لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده إدوارد وونغ قال فيه إن حلفاء الولايات المتحدة في آسيا يشعرون بالقلق نظرا لتركيز الرئيس دونالد ترامب على إيران.
وأشار في بدايته إلى الاشتباك الشهر الماضي بين الصين والفلبين حول سيادة الأخيرة على شعاب مرجانية في المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي. وقد كان هذا أسوأ اشتباك بين الصين والفلبين منذ سنوات في منطقة متوترة منذ زمن طويل.
ولفترة قالت الفلبين إن لها الحق في السيطرة على المنطقة من خلال تناوب القوات على سفينة تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، كانت راسية هناك. ويؤيد حكم محكمة دولية صدر قبل عقد من الزمن ادعاء الفلبين.
لكن في الشهر الماضي، بدأت سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني بالدوران حول السفينة، التي تحمل اسم “سييرا مادري”. وكان هذا أحدث فصول سلسلة طويلة من المواجهات بين الحكومتين في الموقع، المعروف باسم “شعاب توماس الثانية”.
وفي اللحظات الأخيرة، استخدم خفر السواحل الصيني زوارق صغيرة للهجوم على جنود فلبينيين، وضربوا أحدهم بعصا خشبية، مما تسبب له بجروح في الرأس، وفقا لمسؤولين فلبينيين وأمريكيين. واتهمت الصين الفلبين باستفزاز الاشتباك.
وقد عبر السفير الأمريكي عن غضبه، وأعلن أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الفلبين، أقدم حليف لها بموجب معاهدة في جنوب شرق آسيا.
لا يتوقع أحد أن تكبح الصين أنشطتها التوسعية في المنطقة في أي وقت قريب. وتتزايد الشكوك بين الدول الآسيوية حول استعداد الولايات المتحدة لردع الصين
ومع ذلك، لا يتوقع أحد أن تكبح الصين أنشطتها التوسعية في المنطقة في أي وقت قريب. وتتزايد الشكوك بين الدول الآسيوية حول استعداد الولايات المتحدة لردع الصين، في ظل ما أحدثه الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران من تشتيت هائل للموارد واستنزاف كبير لها.
وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة تعاني من نقص حاد في الأسلحة الحيوية، بما في ذلك صواريخ الاعتراض الدفاعية. وقد أجبرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية القوات الأمريكية على مغادرة قواعدها في الشرق الأوسط وتدميرها، ما يشير إلى ما يمكن أن يفعله الجيش الصيني، الأقوى بكثير من الجيش الإيراني، في حال نشوب صراع في آسيا.
وأجرت الصين، في بداية تموز/يوليو، تجربة إطلاق نادرة لصاروخ باليستي عابر للقارات قادر على حمل رؤوس نووية، مزود برأس حربي وهمي، حيث أطلقته في المحيط الهادئ من غواصة تعمل بالطاقة النووية. ويعد هذا الصاروخ أحد أقوى عناصر ترسانتها.
وبينما تختبر الصين قوتها، تغلق وزارة الخارجية الأمريكية، بقيادة الرئيس ترامب، قنصليتيها في اليابان وإندونيسيا، وفقا لمسؤولين في الكونغرس مطلعين على القرار.
وقال النائب الديمقراطي عن نيويورك وأحد أبرز الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، غريغوري دبليو ميكس، في بيان: “لقد كانت ولاية ترامب الثانية فشلا ذريعا لمصالح الولايات المتحدة في منطقة آسيا”. وأضاف: “هذه الاستراتيجية، إن صح التعبير، هي بمثابة هدية للصين تقوض مصداقية الولايات المتحدة وتضر بأمننا القومي”.
ويؤكد مسؤولون أن الإدارة لا تتنازل عن مواقعها في آسيا، ففي خطاب ألقاه في مانيلا في 10 آب/أغسطس، قال إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة، إن إدارة ترامب تهدف إلى “الحفاظ على موقف الردع عن طريق المنع على طول سلسلة الجزر الأولى”، أي أنها مستعدة لتخصيص موارد عسكرية لردع الصين عن غزو أو مهاجمة الجزر التي تشمل تايوان وجزرا في الفلبين واليابان.
لكن كولبي أشار أيضا إلى أن الحلفاء بحاجة إلى زيادة إنفاقهم على الدفاع، وأن يسعوا إلى دمج جيوشهم مع الجيش الأمريكي، و”عدم السعي عبثا إلى إقصائنا أو إزاحتنا”.
وتضيف الصحيفة أن الحرب التجارية العالمية التي شنها ترامب، والتي استهدفت دولا في جنوب شرق آسيا، منحت الحلفاء والشركاء انطباعا بأن الولايات المتحدة يمكن أن تكون خصما تجاريا.
وتقول أيضا إن الحكومة الأمريكية افتقرت ولسنوات إلى رؤية اقتصادية لجنوب شرق آسيا، حيث تراجع السياسيون الديمقراطيون والجمهوريون عن اتفاقية التجارة في منطقة المحيط الهادئ التي روج لها الرئيس باراك أوباما.
كل هذا ترك دول جنوب شرق آسيا تتساءل عما حدث لجهود الولايات المتحدة لضمان بقائها قوة موازنة للصين.
وبينما لا ترغب دول جنوب شرق آسيا في الانجرار إلى صراع القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين، “إلا أنها لا تزال ترغب في الشعور بأن الولايات المتحدة تمثل ثقلا موازنا وصحيا لجمهورية الصين الشعبية”، على حد قول ميرا راب-هوبر، التي شغلت منصبا في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن. وأضافت: “لذا، فإن الانطباع بأن الولايات المتحدة تتراجع كبديل قد ترك أثرا بالغا لدى العديد من هؤلاء الشركاء”.
وفي الوقت الذي تحدث فيه ترامب عن الصين كمنافس اقتصادي، إلا أنه لم يخف إعجابه بهذه القوة العظمى بعد أن ردت بنجاح على حربه التجارية العام الماضي. وخلال قمة عُقدت في بكين في أيار/مايو، أعرب ترامب عن إعجابه بالرئيس الصيني شي جين بينغ، وهو يستعد لاستضافة زيارة دولة يقوم بها الرئيس شي إلى واشنطن في أواخر أيلول/سبتمبر.
ومع تنامي التقارب بين ترامب وشي، تشعر بعض الدول الآسيوية بالتهميش، ومع ذلك فهي تختار البقاء في صف الصين. ويزداد هذا الأمر صعوبة في ظل كون الصين الشريك التجاري الأكبر للعديد من هذه الدول، وعدم سعي الولايات المتحدة لتقديم بدائل اقتصادية.
ويقول ريتشارد هيدريان، عالم السياسة الفلبيني: “نحن في موقف بالغ الصعوبة، لأننا نرغب في إقامة علاقة متينة مع كلا الجانبين. وبالنسبة لدول مثل الفلبين، يصبح الأمر أكثر استحالة لأن الولايات المتحدة حليف عسكري. نحن بحاجة إلى الولايات المتحدة في مواجهة التهديد الصيني، لكنها لا تبدي لنا أي دعم يُذكر خارج النطاق العسكري”.
وكانت إدارة بايدن قد وافقت على العمل مع الفلبين على توسيع شبكة النقل، التي تسمى ممر لوزون الاقتصادي، من أجل دمج البلاد بشكل أفضل في سلاسل التوريد العالمية.
وتسعى إدارة ترامب إلى ضم الفلبين إلى مبادرة “باكس سيليكا” بهدف إشراكها في تصنيع أشباه الموصلات وتطوير الذكاء الاصطناعي بما يعود بالنفع على الولايات المتحدة.
تسعى إدارة ترامب إلى ضم الفلبين إلى مبادرة “باكس سيليكا” بهدف إشراكها في تصنيع أشباه الموصلات وتطوير الذكاء الاصطناعي بما يعود بالنفع على الولايات المتحدة
إلا أن هذه الخطوات الأولية تبدو ضئيلة مقارنة بجهود الولايات المتحدة للحفاظ على علاقاتها العسكرية مع الفلبين. فقد ربطت البلدين علاقات وثيقة منذ زمن طويل، وسعيا إلى تعزيز التعاون العسكري بينهما، رغم تقلبات هذه العلاقات في بعض الأحيان. وقد اتخذت الولايات المتحدة من الفلبين أول موطئ قدم استعماري لها في آسيا بعد انتزاعها من إسبانيا في الحرب الإسبانية-الأمريكية. والفلبين هي الدولة الوحيدة في جنوب شرق آسيا التي تربطها معاهدة تحالف رسمية مع الولايات المتحدة، تلزم جيوش البلدين بالمساهمة في الدفاع عن الدولة الأخرى.
وقال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، للصحافيين في مانيلا الشهر الماضي خلال منتدى سنوي لدول جنوب شرق آسيا، إن الجيش الأمريكي عازم على التصدي لمحاولات الصين التوسعية. وخلال إدارة بايدن، انتهجت الحكومة الأمريكية نهجا عمليا في بناء شراكات في آسيا. فقد ضمت اليابان إلى تحالف أمني مع الفلبين. كما نجح الرئيس بايدن في إقناع الفلبين بمنح القوات الأمريكية وصولا موسعا إلى تسع قواعد في جزر قرب تايوان. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2022، سافرت نائبة الرئيس كامالا هاريس إلى جزيرة بالاوان، شرق بحر الصين الجنوبي، وزارت موقعا لخفر السواحل الفلبيني هناك لتوجيه رسالة إلى الصين.
وقد استمر التعاون العسكري في عهد الرئيس ترامب، على الرغم من استنزاف الموارد بسبب الحرب مع إيران. وفي أيار/مايو، اختبر الجيشان الأمريكي والفلبيني منصة إطلاق صواريخ تايفون في إحدى الجزر، في استعراض علني لسلاح يمكن استخدامه ضد القوات الصينية في حال محاولتها غزو تايوان. ودعت الفلبين اليابان للمشاركة في مناورات عسكرية متعددة الجنسيات في حزيران/يونيو، وهي المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التي تتواجد فيها القوات اليابانية على الأراضي الفلبينية.
وتعد هذه الخطوة استمرارا للتحالف الذي تشرف عليه إدارة بايدن، ومحاولة من الفلبين لتوسيع شراكاتها لتشمل دولا أخرى غير الولايات المتحدة.
مادة ذات صلة: في التحضيرات لقمة ترامب- شي.. هل ستؤدي حرب إيران لخسارة أمريكا مناطق نفوذها في آسيا؟
مادة ذات صلة: “البيت الأبيض”: بكين لن تسلّح طهران… وشي يحذّر ترامب: قضية تايوان قد تشعل صراعاً