الأدب مهنة جمالية وتعبيرية شاقة، ومن ينخرط في عوالمها ومساراتها المتعددة والمعقدة، لا بد أن يكتوي بالرؤى والخيالات والشطحات الفنية، ولا سيما في الشعر وتهويماته الرؤيوية، وفي الرواية بما تقوم عليه من سرد وحكي وقص، واستحضار لتفاصيل الحياة وملابساتها في أتون الكتابة. فالرواية، بفضائها التعبيري واللغوي، تسعى عبر بنائها وتجاربها الوجودية إلى التعبير عن تجارب الذات والعالم، والغوص في الخصوصيات والعوالم الخفية للبشر والمدن، وفي أعالي الحياة وأسافلها. ومن هنا باتت الرواية الحديثة، بعد مفاجآت ومآلات وتصوّرات «دون كيخوتة»، في تبدّلات مستمرّة وكشوفات دائمة، كرواية «البحث عن الزمن الضائع» بأجزائها السبعة، وافتتاحها لمداليل بديلة عن تلك التي كانت تقدّمها الرواية الكلاسيكية، فلحقت الرواية الحديثة تقنيات دلائلية مختلفة ومستحدَثة، تحمل طابعها المميز والجديد، كما حدث مع مارسيل بروست وكشفه للعالم المجاور له الذي عاشه على مدى سنواته القليلة منذ الطفولة وحتى دخوله في فترة المرض التي عجّلت برحيله، فقدم عبر تلك السنوات القليلة والمحسوبة تحفته الروائية « البحث عن الزمن الضائع»، في ملحمة اخترقت الزمن وقدّمته بصيغة بارعة ومتباينة عن الرؤى السابقة، تلك التي كانت تدور في فلكها الروايات القديمة، حيث الثيمات الثلاث السائدة، السرد، البطل والحكاية، تلك التي كان الزمن فيها ساكناً، وغير متحرّك، وغير قابل للتحوّل والتمدد والاتساع الأفقي والعمودي، وغير قادر على استيعاب تحوّلات الدلالة في المساق الفني للعمل الروائي.
بعد ذلك ظهر روائيون حاذقون ومختلفون، مثل أرنست همنغواي، وفيتزجيرالد، وجيروم سالنجر، وهذا الأخير هو صاحب رواية «حارس حقل الشوفان»، فهو روائي قصير النفس، بل قاص من درجة متقدّمة في هذا الفن، الذي كان حديثاً أيضاً في زمنه، مقارنة بملاحم وأعمال تولستوي وديستوفسكي وهمنغواي، ولا سيّما في رواياته الفذة «وداعاً للسلاح» و»لمن تقرع الأجراس» و»الشيخ والبحر»، والأخير عمل أقرب إلى القصة الطويلة منه إلى ملحمة العمل الروائي الطويل. في أفق هذا المدار كان يكتب سالنجر المزيد من القصص، فهو كاتب قصص من الدرجة الأولى، وبعض قصصه تحوّل إلى أفلام، من دون إرادة منه، هو الذي كان يخاف الأضواء، ويخاف الشهرة، ومن هنا انزواؤه وانطواؤه واعتكافه في معتزل ريفيّ متفرّغ للكتابة، بعيداً عن تطفّل الصحافة وضوء الكاميرات، التي كان يخشاها ويخشى الصحافيين والمتتبّعين والمتربّصين به في الزوايا والطرقات والأسواق، علّهم يرونه ويصوّرنه ماذا يفعل.. يكتب، يتسوّق، يفلح، يتمشّى، يسافر، يتنزّه وحيداً، يأكل ويشرب في مطعم، إلى آخره.
كانت لسالنجر مع الصحافة وبعض دور النشر جولات وصولات ومحاكم ومهاترات، في التطفّل على حياته الخاصة، أو في نشر مقرصن لأحد كتبه القصصية، أو في نشر موضوع صحافي عن تحرّكاته في المنطقة التي يعيش فيها، وتتبع مراسلاته وأحاديثه التي كان يدلي بها لصديق، أو صديقة، أو لصاحب دار نشر، أو لمسؤول في السينما يحاول تحويل روايته الوحيدة «حارس حقل الشوفان»، إلى فيلم أثناء حياته وهو لم يزل حياً ويسعى على الأرض، وهذا ما كان يثير دخيلته، ليثور ويتحفّظ على فعل كهذا. حاول العديد كتابة سيرته، ولكنه كان يعتذر من الذين سيبالغون في وصف مسيرته الثقافية والحياتية، لأنه لا يرى فيها أي مغامرة أو أي شيء يدعو إلى الإثارة، ولفت الأنظار لمساره، مع القصة والرواية اليتيمة التي بِيعت بالملايين، وهي رواية وحيدة، وهناك روايات قصيرة شبيهة بالقصص الطويلة، وهي الرواية المضغوطة التي تجمع بين عالم القصة والجو الروائي، فتضيع الحدود هنا بين القصة الطويلة والرواية القصيرة، لذلك عُرفت حسب مدارس النقد الأدبي بـ»النوفيلا»، ككتاب سالنجر «فراني وزوي»، وهو مترجم إلى العربية، بينما هناك العديد من الأعمال القصصية له لم تتم ترجمتها، غالباً بسبب الحقوق، فورثة سالنجر لا يزالون أحياء، ولده وابنته وناشره الوحيد، الذي ناضل خلال حياته لعدم المس بحياة سالنجر الشخصية من قبل الصحافيين وكتاب السيرة، أولئك المتربّصين به حيثما ذهب وحلّ وكان.
لكن رغم هذا التكتّم والسريّة الزائدة عن حدّها، تمكّن كاتب مغامر وفضولي جريء، هو ديني ديمونبيون من تتبع حياة سالنجر، عبر أشخاص كالخادمة وصاحب البقالة التي يشتري منها سالنجر حاجياته، ونوادل المطاعم والمقاهي التي يتردد عليها، وحتى الجيران الذين كانوا يرونه ينزّه كلبه في الحدائق، وغيرهم من الأصدقاء والكتاب وأصحاب دور النشر، الذين كان يكاتبهم بشأن ما، حول كتبه أو حول حياته الشخصية عامةً، فأعدّ هذا الصحافي كتاب «سالنجر في حياته الحميمية»، وهي في الحقيقة لم تكن على هذه الدرجة من الحميمية، فهو لم يكن يوماً زير نساء، بل كانت حياته عادية ومملة، لا تتعدى الانعزال في صومعته من أجل الكتابة والقراءة ثم التنزّه مع كلابه ومشاهدة التلفزيون والذهاب إلى حانة لشرب الجعة. كان لديه صديق قديم منذ أيام الخدمة العسكرية، ولديه أحفاد من ابنته وولده، وعاش حياة عادية في مزرعته وبيته، وكانت لديه حقوق ونفقات يتوجب عليه دفعها.
كان يفعل ذلك بكل حسن نيّة، ولكن بتدقيق مبالغ فيه خصوصاً النفقات التي يدفعها، لم يكن بخيلاً ولكنه هكذا كان دقيقاً في كل شيء، بدءاً بالكتابة القصصية التي فرّغته إليها ليكتبها، ويجني من تفرّغه وحبّه لعمله المال الذي كانت توفّره له هذه الكتابة من ريع المبيعات لكتبه، التي باتت تطبع في أمريكا وفرنسا واليابان وكل أوروبا، فهو من الجيل المحظوظ الذي واكب الكتّاب الكبار الذين كانوا أكبر سنّاً منه، مثل همنغواي وفيتزجرالد وشتاينبك ووليم فوكنر، وأصبح من الروائيين القلائل الذين يدخلون التاريخ برواية واحدة، مثل مارسيل بروست وتحفته «البحث عن الزمن الضائع»، وناباكوف، وروايته «لوليتا»، وماركيز بروايته الفذّة «مئة عام من العزلة»، وغيرهم من الكتاب الحالمين بالمجد، الذي نالوه بعد جهد جبّار من المعاناة في الحياة والكتابة.
جُنّد سالنجر أثناء خدمته الإلزامية في جهاز الاستخبارات الأمريكي، وعمل بإخلاص وتفان وإتقان فيه، هو الذي كان يرى هذا العمل خدمة لبلده أثناء الحرب العالمية الثانية، ويراه المكان الأمثل في دحر النازية التي راحت تتسع وتكتسح البلدان وتبتلع العالم والتاريخ الإنساني للبشرية. كان جندياً ملتزماً ومحارباً لا يجارى، في تلك الأثناء التي تمّ فيها تحرير باريس، مما أدى به هذا الموقف، وهو هناك في هذه المعمعة أن يذهب للقاء كاتبه المفضل أرنست همنغواي، الذي كان متمترساً ومتموقعاً في فندق «الريتز»، الفرنسي الشهير.
كاتب وشاعر عراقي