الضفة الغربية تُسلَّم إلى رعب المستوطنين.. “ضمٌّ فعلي” أمام مجتمع دولي صامت


باريس- “القدس العربي”: تصدر عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة عدد صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية الصادر هذا الثلاثاء، موضحة أنه في مواجهة تصاعد أعمال العنف التي يشجع عليها عدد من الوزراء الإسرائيليين، تكتفي الأسرة الدولية، في موقف سلبي، بمشاهدة الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية.

وقالت الصحيفة إن الضفة الغربية تشهد واقعا يزداد تفككا يوما بعد يوم، إذ تحولت مناطق واسعة منها إلى مجموعة من الجيوب الفلسطينية المعزولة، تفصل بينها المستوطنات والطرق الالتفافية الخاضعة لسيطرة إسرائيلية. وأضافت أن نحو ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في هذه المنطقة التي تتجاوز مساحتها خمسة آلاف كيلومتر مربع، في مقابل أكثر من نصف مليون مستوطن إسرائيلي، فيما تواجه المدن والقرى الفلسطينية قيودا متزايدة على الحركة، وحواجز عسكرية، واعتداءات متكررة من المستوطنين.

ازدادت وتيرة عنف المستوطنين بصورة لافتة منذ هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، الذي أعقبه تصعيد واسع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وباتت الغارات والهجمات على القرى الفلسطينية شبه يومية، بالتزامن مع تسارع وتيرة الاستيطان، الذي وصل، بحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية، إلى 146 مستوطنة ونحو 400 بؤرة استيطانية.

باتت الغارات والهجمات على القرى الفلسطينية شبه يومية، بالتزامن مع تسارع وتيرة الاستيطان، الذي وصل، بحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية، إلى 146 مستوطنة ونحو 400 بؤرة استيطانية

وتابعت “ليبراسيون” القول إن هذا التوسع لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل يحظى بدعم سياسي واقتصادي وإداري وأمني من جانب الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما من شخصيات تنتمي إلى أقصى اليمين، مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. ونقلت عن سموتريتش تفاخره بموافقة السلطات على إنشاء 69 مستوطنة جديدة خلال عام 2025، معتبرة أن ذلك يعكس مستوى غير مسبوق من التوسع الاستيطاني.

وقد وصفت منظمة العفو الدولية، في تقرير صدر في يونيو/حزيران، ما يجري في الضفة الغربية بأنه جزء من سياسة ترمي إلى تهجير الفلسطينيين وتهيئة الظروف لضم الأراضي، متحدثة عن “تطهير عرقي” في سياق تصاعد الدعم الحكومي للمستوطنين.

حذر منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، خلال اجتماع لمجلس الأمن في 11 أغسطس/آب، من أن الضفة الغربية تشهد “ضما فعليا”، معتبرا أن إسرائيل اختارت، من خلال سياساتها الحالية، “دفن حل الدولتين”. كما نقلت عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وصفه الوضع في الضفة الغربية بأنه بلغ “نقطة انهيار”.

ولم يتجاوز رد المجتمع الدولي على هذا التصعيد، حتى الآن، الإدانات الكلامية والبيانات الرسمية. كما لم يتخذ الاتحاد الأوروبي، الذي كان ينظر إليه طويلا باعتباره أحد الأطراف القادرة على التأثير في مسار الصراع، سوى خطوات محدودة، من بينها فرض عقوبات على أربع منظمات استيطانية إسرائيلية متطرفة وثلاثة من مسؤوليها بسبب أعمال العنف ضد الفلسطينيين.

اتخذت بعض الدول الأوروبية بصورة منفردة إجراءات أخرى، بينها منع استيراد منتجات المستوطنات، إلا أن هذه التدابير لم ترتق إلى مستوى التطورات الميدانية المتسارعة.

أما الولايات المتحدة، فإن دعمها للحكومة الإسرائيلية ما يزال قويا، رغم الخلافات التي ظهرت أحيانا بشأن إدارة الحرب والسياسات الإسرائيلية. والضغوط التي كانت واشنطن تمارسها في السابق بشأن الاستيطان تراجعت تدريجيا، وصولا إلى وضع باتت فيه حكومة بنيامين نتنياهو تتحرك كما لو أنها تحررت من القيود والضغوط الخارجية.

كما أن الفلسطينيين في الضفة الغربية لا يجدون دعما كافيا حتى من السلطة الفلسطينية، التي وصفتها “ليبراسيون” بأنها ضعيفة ومتهالكة، ومحصورة في رام الله، وتعاني من أزمة ثقة عميقة لدى الشارع الفلسطيني.

وتظهر استطلاعات الرأي تراجع شعبية رئيس السلطة محمود عباس، في حين يحظى القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي، المعتقل في إسرائيل منذ عقود، بتأييد واسع بين الفلسطينيين.

ولفتت “ليبراسيون” إلى مبادرة أطلقها في بداية أغسطس/آب ناشطون فلسطينيون وإسرائيليون دعوا فيها إلى نشر “قوة متعددة الجنسيات في الضفة الغربية” لحماية المدنيين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين. ويطرح أصحاب المبادرة رؤية تقوم على “أرض للجميع ودولتين”، مؤكدين أن الاكتفاء بإدانة العنف لم يعد كافيا، في ظل استمرار الاعتداءات من دون ردع فعلي.

ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في حوادث منفصلة، بل يمثل مسارا متواصلا منذ عقود، تسارع بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة

وفي مقال آخر، ضمن هذا الملف، شددت الصحيفة على أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن اختزاله في حوادث منفصلة، بل يمثل مسارا متواصلا منذ عقود، تسارع بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة. وقالت إن المستوطنين يستولون على الأراضي والمنازل، ويمنعون الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو التنقل بحرية، فيما تتعرض بعض القرى لاعتداءات تؤدي أحيانا إلى سقوط قتلى وجرحى، وسط اتهامات للقوات الإسرائيلية بالتغاضي عن هذه الانتهاكات أو عدم التدخل لوقفها.

وأكدت أن وجود شخصيات متشددة في الحكومة الإسرائيلية، مثل بن غفير وسموتريتش، منح المستوطنين نفوذا سياسيا غير مسبوق، مشيرة إلى أن هؤلاء لا يتحركون بمعزل عن مؤسسات الدولة، بل يمتلكون، بحسب المقال، قنوات اتصال وتأثير داخل الحكومة والجيش وأجزاء من المجتمع الإسرائيلي.

كما اعتبرت “ليبراسيون” أن الهدف النهائي لهذا المسار يتمثل في تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي للضفة الغربية، ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل، وإفشال أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وبالتالي تقويض أي تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين.

وتساءلت الصحيفة: من يمتلك الشجاعة لوقف هذا المشروع الذي يهدد بتعميق زعزعة الاستقرار في المنطقة والعالم؟ وقالت إن الرد، حتى الآن، لا يبدو واضحا. فالإدارة الأمريكية تواصل دعم إسرائيل، فيما لم تتحول المواقف العربية والأوروبية إلى ضغط سياسي قادر على تغيير الوقائع على الأرض.

وحذرت “ليبراسيون” من أن عنف المستوطنين قد يتصاعد أكثر، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الإسرائيلية، معتبرة أن المجتمع الإسرائيلي نفسه بات أمام مسؤولية مواجهة ظاهرة قد تتجاوز في النهاية قدرة الحكومة على التحكم بها.

فاستمرار هذا الوضع، تضيف الصحيفة، لا يعني فقط تكريس الاحتلال والاستيطان، بل يهدد أيضا بالقضاء على الأسس الجغرافية والسياسية لأي حل قائم على دولتين، في وقت يبدو فيه مشروع الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية أكثر حضورا على أرض الواقع من أي وقت مضى.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *