كما اتضح، لم تكن هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها هذا المطار لهجوم من سلاح الجو الإسرائيلي. فخلال سنوات الحرب الأهلية السورية، لم يقتصر استخدام مطار T4 العسكري على سلاح الجو السوري فحسب، بل استخدمه الإيرانيون أيضاً، الذين حاولوا نقل منظومات دفاع جوي متطورة إلى حزب الله وسوريا عبره.
لذلك، ووفقاً للتقارير، فقد تعرض المطار لهجمات من طائرات سلاح الجو الإسرائيلي عدة مرات، لكن هجوم نيسان 2025 كان مختلفاً بعض الشيء. فقد زعمت وسائل الإعلام العربية والدولية أن سلاح الجو الإسرائيلي هاجم مدارج مطار (T4) لأن الأتراك – بعد سقوط نظام بشار الأسد – حاولوا السيطرة على المطار وتركيب أنظمة دفاع جوي ورادارات كشف فيه.
ثم قررت إسرائيل وضع حدٍّ للأتراك، وبينما كانت القوات العسكرية التركية، برفقة مهندسين ومتعاقدين، تشق طريقها إلى المطار، قصفت قواتنا الجوية المدارج والمنطقة المحيطة به لتُرسل رسالةً إلى تركيا مفادها أن إسرائيل لن توافق على إنشاء موقع استراتيجي، حيث إن تركيب أنظمة كشف واعتراض متطورة للطائرات والصواريخ سيُعيق حرية سلاح الجو الإسرائيلي في سماء سوريا، وكما اتضح لاحقًا، في المجال الجوي لشن هجمات على غرب إيران. هذه التفاصيل لم تُؤكد رسميًا في إسرائيل، لكنها لم تُنفَ أيضاً.
ومن المنطقي تمامًا افتراض أن قصف الليلة الماضية، الذي نُسب إلى سلاح الجو الإسرائيلي، لمدارج ومنشآت مطار (T4) في شمال شرق سوريا، نُفِّذ لأسباب استراتيجية مماثلة. استُخدم مطار (T4) من قِبل سلاح الجو التابع للجيش السوري خلال فترة رئاسة بشار الأسد، وتناوب عليه الجيش السوري والمعارضة عدة مرات.
بعد سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع الذي قاد الثوار، شنّ سلاح الجو السوري غارات جوية على جميع طائرات الجيش ودمرها، بالإضافة إلى منشآت استراتيجية أخرى ومخازن إمداد للجيش السوري. ونتيجةً لذلك، ظل مطار (T4)، وهو مطار كبير يضم 22 مدرجًا ويغطي مساحة واسعة، شبه مهجور في غياب سلاح الجو السوري.
وفي الآونة الأخيرة، أفادت وسائل إعلام بأن الأتراك يسعون إلى ترسيخ وجودهم في هذا المطار، وتركيب أنظمة رادار للكشف عن الصواريخ والطائرات، وبطاريات اعتراض. من خلال النظر إلى الخريطة، يتضح أن الوجود التركي بهذه الوسائل في مطار (T4) يُعرّض للخطر حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في جميع أنحاء سوريا، بل أيضاً في سياق احتمال تجدد القتال مع إيران. ولذلك، من المرجح جداً أن تكون هذه المرة التي ترسم فيها إسرائيل، عبر القصف الجوي، خطاً أحمر لمنع أي هيمنة عسكرية تركية تُقيّد حرية إسرائيل في العمل الجوي في المنطقة الاستراتيجية لشمال شرق سوريا وشمال العراق (إقليم كردستان) وغرب إيران.
مع ذلك، تحاول إسرائيل تجنب الصدام المباشر مع الأتراك، ولذلك نُفّذ القصف ليلاً على مناطق خالية من السكان، وبالتأكيد خالية من الأتراك. كما يلتزم المسؤولون الإسرائيليون الصمت حيال الهجوم نفسه. ورغم هذا الصمت، صرّح مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى لقناة “فوكس نيوز” بأن “القدس” (تل أبيب) أشركت واشنطن “بمعلومات استخباراتية حساسة” قبل الهجوم. وبحسب قوله، فقد تم تمرير المعلومات “على أعلى مستويات مختلف الوكالات والهيئات (في الدولتين) ويدرك الشرع أنه لا يستطيع التصرف كما فعل النظام السوري السابق”.
ومتابعةً لكلام المسؤول الرفيع، فإن الإشارة في قصف المطار موجهة أيضاً إلى الحاكم السوري الجديد، أحمد الشرع، للتوضيح بأن إسرائيل لن توافق على سيطرة الأتراك على مواقع استراتيجية في سوريا، بما يُهدد حرية إسرائيل الجوية، بل ومصالحها الإسرائيلية الأخرى. لذا، فإن الإشارة موجهة أيضاً إلى تركيا، وكذلك إلى سوريا، التي لن تسمح للأتراك باستخدام أراضيها.
في الواقع، تحتل تركيا منطقة واسعة في شمال سوريا على طول الحدود، وأنشأت ما يشبه منطقة أمنية تركية ضد الأكراد داخل الأراضي السورية السيادية، ويحاول الأتراك الآن تعزيز وجودهم الاستراتيجي في سوريا جنوباً، في مواجهة إسرائيل.
والشرع يسمح لهم بذلك؛ لأن الأتراك كانوا داعمين له، وقدموا له الأسلحة والتدريب والحماية عندما كان لا يزال مع قواته الجهادية في منطقة إدلب جنوب شرق حلب، قبل أن ينطلق لغزو دمشق. لذا، الشرع يدين لهم، وإسرائيل تحذره من التوغل أكثر من اللازم.
وبالطبع، أدانت وسائل الإعلام السورية الرسمية القصف، بل وزعمت أن الطائرات الإسرائيلية هي من قصفت المطار. وأدان الأتراك الهجوم بشدة ونسبوه إلى إسرائيل، كما فعل السفير الأمريكي لدى تركيا، توم باراك، الذي يشغل أيضاً منصب مبعوث الرئيس ترامب إلى سوريا. أما في إسرائيل، فلم يكن الأمر مفاجئاً، إذ يُعرف باراك، اللبناني الأصل، بدعمه الشديد لأردوغان ورعايته للرئيس السوري الحالي أحمد الشرع.
ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن أي هجوم إسرائيلي على سوريا يحول دون تحقيق إدارة ترامب لأهدافها في إرضاء أردوغان وضم سوريا إلى المعسكر الموالي لأمريكا الذي يشكله الرئيس ترامب حوله في الشرق الأوسط. وتحت تأثير الرئيس أردوغان، قرر ترامب احتضان الجهادي السابق أحمد الشرع (محمد الجولاني)، وإن قصف القوات الجوية يعدّ في نظر مبعوث ترامب في تركيا وسوريا انتهاكاً للمصالح الأمريكية.
رون بن يشاي
Ynet/ يديعوت أحرونوت 19/8/2026