150  عائلة كانت هنا.. “فاكة” في “سنجار” لا تضم اليوم سوى 20 عائلة


متابعة/المدى

تبرز قرية “فاكة” في قضاء سنجار، مثالاً على أزمة ما بعد الحرب، إذ تتداخل آثار الدمار والنزوح مع الجفاف ونقص المياه وتراجع الزراعة والخدمات، لتدفع ما تبقى من السكان نحو الرحيل.

قبل اجتياح تنظيم داعش للمنطقة في آب/أغسطس 2014، كانت “فاكة” تضم نحو 150 عائلة، لكن سنوات الحرب والنزوح غيّرت المشهد بالكامل. ولم تعد إلى القرية سوى نحو 20 عائلة، فيما بقيت المنازل المهدمة والمحلات المغلقة شاهدة على حجم الخراب.

ويقول مختار القرية رجب محمد، البالغ 62 عاماً، إن المشكلة لم تعد مرتبطة بتنظيم داعش وحده، بل أصبحت المياه وفرص العمل ومستقبل السكان من أبرز التحديات التي تهدد استمرار الحياة في المنطقة.

وتأتي أوضاع “فاكة” ضمن مشهد أوسع تشهده مناطق ريف سنجار، حيث تفوق أعداد المنازل المهجورة تلك المأهولة، في ظل بطء إعادة الإعمار ونقص الخدمات الأساسية وتراجع قدرة السكان على الاعتماد على الزراعة كمصدر للدخل.

من النزوح إلى صعوبة العودة

قبل عام 2014، كانت “فاكة” تضم نحو 150 عائلة، قبل أن يفر سكانها مع تقدم مسلحي داعش في شمال غرب العراق.

وشهدت المنطقة آنذاك ما أقرت الأمم المتحدة بأنه إبادة جماعية بحق الكورد الإيزيديين، أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص واختطاف أكثر من 6000 آخرين، غالبيتهم من النساء والأطفال.

ورغم أن “فاكة” وقرية “قوبق” المجاورة لم تشهدا المجازر الجماعية التي طالت قرى أخرى، فإن الغارات الجوية والمعارك البرية خلفت دماراً واسعاً في المنازل والبنى المحلية.

ويقول عقيل رضا، من قرية “قوبق”، إن السؤال عن أسباب عدم عودة العائلات لا ينفصل عن واقع المناطق المدمرة، متسائلاً عن المكان الذي ستعيش فيه العائلات ومصدر رزقها في حال عودتها.

الجفاف يضيّق مساحة الحياة

لا تتوقف التحديات عند آثار الحرب، إذ يواجه سكان سنجار أزمة متصاعدة في المياه والزراعة مع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع انتظام الأمطار.

وتصنف الأمم المتحدة العراق في المرتبة الخامسة عالمياً بين الدول الأكثر عرضة لنقص المياه والغذاء والحرارة الشديدة. وتتوقع السلطات الاتحادية ارتفاع متوسط درجات الحرارة السنوية في العراق بمقدار 2.5 درجة مئوية بحلول عام 2050، إلى جانب زيادة 24 يوماً إضافياً سنوياً تتجاوز فيها درجات الحرارة عتبات الحرارة القصوى.

وخلال الصيف الحالي، اقتربت درجات الحرارة في سنجار من 50 درجة مئوية، فيما أصبحت الأمطار أقل انتظاماً، وامتد موسم الصيف واشتدت حدته، ما انعكس بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي.

وكانت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة قد حذرت سابقاً من أن العراق قد لا يتمكن من تأمين أكثر من 15% من احتياجاته المائية بحلول عام 2035 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

كما سجلت المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 186 ألف شخص في أنحاء العراق بسبب عوامل مرتبطة بالمناخ حتى أيلول/سبتمبر 2025، في مؤشر على ارتباط أزمة المناخ بحركة السكان وسبل عيشهم.

مياه أعمق وقرى أكثر فراغاً

في قرية “تل جدوع”، يصف بهجت عثمان حسن واقعاً مشابهاً، حيث لا تزال المنازل مدمرة، والطرق ترابية، والكهرباء متقطعة.

وكان أكثر من 200 شخص يعيشون في القرية قبل الحرب، بينما لا يتجاوز عدد الموجودين فيها اليوم نحو 50 شخصاً.

ويشير حسن إلى أن السكان لم يغادروا رغبةً في الرحيل، بل لأن ظروف الحياة أصبحت أكثر صعوبة.

وتبرز أزمة المياه الجوفية كواحدة من أبرز التحديات؛ إذ يقول حسن إن الوصول إلى المياه كان يتطلب حفر آبار بعمق 10 أمتار قبل سنوات، بينما يحتاج السكان اليوم إلى الوصول إلى نحو 25 متراً، مع ارتفاع تكلفة ذلك عاماً بعد آخر.

ولا تزال أجزاء من المناطق الريفية المحيطة ملوثة بالذخائر غير المنفجرة التي خلفتها الحرب، ما يضيف خطراً أمنياً إلى أزمة المياه والخدمات.

قرية بلا سكان

وفي قرية “السجعة”، تبدو آثار الانهيار أكثر وضوحاً؛ فقبل الحرب كانت القرية تضم 37 عائلة، بينما بقيت منازلها الـ24 متضررة بشدة ومن دون سكان، بعدما غطتها النباتات الشوكية والأعشاب البرية.

ويقول آصف حسن علي، البالغ 43 عاماً، إن جميع العائلات غادرت باتجاه تلعفر، لأن الظروف المعيشية في القرية أصبحت غير قابلة للاستمرار، في ظل الدمار الذي أصاب المنازل والبنى المحلية.

جيل يغادر الريف

ولا يقتصر أثر هذه الظروف على السكان الحاليين، بل يمتد إلى الأجيال الجديدة.

فالمدارس في القرى تستقبل أعداداً أقل من التلاميذ عاماً بعد آخر، فيما لا يعود كثير من الذين يكملون دراستهم الثانوية أو الجامعية إلى مناطقهم بعد التخرج.

ويتجه بعض الشباب إلى العمل في قطاع البناء في الموصل أو أربيل، حيث توفر هذه المدن فرص دخل أكثر استقراراً مقارنة بالزراعة.

ويروي الشاب “سمين”، البالغ 19 عاماً، من قرية “قزل قويو”، أن حديقة الخضروات التي تملكها عائلته احترقت بالكامل بعد أن تسببت “دوامة غبار” في حدوث شرارة كهربائية أشعلت النباتات الجافة.

ويقول إن أصدقاءه يريدون مغادرة المنطقة، وإنه يفكر أحياناً في الرحيل أيضاً، لكنه يتساءل عمن سيساعد والديه إذا غادر.

المصدر: صحيفة The Guardian البريطانية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *