قصرة.. نموذج الضم الفعلي للضفة الغربية


د. ميخائيل ميلشتاين

 لا شيء يُثير الدهشة في الأحداث الصعبة التي استمرت نحو أسبوع في قرية قصرة في “السامرة”: لا العنف الوحشي للمستوطنين ضد الفلسطينيين، ولا عجز قوات الأمن (ومشاركة الجنود في “حصار” منازل القرية)، ولا الصمت المريب من صناع القرار، ولا حتى الإدانة الأمريكية القاسية التي تُظهر أن إسرائيل تُرسخ تدريجيًا صورة دولة مضطربة.

المفاجأة الوحيدة هي دهشة، بل وتمرد الكثيرين في معسكر اليمين، وخاصة أولئك الذين يروجون لتوسيع الاستيطان في “المناطق” [الضفة الغربية] إزاء ما يُوصف بأنه أعمال شائنة تضر بالمشروع برمته. إنه لأمر غريب أن يحاول المرء الجمع بين الطرفين: فمن جهة، يدعم إنشاء المزارع، التي لا يستند معظمها إلى أي أساس قانوني، ويصاحب وجودها احتكاكات عنيفة مع الفلسطينيين، ويدعو في الوقت نفسه إلى تطبيق السيادة في “المناطق”، ويدعم “ثورة سموتريتش” الرامية إلى إقامة دولة واحدة بين البحر والأردن بنوعين من الجنسية (دون أي نقاش حقيقي حول مصير ثلاثة ملايين فلسطيني في “المناطق”)، ومن جهة أخرى، يُبدي دهشته من تحركات أخرى تُوصف بأنها غير قانونية وغير أخلاقية. لا بد من مواجهة الحقائق: إن أحداث قصرة ليست “حادثًا تاريخيًا عابرًا”، بل تطور مرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ”الثورة” في “المناطق” وتداعياتها.

الأحداث التي شهدتها قصرة، كتلك التي وقعت في قرية تل، التي بدأت بـ”رحلة” وانتهت بمقتل مستوطن وضابط في الجيش الإسرائيلي، تُظهر للرأي العام تشكيل كيان “خارج عن القانون” ذي قوانين وقيم فريدة

إن الأحداث التي شهدتها قصرة، كتلك التي وقعت في قرية تل، التي بدأت بـ”رحلة” وانتهت بمقتل مستوطن وضابط في الجيش الإسرائيلي، تُظهر للرأي العام تشكيل كيان “خارج عن القانون” ذي قوانين وقيم فريدة، حيث لا يقتصر ما يحدث هناك على “جبال الظلام”، بل يؤثر على البلاد بأسرها. لقد آن الأوان لتوضيح الأمور: ما يجري في “يهودا والسامرة” [الضفة الغربية] تحت غطاء عاصفة سياسية غير مسبوقة هو مشروع قطاعي قائم على الإيمان والأيديولوجيا، فُرض على عامة الشعب، الذين لا يفهم معظمهم أو لا يعلمون ما يجري في “المناطق”، ولا يزورون المنطقة، ولا يتبنون رؤية “الثورة”، ويشكّون في رغبتهم بالعيش في بلد تشمل “أهدافه الاستراتيجية” في القرن الحادي والعشرين تشجيع بناء الهيكل وتطبيق الشريعة.

يعود تعقيد الوضع إلى أن معظم الناس ما زالوا يعانون من صدمة أحداث 7 أكتوبر. فقد رسخت المجزرة المروعة التي ارتُكبت بحق الإسرائيليين في الوعي الجمعي نفورًا من رؤية العرب وسماع اللغة العربية، وانعدام ثقة تام بالعرب (بما في ذلك الأحزاب العربية في إسرائيل)، وتطبيع مصطلحات مثل “الترحيل” (“الهجرة الطوعية”) و”لا يوجد محايدين”، وإيمانًا بضرورة الاعتماد على الذات فقط (“إسبرطة الجديدة”)، ودعمًا لاستمرار استخدام القوة، وبالطبع رفضًا للتسوية السياسية، لا سيما مع الفلسطينيين. إن العيش في ظل هذه الصدمة المستمرة دون معالجة – والمتجسدة في تحقيق رسمي – يحول دون فهم شامل للواقع. ومن ثم، لا يفكر الإسرائيليون مليًا في المعنى المستمد من النهج “الواعي”، ويجدون صعوبة بالغة في تخيل شكل دولة واحدة يعيش فيها شعبان يعادي أحدهما الآخر دون فواصل، وهو ما يضمن واقعًا بلقانيًا.

لقد حدد دعاة “الثورة” نقطة الضعف ويسعون لاستغلالها، مقدمين أنفسهم كحلٍّ واع لما فعله عماليق بنا، بينما يصورون رؤيتهم القطاعية كمشروع وطني يُسهم في مصلحتنا جميعًا ويحظى بتوافق جماعي. كل هذا مع إخفاء الأساس الديني الذي تقوم عليه “الثورة” من خلال تبريرات تبدو استراتيجية يسهل على العامة استيعابها: فالمزارع تجسد دروس أحداث 7 أكتوبر (وهو فشلٌ وقع في ظل حكومة ينتمي إليها دعاة “الثورة”)؛ والاستيلاء على المزيد من الأراضي يُمكّن من تحقيق الأمن والنصر والردع؛ وبالطبع، يُعد الاستيطان في كل مكان مكسبًا وطنيًا ورادعًا للإرهاب. الرؤية مشروعةٌ بلا شك، لكنها تتطلب توضيحًا بأن دوافعها دينيةٌ في جوهرها، وشرحًا للعواقب الوخيمة لتطبيقها على الطابع الديمقراطي لإسرائيل وشرعيتها الدولية.

في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى تزايد نفاد صبر ترامب تجاه إسرائيل. أُعجب بأدائها العملياتي، لكنه اكتشف تدريجيًا أنها خارجة عن التوازن الاستراتيجي، وتروج لأوهام تُورِّط واشنطن في مشاكل (خاصة مع إيران)، وفوق كل ذلك، مُدمنة على استخدام القوة ومتعطشة للأراضي. ونتيجة لذلك، يلجأ ترامب إلى ضبط النفس الخارجي وفرض العقوبات، كما تجسد في لبنان وغزة، وقد يؤدي ذلك إلى استنتاج، بروح التدويل، أن من الأفضل للأمريكيين فرض النظام في “المناطق”. وهكذا، في قصرة، تجلى مرة أخرى فشل فكرة أن ترامب دائمًا معنا وأننا من نتخذ القرارات.

تدور الانتخابات المقبلة حول العديد من القضايا المصيرية، ومن بينها مستقبل العلاقات مع الفلسطينيين. في ظل أحداث 7 أكتوبر، أصبح الخطاب حول هذه القضية سطحيًا، مشوهًا، مليئًا بالأوهام وخاليًا من التحليل المعمق، حيث يُوصم أي نقد على الفور بأنه “انهزامية على غرار أحداث 6 أكتوبر”. تُقدّم معظم الأحزاب شعاراتٍ حول القضية الفلسطينية، مثل “إدارة الصراع” التي انهارت في 7 أكتوبر، ولا يطالبها الرأي العام ببرنامجٍ أكثر نضجًا.

يُقدّم منظورٌ واقعي خيارين سيئين في ظلّ الوضع المُعقّد الذي يمرّ به الصراع حاليًا: إما التقدّم نحو دولةٍ واحدة، كما يتحقّق يوميًا من خلال بناء ودمج البنية التحتية والإجراءات؛ أو إيجاد سبيلٍ لتحقيق فصلٍ جغرافي، لا يستلزم بالضرورة إقامة دولةٍ فلسطينية (وهو سيناريوٌ لا تزال جدواه وفرص نجاحه ضئيلة)، مع بناء منطقةٍ عازلة بطريقةٍ مدروسة ودون المساس بأمن إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على السيطرة على غور الأردن وحرية العمل في الساحة الفلسطينية. إنّ الفصل الواقعي ليس خيارًا مثاليًا، ولن تنتهي المشاكل إذا ما تمّ المضيّ به، لكنّه يبقى أفضل من وجودٍ دمويّ متوتر في دولةٍ واحدة.

 يديعوت أحرونوت 16/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *