في قلب التحولات التي شهدها النقد الأدبي الحديث، لم يعد السؤال مقتصرا على ما يقوله النص، بل امتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يملك سلطة إنتاج معناه؟ هل تظل للمؤلف الكلمة الأخيرة في تفسير ما كتب، أم أن النص، بمجرد خروجه إلى القارئ، يتحرر من صاحبه ويفتح أبوابه لتعدد القراءات؟ من هذا السؤال انطلق رولان بارت وميشيل فوكو، كل من زاويته، لإعادة النظر في موقع المؤلف وعلاقته بالنص والقارئ. وبين «موت المؤلف» عند بارت و«وظيفة المؤلف» عند فوكو، تشكلت واحدة من أكثر الجدليات تأثيرا في الفكر النقدي المعاصر.
اولاً: المؤلف في رؤية بارت
يُعد كتاب «لذة النص» (Le Plaisir du Texte) لرولان بارت من أهم النصوص المؤسسة في النقد الأدبي الحديث، إذ قدّم تصورا جديدا للعلاقة بين النص والقارئ متجاوزا الرؤية التقليدية التي كانت تنظر إلى القراءة بوصفها عمليةً لاستخراج المعنى، أو الكشف عن قصدية المؤلف، ففي فلسفة بارت لا تكمن قيمة النص في الرسالة التي ينقلها، وإنما في ما يخلقه من متعة جمالية وفي قدرته على استثارة القارئ وإشراكه في إنتاج الدلالة، ومن ثم تصبح القراءة تجربةً إبداعيةً يعيشها القارئ مع اللغة لا مجرد نشاط ذهني يهدف إلى فهم مضمون النص.
ينطلق بارت من أن النص الأدبي ليس بنيةً مغلقة أو وعاءً لمعنى ثابت بل فضاءٌ لغوي مفتوح تتحرك داخله العلامات بصورة دينامية وتتشكل فيه الدلالات من خلال التفاعل المستمر بين النص والقارئ، ولهذا يشبّه النص بالجسد فهو لا يُقرأ بوصفه موضوعا خارجيا، بل يُلامس القارئ ويؤثر فيه فينشأ بينهما نوع من الألفة والتفاعل الذي يجعل القراءة تجربة حسية وفكرية في آن واحد، ولا يقصد بارت بالجسد المعنى البيولوجي المباشر، وإنما يشير إلى الطاقة الانفعالية والجمالية التي تولدها اللغة حين تتحرر من وظيفتها الإخبارية وتصبح مجالا للمتعة والاكتشاف، ومن هذا المنطلق يرى بارت، أنّ لذة القراءة لا تتحقق في الوصول إلى معنى نهائي، بل في تتبع حركة اللغة واستكشاف انزياحاتها وتأمل بنيتها الأسلوبية والكشف عن العلاقات التي تنسجها العلامات داخل النص؛ فالقراءة المتأنية تتيح للقارئ أن يعيش النص وأن يشارك في إعادة تشكيله، وأن يكتشف في كل قراءة أبعاداً جديدة لم تكن ظاهرة من قبل؛ وهكذا تتحول القراءة من استهلاك للمعنى إلى إنتاج مستمر للدلالة وتتأسس هذه الرؤية على مبدأ حرية النص وحرية القارئ، إذ يرفض بارت خضوع القراءة لتفسير واحد، أو معنى نهائي فالنص الحقيقي في نظره هو النص الذي يفتح المجال أمام تعدد التأويلات، ويمنح القارئ فرصة المشاركة في بناء المعنى، من دون أن يفرض عليه قراءة محددة أو حقيقة مكتملة او نهائية؛ ولذلك فإن النص لا يكتمل إلا بفعل القراءات لأن القارئ لا يكتفي بتلقي الدلالة، بل يسهم في إنتاجها من خلال خبرته وثقافته وأفقه التأويلي، لذلك يحتل مفهوم هسهسة اللغة (Le bruissement de la langue) مكانة مهمة في مشروع بارت فهو يشير إلى ذلك الحضور الخفي للغة حين تتحرر من وظيفتها المرجعية وتصبح أصواتها وإيقاعاتها وبنيتها الداخلية مصدرا للمتعة، فاللغة في هذا التصور ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل كيان حي يمتلك موسيقاه الخاصة ويولد أثرا جماليا مستقلا عن المعنى المباشر؛ إن هسهسة اللغة تمثل اللحظة التي تصبح فيها اللغة موضوعا للإنصات والتذوق لا مجرد أداة للتواصل.
ويفرق بارت في هذا السياق بين لذة النص(Plaisir) والغبطة أو النشوة (Jouissance) فالأولى التي تنشأ من انسجام القارئ مع النص ومن استمتاعه بجمالياته وانسياب لغته، أما الثانية فهي تجربة أكثر عمقاً تهز يقين القارئ وتزعزع عاداته القرائية وتدفعه إلى إعادة النظر في مفاهيمه ومسلماته؛ وهكذا يصبح النص فضاءً للتحول الفكري والجمالي لا مجرد موضوع للمتعة العابرة، ومن القضايا المركزية في كتابه (لذة النص)، هي نقد بارت للأنساق الفكرية والأيديولوجية التي تسعى إلى تثبيت المعنى وإخضاع النص لسلطة واحدة، فالخطابات الأيديولوجية في نظره تعمل على تكرار الدلالات وإغلاق إمكانات القراءة، بينما يقوم النص الأدبي على الانفتاح والاختلاف وتعدد الأصوات، ومن هنا تصبح الكتابة فعلا مقاوما لكل سلطة تحاول احتكار المعنى أو فرض تفسير نهائي.
ولعل أبرز ما يميز مشروع بارت هو التمييز بين العمل (Work) والنص ((Text فالعمل هو المنتج الأدبي بوصفه كيانا ماديا يمكن حفظه وتصنيفه ودراسته، وغالبا ما يُنظر إليه بوصفه حاملا لمعنى يمكن الوصول إليه، أما النص فهو ممارسة لغوية لا تعرف الاكتمال ولا تُختزل في بنيتها المادية، بل تتحقق من خلال فعل القراءة والتأويل، ولهذا فإن النص ليس شيئا يُستهلك، وإنما تجربة تُعاش وحركة مستمرة لإنتاج الدلالة، وبذلك أعاد رولان بارت تعريف العلاقة بين القارئ والنص فلم تعد القراءة فعلا يهدف إلى استعادة قصد المؤلف أو الكشف عن حقيقة كامنة وإنما أصبحت تجربة جمالية يتفاعل فيها القارئ مع اللغة، ويشارك في بناء المعنى، ومن هنا تتحول لذة النص إلى فلسفة في القراءة تجعل من الحرية والانفتاح وتعدد الدلالات أسساً لفهم العمل الأدبي، وتؤكد أن قيمة النص لا تكمن في ما يقوله فحسب، بل في الطريقة التي يجعل بها اللغة فضاءً لا ينضب من المتعة والاكتشاف، ومن هنا استنبط جاك دريدا مفهومه (لا شئ خارج النص) الذي بنى عليها في ما بعد استراتيجيته في التفكيك؛ ولعل أهم آراء بارت في لذة النص ممكن الوقوف عندها:
1-النص فضاء للذة لا وعاء للمعنى
2 التمييز بين اللذة والغبطة
3-القراءة فعل انتاج لا فعل استقبال
4-النص جسد حي
ثانياً: المؤلف في رؤية ميشيل فوكو المؤلف
شكّل مقال “ما المؤلف؟” (1969) لميشيل فوكو أحد النصوص المؤسسة في النقد والفلسفة المعاصرة، إذ أعاد النظر في المكانة التي يحتلها المؤلف داخل الخطاب الأدبي والفكري. ولم يكن هدف فوكو إعلان نهاية المؤلف أو إنكار وجوده، بقدر ما كان مساءلة الكيفية التي أصبح بها اسم المؤلف يؤدي وظيفة معرفية وثقافية داخل المجتمع، متجاوزاً كونه مجرد اسم يدل على شخص كتب نصاً معيناً. ينطلق فوكو من ملاحظة أن النقد التقليدي جعل المؤلف مركزاً للعمل الأدبي، فكان تفسير النص يرتبط بالبحث في حياة كاتبه ونواياه وظروفه النفسية والاجتماعية. وقد أدى ذلك، في كثير من الأحيان، إلى اختزال النص في صاحبه، وربط معناه بما أراده المؤلف، لا بما ينتجه النص نفسه من دلالات وإشارات قابلة للتأويل. ومن هنا يطرح فوكو سؤاله الشهير: “ما المؤلف؟”، وهو سؤال لا يستهدف البحث عن هوية الكاتب، بل عن الوظيفة التي يؤديها مفهوم المؤلف داخل نظام الخطاب. يرى فوكو أن المؤلف ليس مجرد شخص بيولوجي، بل بناء ثقافي وتاريخي نشأ داخل مؤسسات المعرفة، وأصبح يؤدي دوراً في تنظيم الخطابات وتصنيفها وتحديد قيمتها وحدود تداولها. فاسم المؤلف لا يعمل بوصفه اسماً علماً فحسب، بل يؤدي وظيفة تميز نوعاً من الخطابات عن غيره، وتمنحه موقعاً خاصاً داخل الثقافة. لذلك، فإن قولنا «كتاب للنفري» أو «قصيدة للجواهري» لا يشير إلى هوية الكاتب فقط، بل يستدعي منظومة من التوقعات والمعايير التي تؤثر في طريقة تلقي النص وتأويله.
ومن هنا صاغ فوكو مفهوم “وظيفة المؤلف” (Author Function)، وهو أحد أهم مفاهيمه النقدية. فالمؤلف، في نظره، ليس مصدر المعنى الوحيد، بل وظيفة يمارسها الخطاب داخل المجتمع، وهي وظيفة تتغير من عصر إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، كما تختلف باختلاف أنواع الخطابات. فهناك خطابات علمية يمكن تداولها من دون استحضار اسم مؤلفها، في حين تُقرأ الخطابات الأدبية والفلسفية غالباً في ضوء اسم الكاتب، لأن الثقافة منحت هذا الاسم سلطة خاصة في تنظيم القراءة وإنتاج المعنى. وليست وظيفة المؤلف، بحسب فوكو، صفة طبيعية ملازمة لكل نص، بل هي نتاج منظومة ثقافية وقانونية واجتماعية. كما أنها لا تحيل بالضرورة إلى شخص واحد، بل قد ترتبط بمجموعة من الخطابات أو بتقليد فكري كامل. لذلك لا يمثل المؤلف أصل النص بقدر ما يمثل إحدى الآليات التي تنظمه وتصنفه داخل الثقافة.
وبذلك ينتقل فوكو من سؤال: من كتب النص؟ إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف يعمل اسم المؤلف داخل الخطاب؟ ويعكس هذا الانتقال تحولاً فلسفياً في فهم العلاقة بين الكاتب والنص؛ فلم يعد المؤلف المرجع النهائي للدلالة، بل أصبح عنصراً من عناصر نظام خطابي يخضع بدوره لقواعد المعرفة والسلطة. ويتقاطع هذا التصور مع أطروحة رولان بارت التي دعت إلى تحرير النص من سلطة المؤلف، غير أن فوكو لا يعلن «موت المؤلف»، بل يدرس الآليات التي تجعل المؤلف يؤدي وظيفة محددة داخل الثقافة. ومن ثم لا ينصب اهتمامه على إلغاء المؤلف، وإنما على تحليل الظروف التاريخية والمؤسساتية التي أنتجت مفهومه ومنحته سلطته. ويلتقي فوكو كذلك مع جاك دريدا في رفض اعتبار المؤلف مركزاً ثابتاً للمعنى، إلا أن كلاً منهما يسلك طريقاً مختلفاً؛ فدريدا يتجه إلى تفكيك الأسس الفلسفية التي تقوم عليها فكرة المركز، بينما يركز فوكو على تحليل البنية التاريخية والمؤسساتية التي منحت المؤلف سلطته. فالأول ينطلق أساساً من فلسفة اللغة والاختلاف، والثاني من تحليل الخطاب وعلاقات السلطة والمعرفة.
وقد أسهم هذا التصور في إعادة تحديد وظيفة القراءة؛ فلم تعد القراءة بحثاً عن نية الكاتب، وإنما تحليلاً لآليات الخطاب والقواعد التي تحكم إنتاجه والأنظمة المعرفية التي تمنحه شرعيته. وهكذا يتحول النص إلى مجال تتقاطع فيه اللغة والمعرفة والسلطة والثقافة، من دون أن يكون المؤلف مركزاً نهائياً لهذه العناصر. وعليه، فإن مفهوم المؤلف عند ميشيل فوكو لا يقوم على إقصاء الكاتب بوصفه شخصاً تاريخياً، وإنما على إعادة تعريفه بوصفه وظيفة خطابية تنظم تداول النصوص داخل المجتمع. وبهذا الانتقال تجاوز فوكو التصور التقليدي الذي جعل المؤلف أصل المعنى، مؤكداً أن الخطاب هو الذي ينتج وظيفة المؤلف، لا العكس.
ويمكننا الوقوف على أهم آراء فوكو في مقاله (ما المؤلف؟)
1- المؤلف ليس شخصا بل وظيفة.
2 – وظيفة المؤلف تنظّم الخطاب.
3- المؤلف ليس مصدر المعنى الوحيد.
4- النص يتجاوز صاحبه.
5- نقد فكرة العبقرية الفردية.
ناقد و شاعر عراقي