باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان “الحصيلة الكارثية لدونالد ترامب في الشرق الأوسط”، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية في افتتاحيتها إنه لطالما كان الشرق الأوسط كاشفا حقيقيا لأداء أي رئيس للولايات المتحدة الأمريكية. وفي حالة دونالد ترامب، فإنه يبرز عدم كفاءته، إلى جانب افتقاره إلى الاتساق والتبصر. ففي أقل من عامين، يسجل ساكن البيت الأبيض حصيلة حافلة بالإخفاقات.
وهذا ينطبق بطبيعة الحال على الحرب التي شنها ضد إيران بالتنسيق مع إسرائيل، والتي تتمثل أبرز نتائجها الملموسة، حتى الآن، في إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي كانت تعبره مئات سفن الحاويات وناقلات النفط والغاز المسال من دون عوائق قبل 28 فبراير/شباط الماضي.
أظهرت واشنطن في البداية حدود قدرات أقوى جيش في العالم. ثم اضطرت لاحقا إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران
وقد أظهرت واشنطن في البداية حدود قدرات أقوى جيش في العالم. ثم اضطرت لاحقا إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران، جاءت صياغته ملتبسة، فاستغل النظام الإيراني ذلك للمطالبة بسيطرة غير مسبوقة على المضيق.
وردا على ذلك، لمحت الولايات المتحدة إلى أنها ستستأنف القتال، قبل أن تتراجع، وربما كان ذلك نتيجة ضغوط دول الخليج العربية، التي تقف في الصف الأول أمام الرد الإيراني على التدخل الأمريكي-الإسرائيلي. كما قد يكون الوضع المقلق لمخزونات بعض أنواع الذخائر، رغم نفي الإدارة الأمريكية لذلك، قد لعب دورا أيضا.
وهكذا تحول استعراض القوة إلى تجسيد للعجز. كما أن هذا الضعف الأمريكي دفع ثلاثة من حلفاء واشنطن، وهم السعودية وباكستان وتركيا، إلى إبرام اتفاق دفاعي يبدو وكأنه بمثابة تنصل من الحامي التاريخي لشبه الجزيرة العربية.
أما الحليف الإسرائيلي، الذي كان دوره واضحا في إقناع دونالد ترامب بخوض هذه المغامرة، فهو أيضا المسؤول عن المأزق الرئيسي الآخر الذي تورط فيه الرئيس الأمريكي: القضية الفلسطينية.
فبرفضه الاتفاق الذي ينص في الوقت نفسه على نزع سلاح حركة حماس في غزة وانسحاب الجيش الإسرائيلي من نحو 70% من مساحة القطاع الضيقة التي استعاد السيطرة عليها بعد “مجازر” السابع من أكتوبر/تشرين الأول، يعرقل رئيس الوزراء الإسرائيلي خطة إعادة الإعمار التي احتفى بها الرئيس الأمريكي باستعراضه المعتاد في أكتوبر/تشرين الأول عام 2025.
ويبدو الاعتراف بالعجز واضحا هنا أيضا، رغم اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة في مجال الدفاع، ورغم الدرع الذي تواصل واشنطن نشره في الأمم المتحدة لمنع صدور أي مشروع قرار ينتقد إسرائيل.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية بدأت الآن تكتشف الانحراف المتطرف لبعض المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية. فقد دفعت مؤخرا سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، القس السابق مايك هاكابي، إلى وصفهم بأنهم “إرهابيون”. إنها ردة فعل متأخرة للغاية من جانب مدافع متحمس عن الاستيطان، الذي يحمل في جوهره مشروعا للتطهير العرقي يشمل كامل الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967، وهو مشروع تتبناه صراحة قوى اليمين المتطرف التي منحها بنيامين نتنياهو صلاحيات كاملة في المنطقة.
وكان دونالد ترامب قد سارع، فور عودته إلى البيت الأبيض، إلى إلغاء العقوبات المفروضة على المستوطنين العنيفين، وربما كانت تلك العقوبات الإجراء الرمزي الوحيد الذي اتخذه سلفه الديمقراطي جو بايدن.
وإذا كان الرئيس الأمريكي يظهر شيئا من الثبات في سياسته تجاه الشرق الأوسط، فإن ذلك يتمثل في الاستمرار في ارتكاب الأخطاء، تختتم “لوموند”.