منح الدهشة والغرابة للمسرح وجعل الصورة تفكر


توفي اليوم الأحد 16 آب/ أغسطس في بغداد المخرج المسرحي العراقي صلاح القصب، بعد معاناة مع مرض عضال، تاركا وراءه تجربة امتدت قرابة أربعة عقود، لم يكن خلالها مجرد مخرج يضيف إلى سجل المسرح العراقي عروضا جديدة، وإنما صاحب مشروع ظل يختبر حدود المسرح نفسه، ويسأل، من خلال الخشبة، عن العلاقة بين النص والصورة، وما يقوله الكاتب وما يستطيع المخرج أن يجعله مرئيا، وبين المسرح بوصفه فنا للحكاية، والمسرح بوصفه فنا مستقلا له منطقه البصري وشروطه الجمالية.
حين يرحل مخرج مثل صلاح القصب، لا يكون السؤال عن عدد العروض التي أخرجها هو السؤال الأكثر أهمية، ولا عن عدد النصوص التي انتقلت من الورق إلى الخشبة تحت يديه. السؤال الأهم هو: ماذا بقي من الطريقة التي كان يرى بها المسرح؟ فبعض المخرجين تنتهي حياتهم المهنية عند آخر عرض، وبعضهم يواصل حضوره من خلال عروضه، فيما يترك آخرون وراءهم طريقة مختلفة في النظر إلى الخشبة. والقصب ينتمي، في تقديري، إلى الفئة الأخيرة. كان المسرح عنده مكانا يمكن أن تحدث فيه أشياء لا تحدث في الحياة اليومية، مكانا يسمح للصورة بأن تتمرد على منطقها المعتاد، وللجسد بأن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله، وللضوء أن يتحول من أداة إنارة إلى عنصر درامي، وللفراغ أن يصبح جزءا من المعنى. ولهذا ارتبط اسمه، منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بما عرف بـ»مسرح الصورة»، حتى أصبح أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ هذا الاتجاه في المسرح العراقي والعربي.
من بغداد إلى رومانيا
ولد صلاح القصب في بغداد عام 1945، وبعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة ببغداد، قسم الإخراج، عام 1968، واصل دراسته العليا في رومانيا، وحصل على الدكتوراه في الإخراج المسرحي عام 1980. وقد أشار في أكثر من لقاء إلى تأثره بأستاذته الرومانية ساندا مانو، وبالتجارب المسرحية التي تعرف إليها خلال سنوات دراسته هناك. وعندما عاد إلى العراق، عمل أستاذا لمادة الإخراج المسرحي في كلية الفنون الجميلة في بغداد. غير أن هذه المعلومات الأكاديمية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم مكانته في تاريخ المسرح العراقي. فالشهادة لا تصنع مخرجا، والجامعة لا تمنح صاحبها بالضرورة مخيلة مسرحية. المعرفة يمكن أن توفر الأدوات، لكنها لا تضمن كيفية استعمالها. ما صنع مكانة القصب كان ذلك الاشتباك المستمر بين المعرفة والمخيلة، بين ما تعلمه وما أراد أن يتجاوزه، بين المسرح الذي وجده في العراق والمسرح الذي كان يعتقد أنه يستطيع أن يكونه. لقد عاد من رومانيا محملا بتجارب بصرية ومفاهيم مختلفة في بناء العرض، لكنه لم يتعامل معها بوصفها بضاعة ثقافية ينبغي عرضها على خشبة عراقية. وهنا تكمن إحدى نقاط قوته. فالفنان الذي يكتفي بنقل تجربة الآخرين يظل تابعا لها، أما الذي يستوعبها ثم يهضمها ويعيد إنتاجها داخل مخيلته وبيئته، فإنه يبدأ، عندها فقط، في بناء تجربته الخاصة. وكان القصب من النوع الثاني.
