إيال زيسر
التقرير الفضائحي الذي بموجبه توجهت إحدى دول المنطقة (تركيا؟) لدولة جارة (سوريا؟)، واقترحت عليها “التظاهر” بالسعي لاتفاق سلام مع إسرائيل لاستغلال ذلك كي تبني لنفسها قوة عسكرية توجهها في المستقبل ضد إسرائيل، أثار اهتماماً بل وضجيجاً في إسرائيل.
لكن للحقيقة، هذا نبأ على نمط “كلب عض إنساناً”. فحتى لو كان هذا نبأ جدياً، فلا صلة له بالانتخابات القريبة في إسرائيل، والأمر ليس مؤكداً على الإطلاق، فليس في هذا التقرير أي جديد أو مفاجئ. إنه الشرق الأوسط، الذي يتحدث فيه الجميع ويعملون كل واحد من خلف ظهر الآخر، وجميعهم لا يقصدون ما يقولون، لكن الجميع يخدع الجميع – العرب، الإيرانيون، الأتراك، وحتى الأمريكيين.
وبعامة، الفكرة التي تقول إن التوقيع على اتفاق سلام مسموح حين تفترض المصلحة، لكن مسموح خرق هذا الاتفاق حين تنقضي حاجة، تبدو فكرة قائمة في الإسلام منذ عهد النبي محمد.
وقع النبي معاهدة في العام 628 مع أعدائه، أهل مكة، صلح الحديبية، لعشر سنوات. لكن بعد سنة من ذلك، حين شعر بنفسه قوياً، خرق الاتفاق وهاجمهم وفتح مكة.
بالمناسبة، هذه ليست بالضرورة مجرد ممارسة شرق أوسطية، بل ممارسة مقبولة وحتى شائعة في العلاقات الدولية، ولا حاجة للعودة إلى اتفاق مولوتوف – ريبنتروف، معاهدة عدم الهجوم الذي وقعها هتلر مع ستالين في آب 1939 كي يخرقها بعد سنتين من ذلك في حزيران 1941.
السبب الذي جعل الدول العربية توقع معنا على اتفاقات سلام ليس محبة صهيون، إنما قوة إسرائيل، وما دامت هذه القوة باقية فليس هناك ما نخشاه على مستقبل هذه الاتفاقات
ويمكن بالطبع ذكر إيران التي وقعت على اتفاق نووي لم تنو الالتزام به.
لكن عودة إلى موضوعنا. التقرير الفضائحي بمثابة صحافة سيئة، إذ لا يمكن أن نتعلم منه شيئاً. ليس واضحاً من قال لمن وفي أي سياق، سواء في حديث خاص وغير ملزم بين زعيمين على كأس قهوة، أم في أثناء جلسة رسمية سجل لها بروتوكول، وبعامة ماذا كان عليه سياق الأقوال التي يزعم أنها قيلت.
فهل يدور الحديث عن خطة لتصفية دولة إسرائيل كتلك التي عملت عليها إيران في حينه، أم عن قول بالمناسبة وغير ملزم، مثل الأقوال التي يتميز بها الأمريكيون في المفاوضات التي يجرونها مع إيران، لكن أيضاً بالنسبة لغزة، لبنان وسوريا، بل وباسم إسرائيل؟ أقوال تقضي بأنه لا حاجة للمرء أن يأخذ بجدية تلك الالتزامات التي يأخذها الجيش اللبناني أو حماس على نفسيهما. ببساطة، ينبغي أن يبدو المرء كمن يفعل شيئاً ما، والأمريكيون سيهدئون روع إسرائيل.
وبعامة، يجدر بنا أن نذكر بما قاله الرئيس المصري حسني مبارك، حين حاول إقناع الرئيس السوري حافظ الأسد بالتوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل. قال له إنه لا حاجة للتأثر بمطالب إسرائيل بالتطبيع؛ فهي كما الحالة المصرية؛ لن يخرج منها شيء، وإسرائيل تعرف ذلك. ومع ذلك، تبقي مصر منذ قرابة خمسين سنة على الهدوء على طول حدودنا معها، وخيراً فعل من سارع وأوضح بأن مصر ليست هي الدولة التي يقصدها التقرير.
منطق بسيط يفيد بأن الحديث يدور عن تركيا وسوريا، وعن تسوية سياسية يسعى الأمريكيون للترويج لها بيننا وبين دمشق.
لكن ينبغي القول عن هذا:
أولاً، السبب الذي جعل الدول العربية توقع معنا على اتفاقات سلام ليس محبة صهيون، إنما قوة إسرائيل، وما دامت هذه القوة باقية فليس هناك ما نخشاه على مستقبل هذه الاتفاقات.
ثانياً، في الشرق الأوسط، وليس فقط فيه، يجب على المرء أن يتجول مع عصا كبيرة ويستخدمها أيضاً بين الحين والآخر، بل عليه إبقاء عينيه مفتوحتين، وهكذا لا يفاجئنا أحد.
وأخيراً، ثمة قيمة في اتفاق قصير المدى أيضاً. وما لم نضحّ بشيء ونخاطر بأمننا ووقعنا على اتفاق يحقق لنا ربحاً، حتى لو كان قصير المدى، فثمة قيمة في الأمر. في الشرق الأوسط، كل شيء مؤقت وكل شيء عابر.
إسرائيل اليوم 16/8/2026