نحن نؤمن بالحكومة، وعندما يتعلق الأمر بأمننا فنحن نثق بها.
تسفي برئيل
هآرتس 19/8/2026