«مسرح الصورة»: أكثر من اختيار أسلوبي
منذ مطلع الثمانينيات، أخذ اسم صلاح القصب يرتبط بـ»مسرح الصورة». لكن الصورة عنده لم تكن مجرد إضافة جمالية إلى العرض، ولا محاولة لجعل الخشبة أكثر غرابة أو إثارة. كانت، في جوهرها، محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين عناصر المسرح. لم تعد الكلمة هي السيد المطلق على الخشبة، ولم يعد الممثل مجرد وسيط ينطق حوارا مكتوبا، ولم تعد السينوغرافيا خلفية صامتة تجري أمامها الأحداث. أصبحت الصورة نفسها لغة. الجسد لغة. الضوء لغة. الفراغ لغة. الصمت لغة. والشيء الموضوع في المكان يمكن أن يتحول، إذا امتلك المخرج القدرة على وضعه في السياق الصحيح، إلى علامة لا تقل أهمية عن الجملة التي ينطق بها الممثل. وهذا هو الفارق بين استخدام الصورة، والتفكير بالصورة.
كان يريد أن يجعل الخشبة تفعل شيئا يشبه ما يفعله الشعر بالكلمات: أن تضع الأشياء في علاقات جديدة، بحيث يولد من اجتماعها معنى لم يكن موجودا في كل عنصر على حدة. ولهذا لم تكن غرابة عروضه غاية مستقلة. كانت الغرابة وسيلة لتغيير طريقة رؤية المتلقي. فالشيء المألوف لا يثير السؤال عادة. أما حين نضعه في مكان غير متوقع، أو نجعله يؤدي وظيفة مخالفة لما اعتادها المتلقي، فإنه يبدأ في مقاومة عينه. وهنا تبدأ الدهشة، ومن الدهشة يبدأ التفكير.
عروض خرجت من الحلم
كانت عروضه تبدو، في كثير من الأحيان، كأنها خرجت من حلم أكثر مما خرجت من مخطط هندسي. فيها شيء من اللاواقعية، لكن اللاواقعية عنده لم تكن هروبا من الواقع، بل محاولة لرؤيته من زاوية لا توفرها الواقعية المباشرة. كان يعرف أن المسرح ليس مرآة للحياة بالمعنى البسيط. فالمرآة تعيد لنا الشيء كما هو، أما الفن فيعيد ترتيب ما نراه لكي نكتشف ما لم نره. ولهذا كان يراهن على الدهشة. لكن الدهشة عنده لم تكن زينة مسرحية، أو حركة غير مألوفة أو مشهدا مصمما لإبهار العين. كانت لحظة يتوقف فيها المتلقي عن تلقي العرض باعتباره حكاية جاهزة، ويبدأ في السؤال عن معنى ما يرى. وهنا يمكن فهم علاقته بالنصوص الكلاسيكية، ولا سيما أعمال وليم شكسبير. منها «هاملت» و»ماكبث» و»لير». فهو لم يتعامل مع النص الكلاسيكي باعتباره قطعة أثرية ينبغي تنظيفها من الغبار ثم وضعها أمام الجمهور. كان يراه مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل. وكان يعرف أن احترام النص لا يعني الاستسلام له، بل ربما يكون الاحترام الحقيقي للنص هو أن تضعه أمام أسئلة جديدة.
«هاملت» الذي رأيته طالبا
أتذكر، وأنا أستعيد الآن تجربة صلاح القصب في عرض «هاملت» الذي اشتغل عليه برؤية صورية خاصة عام 1980. لم تكن علاقتي بذلك العرض علاقة ناقد يقف خارجه ويتأمل تفاصيله من مسافة آمنة، كنت آنذاك طالبا أدرس المسرح في كلية الفنون الجميلة في بغداد، ولذلك دخلت إلى العرض بعين شاب كان يحاول أن يتعلم كيف يمكن للمسرح أن يكون شيئا آخر غير ما اعتدنا أن نراه. كانت تلك التجربة، بالنسبة إلي، أشبه بفتح نافذة في جدار اعتقدنا طويلا أنه مغلق. لم يكن السؤال الذي يطرحه القصب: كيف نقدم «هاملت» مرة أخرى؟ كان السؤال الأصعب: كيف نجعل المتلقي يرى «هاملت» بطريقة لم يرها من قبل؟ وهذه هي المسافة بين مخرج يفسر النص ومخرج يعيد خلقه. فالذي يفسر النص يظل مشغولا بما قاله المؤلف، أما الذي يعيد خلقه فإنه يحاول اكتشاف ما يمكن أن يقوله النص بعد أن يمر عبر مخيلته.
