الامم المتحدة- «القدس العربي»: في الاجتماع الدوري لمجلس الأمن الدولي حول ليبيا، قالت الممثلة الخاصة للأمين العام في ليبيا ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، إن دفع العملية السياسية وتوحيد مؤسسات الدولة أصبحا مرتبطين بصورة مباشرة بقدرة السلطات على إدارة الموارد وتوفير الخدمات العامة، في ظل استمرار الانقسام المؤسسي وتعثر الترتيبات اللازمة لإجراء الانتخابات.
وخلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، الثلاثاء، بشأن التطورات السياسية والأمنية والإنسانية، وعرضها أحدث تقرير للأمين العام عن البعثة الأممية (S/2026/661)، أشارت تيتيه إلى أن انقطاع الكهرباء واتساع الاستياء العام خلال موجة الحر أظهرا أثر تعدد مراكز القرار وتحويل الموارد العامة ونقص الاستثمار في البنية التحتية.
وقالت إن العملية السياسية «تتعلق بأكثر من مجرد تجاوز الخلافات السياسية؛ فهي تتعلق باستعادة قدرة الدولة على خدمة مواطنيها، وإدارة مواردها بصورة مسؤولة من خلال مؤسسات موحدة، وتوفير الأمن».
وأوضحت أن خارطة الطريق التي قدمتها البعثة قبل عام تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: تهيئة طريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإطلاق حوار منظم لمعالجة قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان، وتوحيد المؤسسات التنفيذية من خلال حكومة تقود البلاد نحو الانتخابات.
غير أن العمل على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات واستكمال الإطار الدستوري والقانوني تعطل داخل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، ما دفع البعثة إلى إنشاء لجنة مصغرة تعرف بلجنة «4+4». وعقدت اللجنة سبعة اجتماعات منذ 29 نيسان/أبريل، ناقشت خلالها عددا من المسائل المتعلقة بالقواعد الانتخابية وتشكيل مجلس المفوضية، فيما لا يزال الاتفاق مطلوبا بشأن آلية اعتماد نتائج عملها.
وفي مسار مواز، أنهت البعثة في 6 حزيران/يونيو عملية الحوار المنظم التي استمرت ستة أشهر، وخرجت بتوصيات تتناول إدارة الدولة والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان. وقالت تيتيه إن المشاورات المقبلة ستتركز على توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على تنظيم الانتخابات، مع احتمال تعديل الجدول الزمني لخارطة الطريق وفق التطورات السياسية ومواقف الأطراف الليبية.
وانتقلت المبعوثة الأممية إلى الأوضاع الاقتصادية والخدمية، مشيرة إلى أن انقطاعات الكهرباء في تموز/يوليو وآب/أغسطس عطلت إمدادات الكهرباء والمياه لمئات الآلاف، وسط نقص الوقود وتراجع إمدادات الغاز والضغط على شبكة الكهرباء.
وبحسب بيانات المؤسسة الوطنية للنفط التي أوردتها تيتيه، تنفق ليبيا نحو مليار دولار شهريا على استيراد الوقود، بينما تظل منظومة الكهرباء معرضة لنقص الإمدادات. وربطت المسؤولة الأممية ذلك بتحويل كميات من الوقود المدعوم داخل قطاعي الكهرباء والأمن، داعية إلى التحقيق في هذه الممارسات وتعزيز الرقابة على الإنفاق العام، وقالت: «ينبغي ألا يدفع الليبيون ثمن مثل هذه الممارسات».
كما حذرت من أن الزيادات غير المخطط لها في الرواتب والإنفاق على الوقود المدعوم قد تؤثر في الانضباط المالي المنصوص عليه ضمن برنامج التنمية الموحد، الذي يهدف إلى إدارة عائدات النفط وتوجيه الفوائض نحو الاستثمار وتمويل عمليات المؤسسة الوطنية للنفط.
وتطرقت تيتيه إلى طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي، في 9 آب/أغسطس، إعفاءه من منصبه، معتبرة أن الخطوة تعكس الضغوط الواقعة على المصرف. ودعت إلى استئناف نشر البيانات الشهرية للإيرادات والنفقات، وإلى التزام الأطراف بالمعايير المحددة في برنامج التنمية الموحد.
وأدت أزمة الكهرباء إلى احتجاجات وإضرابات وإغلاق طرق وتعطيل مؤقت لعدد من المؤسسات والمنشآت بين 26 و29 تموز/يوليو، قبل أن يعلن المنظمون إعادة فتح المؤسسات في 2 آب/أغسطس. وفي طرابلس، قالت تيتيه إن الحوار بين حكومة الوحدة الوطنية وجهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب أسفر عن اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية في العاصمة.
وفي المقابل، سجل الساحل الغربي مواجهات بين مجموعات مسلحة في الزاوية وصرمان في 3 آب/أغسطس، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين. كما استُخدمت طائرات مسيرة ضد مصفاة الزاوية ومنشآت أخرى، ما ألحق أضرارا بالبنية التحتية ودفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعلان حالة الطوارئ في المصفاة والمطالبة بالتحقيق في الهجمات.
وفي شرق البلاد، أشارت تيتيه إلى مقتل مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الوطني الليبي، اللواء فوزي المنصوري، في تفجير سيارة بمدينة بنغازي في 10 آب/أغسطس. وفي الوقت نفسه، لفتت إلى اجتماع رئيسي الأركان في شرق ليبيا وغربها بمدينة سرت في 12 تموز/يوليو، حيث جرى الاتفاق من حيث المبدأ على إنشاء قوة مشتركة للحدود وتنظيم تدريبات وآليات تنسيق بين الجانبين.
وتناولت الإحاطة كذلك أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك خطاب الكراهية والترهيب والمعلومات المضللة الموجهة ضد النساء، وواقعة جلد امرأة على الملأ في سبها ظهرت في تسجيل مصور خلال تموز/يوليو. كما دعت إلى مراجعة أوضاع المحتجزين، والإفراج عن المعتقلين تعسفيا، والسماح للمراقبين المستقلين بدخول مرافق الاحتجاز والتحقيق في ادعاءات الانتهاكات.
وفي الشأن الإنساني، قالت إن الخطاب المناهض للمهاجرين والمعلومات المضللة يحدان من عمل الجهات الإنسانية، بينما أدى استمرار إغلاق مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تقليص الوصول إلى خدمات الحماية المقدمة للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين.
واختتمت تيتيه إحاطتها بالتأكيد على أن تنفيذ خارطة الطريق يتطلب مشاركة الأطراف الليبية ودعما دوليا منسقا، قائلة: «ندخل الآن مرحلة تتمثل في دفع توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات شاملة»، مع إقرارها بأن العملية قد تستغرق وقتا أطول مما كان مقررا في البداية.