يمكن تقليد الأسلوب، ولا يمكن تقليد المخيلة
على امتداد أربعة عقود، ظل صلاح القصب مصدر إلهام لعدد كبير من العاملين في المسرح العراقي، ولا سيما الشباب الذين كانوا يبحثون عن طريق للخروج من البنية التقليدية للعرض. كان القصب قد فتح نافذة. والشباب عادة يحبون النوافذ أكثر من الأبواب، لأن النافذة تمنحهم احتمال رؤية ما وراء الجدار. لكن المفارقة أن معظم الذين حاولوا السير على خطاه لم يتمكنوا من مزاحمته في المكانة التي احتلها. ظلت أغلب العروض التي تأثرت بتجربته أسيرة التقليد والاستنساخ. أخذ أصحابها من القصب مظهره، ولم يأخذوا جوهره؛ استعاروا غرابة الصورة، لكنهم لم يستطيعوا استعارة المخيلة التي كانت تجعل تلك الغرابة ضرورة فنية. وهنا تكمن واحدة من أكثر الحقائق قسوة في الفن: يمكن تقليد الأسلوب، ولكن لا يمكن تقليد المخيلة. لأن الفن لا يصنعه الشكل الخارجي وحده. الفن يصنعه السبب الخفي الذي جعل الفنان يختار هذا الشكل دون غيره. وكان ذلك السبب، عند القصب، هو المخيلة.
كسر توقعات المتلقي
امتلك صلاح القصب مخيلة تعينه على اختراع بنى صورية تتسم بالغرابة، لكنها لم تكن غرابة مجانية. كانت قادرة على إحداث شرخ في توقعات المتلقي. وهذا الشرخ هو الذي يحول العرض من فرجة إلى تجربة. فالمتلقي، أمام صورة لا تمنحه معناها دفعة واحدة، يصبح مضطرا إلى المشاركة. عليه أن يؤول، وأن يربط، وأن يتذكر، وأن يقارن، وأن يسأل. وهنا يصبح المتلقي شريكا في إنتاج المعنى.كان القصب يريد للمشاهد ألا يخرج من المسرح كما دخل. كان يريد أن يترك في ذاكرته صورة عصية على النسيان، أو إحساسا بالقلق، أو سؤالا لا يجد له جوابا فوريا. وهذا بالضبط ما يجعل المسرح يتجاوز وظيفته الترفيهية إلى وظيفة معرفية.
الصورة لا تقول شيئا واحدا

المسرح عنده ليس آلة لإنتاج معنى واحد، وإنما فضاء تتجاور فيه المعاني وتتعارض. الصورة لا تقول شيئا واحدا بالضرورة. والصمت ليس فراغا من الكلام . وهذا الفهم هو الذي منح الصورة عنده قيمة تتجاوز الوظيفة الجمالية. فالصورة ليست ما نراه فقط، وإنما ما يجعلنا نفكر فيما رأيناه. وقد انعكس اهتمامه في مسرح الصورة من خلال كتبه النظرية والتطبيقية التي تناول فيها السينوغرافيا والإخراج ومسرح الصورة، ومنها «مذكرات رحلة الرجل صاحب المظلة السوداء»، و»مسرح الصورة بين النظرية والتطبيق»، و»فلسفة الكوانتم في مسرح الصورة»، و»كيمياء الصورة والاشتغالات الفيزياصورية». تكشف هذه العناوين عن مخرج لم يكتف بأن يمارس الإخراج، بل أراد أن يفكر فيه أيضا، وأن يبحث عن لغة نظرية تفسر بعض هواجسه الجمالية. وهذا أمر لا يحدث كثيرا. فكثير من المخرجين يصنعون عروضا، لكن قلة منهم تحاول أن تفكر في معنى ما تصنعه. والقصب كان من أولئك الذين أرادوا أن يفهموا لماذا ينبغي للمسرح أن يتغير، ولماذا لا يمكن أن تظل الخشبة مجرد مكان تنتقل إليه الكلمات من الورق.
نقابة الفنانين تنعى القصب
نقابة الفنانين العراقيين نعته ببيان أعربت فيه عن بالغ الحزن والأسى لرحيل الفنان الكبير صلاح القصب، مشيرة إلى مكانته بوصفه مخرجا وباحثا أكاديميا ورائدا لـ»مسرح الصورة» في العراق، وإلى إسهامه في تأسيس قواعد هذا الاتجاه في المشهد الثقافي العراقي والعربي منذ مطلع الثمانينيات، فضلا عن تجربته التدريسية وأعماله وكتاباته النظرية والتطبيقية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *